أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين يغيب الصمت














المزيد.....

حين يغيب الصمت


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 08:33
المحور: الادب والفن
    


ها هو المساء قادم متكئاً على صهوة السكون، ويلملم ما تبقى من فراغ الأوقات المكتظة بوهم الزحام، حين لفحته نسمة هواء باردة، تكاد توخز أنفاس المغيب قبل أن يتنفسها الليل، نسمات باغتت شرود ذهنه المتعب بعد طول المسير في ممرات الخيال، كأنها أيقظت فيه وميض سؤال قديم، كأن السؤال كان غافياً منذ سنين في تجاويف الذاكرة: عن ماذا يبحث؟ ظل يتفرس في الوجوه والأشياء، في الذكريات والاحتمالات، وكأنه يفتش عن شيء لا اسم له في قاموس أيامه، ولا تظهر له ملامح واضحة في مرآة قلبه، شيء يرفض أن يتجلى، ومع ذلك كان هو يتلمس ملامحه في كل زاوية من روحه.
لم يكن يدرك أن ما يبحث عنه في جوهره هو الأمان، لكنه لم يجرؤ يوما على تسميته، إذ كان متأرجحاً كلما نظر إلى العالم، فحيناً يراه أليفاً دافئاً، وحيناً كقوقعة باردة من الزيف المطلق، تغلق عليه كل منفذ للنور. لقد سئم المتاهات ودروب الانكسار، وسئم ذلك العبث الذي يتخفى خلف قناع الجدوى. لذا اختار العزلة، لا هربا من الحياة، بل رغبةً في تطهير الذات من شوائب التكرار، ومن ضجيج الوجوه التي تتبدل كل صباح، وفي أعماقه رفض داخلي عميق لكل ما يُجرد الإنسان من إرادة الحرية، ولو كانت مجرد هاجس.
كاهله المثقل بخيبات الزمان صار لا يقوى حتى على الحنين، حتى الحنين، لم يعد يتسع له صدره ولا ذاكرته. وكلما عاد بذاكرته إلى تلك السنوات القاتمة التي داهمت خيوط أفكاره المشتتة، اجتاح قلبه بذكريات قديمة، وراح يلهث خلف حلم بعيد، بعالم منزوع من الهموم، مبرّأ من شلالات الحزن، يطفو فوق حقول من صدق لا يُزيف، ولا يبتلع الوجوه في قناعٍ خادع.
وفي خضم هذا التلاطم الداخلي، عاد إلى صورة ظلت كامنة في أعماقه، صورة تلك العربة الحديدية الصغيرة التي تُستخدم لفحص السكة، كانت تسير قبل مجيء القطار "الطرزينه". لم تكن الصورة سوى استعارة صارخة لحياة كانت تئن تحت ثقل التكرار. رجال يدفعونها بأجساد منهكة، وأيدٍ احترقت من لهب الصيف وقسوة الشتاء، ثم، يركبونها بصمت، يراقبون الأرض من الجانبين، وحين تتباطأ، يعيدون ذات الفعل بذات التعب، كأنهم وُلدوا ليدفعوا، وُلدوا ليعيدوا ذات المشهد فوق خشبة أعمارهم.
حينها لم يفهم، أما الآن فقد أدرك، لقد بدأ ستار العتمة ينسدل عن الوجوه المقنعة، وبدأ يكتشف كم من الصور كانت خادعة، وكم من المسارات أوهمته بوجود غاية لم تكن هناك. اليوم، يرى العالم كمن عيل صبره في سنين خلت، كل الوجوه أصبحت متعبة، وكل الحكايات باتت تفتقد إلى روحها، كأنها حكايات تُروى عن زمنٍ لم يعشه أحد، لكنها تحاصر كل من آمن بها.
لقد تحولت في