أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الحرّاس














المزيد.....

قصة قصيرة: الحرّاس


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 08:33
المحور: الادب والفن
    


كان السوق هو قلب القضاء. فمنذ الصباح الباكر كانت أبوابه تُفتح واحداً بعد آخر، وتتعالى أصوات الباعة، وتتحرك العربات بين الأزقة الضيقة، وتختلط رائحة الخبز بالقهوة وبضائع الدكاكين الصغيرة. وفي المساء، حين ينسحب الناس من السوق، كانت الأبواب الحديدية تُغلق، ويعود المكان إلى سكونه المعتاد.
ثم بدأت السرقات. في البداية كانت سرقة واحدة، ثم ثانية، ثم أخذت الحوادث تتكرر حتى أصبح أصحاب المحال يصلون إلى متاجرهم كل صباح وهم يتوقعون مفاجأة جديدة. دكان فُتح ليلاً، صندوق نقود اختفى، بضاعة نُقلت من مكانها، وقفل كُسر دون أن يعرف أحد كيف.
كانت الشرطة تحضر بعد كل حادثة، تسأل، وتبحث، وتفحص الأبواب والأقفال، ثم تكتب محضرها وتغادر. وفي نهاية كل محضر كانت تظهر الكلمة نفسها: مجهول.
مرت الأيام، ولم يتغير شيء. كلما ظن الناس أن السرقات ستتوقف، وقعت سرقة جديدة. بدأ الخوف يتسلل إلى السوق، وصار أصحاب المحال يغادرون في وقت أبكر، ويتفقدون أبوابهم أكثر من مرة قبل أن يعودوا إلى بيوتهم.
أما القائمقام، فكان يتابع الأمر بقلق. لم تكن السرقات وحدها ما يؤرقه، بل عجز الأجهزة عن الوصول إلى الفاعل. كانت الأخبار تصل إلى المحافظة، والأسئلة تتكرر، وكلما سُئل عن الأمر لم يجد ما يقوله سوى أن التحقيق مستمر.
وفي صباح أحد الأيام، جلس خلف مكتبه، وأمامه مجموعة من محاضر السرقات. قرأها واحدة بعد أخرى، ثم رفع رأسه عن الأوراق وقال:
ـ لا بد أن تنتهي هذه الحكاية.
فكر طويلاً. وللمرة الأولى لم يفكر في زيادة عدد أفراد الشرطة، ولا في نصب نقاط تفتيش، ولا في تشديد الحراسة. فكر في شيء آخر. إذا كانت الشرطة لم تستطع أن تجد السارق، فلا بد أن هناك من يعرفه.
لذلك أرسل في طلب رجل يثق بمعرفته بأهل القضاء، وطلب منه أن يبحث بصمت عن الأشخاص الذين يُعرف عنهم امتهان السرقة، على أن يتم ذلك بعيداً عن الشرطة وعن أعين الناس.
بعد أيام قليلة، عاد الرجل بقائمة من الأسماء. قرأها القائمقام بهدوء، ثم قال:
ـ أحضرهم واحداً واحداً.
حضر الرجال في أوقات متفرقة، لم يحقق معهم، لم يسألهم أين كانوا ليلة السرقة، ولا من يعرفون، ولا ماذا يفعلون حين ينام الناس. اكتفى بأن عرض عليهم العمل حراساً للسوق، ثم أخبرهم بالراتب. كان راتباً جيداً، أفضل بكثير مما يمكن أن يحصل عليه رجل عادي في ذلك القضاء، لذا وافقوا جميعاً.
ومنذ تلك الليلة، أصبح للسوق حراس. يقفون عند المداخل، ويتناوبون على الأزقة، ويتفقدون الأبواب بعد إغلاق المحال.
مرت ليلة، ثم أخرى، ثم أسبوع كامل، لم تقع سرقة واحدة. مر شهر، ثم شهر آخر. وبدأ أصحاب المحال يستعيدون ثقتهم بالسوق. عادت الأبواب تُغلق عند المساء دون ذلك القلق القديم، وعاد الناس يتحدثون عن حكمة القائمقام وقدرته على معالجة المشكلة التي عجزت الشرطة عن حلها.
أما القائمقام، فقد شعر أن ثقته بنفسه عادت إليه. وحين جاءه كتاب من المحافظة يسأله عن سبب توقف السرقات، كتب في آخر الصفحة: تمت معالجة الأمر.
لم يسأل أحد كيف. ومرت السنوات، كبر السوق، وتغيرت بعض الدكاكين، ومات بعض أصحابها، وجاء آخرون مكانهم، لكن شيئاً واحداً بقي كما هو: الحراس. كانوا يتعاقبون على حماية السوق، وكلما انتهت خدمة أحدهم جاء آخر، حتى صار وجود الحراس جزءاً من حياة القضاء.
وذات مساء، بعد سنوات طويلة، كان القائمقام القديم يمر في السوق. كان قد تقدم في العمر، ولم يعد يشغل المنصب نفسه، لكنه أراد أن يرى المكان الذي كان سبباً في شهرته. وقف أمام أحد المحال، وتذكر الأيام الأولى، ابتسم وقال لنفسه:
ـ إن المشكلة انتهت منذ زمن بعيد.
ثم لمح رجلاً عجوزاً يخرج من أحد الدكاكين، تأمله قليلاً. كان واحداً من أولئك الذين استدعاهم ذات صباح ليعمل حارساً، تقدم منه وقال:
ـ ما زلت هنا؟
ابتسم الرجل.
ـ منذ ذلك اليوم.
ضحك القائمقام وقال:
ـ وهل ما زلتم تحرسون السوق بالطريقة نفسها؟
أجاب الرجل:
ـ لم تتغير الطريقة.
هز القائمقام رأسه، واستدار ليغادر. وقبل أن يبتعد، التفت مرة أخرى وسأل:
ـ وهل سُرقت دكاكين السوق بعد ذلك؟
ابتسم الرجل. هذه المرة لم يجب، ظل القائمقام ينتظر، وبعد لحظة، قال العجوز:
ـ لا يا أستاذ، منذ أن بدأنا الحراسة، لم تُسرق دكان واحدة.
مضى القائمقام في طريقه مطمئناً. أما العجوز، فبقي واقفاً أمام باب الدكان، يراقبه حتى غاب عند آخر الزقاق. ثم أخرج من جيبه مفتاحاً صغيراً، وأغلق الباب خلفه. كان السوق قد أُغلق منذ زمن، ولم يكن في الأزقة أحد.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يغيب الصمت
- لن أنهض
- بين إمكانية التطور وإشكالية التطبيق: قراءة تأملية في كتاب ال ...
- نص نثري: هيهات أن أعود
- التطور بين قوانين الطبيعة وأسئلة الوجود: قراءة تأملية في كتا ...
- قصة قصيرة: انتصار الذات
- الموت يخطئ الطريق
- مراجيح الموتى: تأملات في سرد الفقد وتشظّي الذاكرة، قراءة تأم ...
- نص نثري: لحظةُ الستار
- الكتابة على جمر الذاكرة: قراءة تأملية في سردية العبث عند عزا ...
- ملاذُ الخوف
- قصة قصيرة: السلب
- نص نثري: من أنا؟
- نص نثري: آخر طيفٍ من حلم
- قصة قصيرة: التماهي
- قصة قصيرة: رقمٌ بين شهادتين
- على الضفة الأخرى من الغياب
- لحظة العثور على أزرار الحديد: تأملات في الفقد المتكرر في قصة ...
- نص نثري: التيه
- محاكاة الرفات؛ حين يصبح الموت مرآة للحياة: تأملات في ذاكرة آ ...


المزيد.....




- من مفاتيح البيوت إلى هاتف أبي عمار.. متحف يحفظ تفاصيل فلسطين ...
- بعد سنوات من الغياب.. عادل إمام يعود إلى الواجهة بفيلم يوثق ...
- فنان سعودي يعلق على تضامن مصر مع المملكة برسالة مؤثرة
- -الدَّرّاس-.. كيف يصنع السجناء في المغرب لغتهم السرية للعيش ...
- اكتشاف أقدم حطام سفينة في العالم قبالة سواحل تركيا
- أبل تكشف ملامح iOS 27.2 بتعديلات جوهرية في الرسائل والمنزل و ...
- باراماونت تبدأ إنتاج فيلم «ريد رايزينغ» بإخراج فرانسيس لورنس ...
- فاز بكأس العالم 1998.. صدفة تقود أسطورة أرسنال إلى عالم السي ...
- تضارب الروايات بشأن توقيف متهم بمجازر في سوريا.. هل -اختُطف- ...
- فيلم -قتل آنا-.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة الت ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الحرّاس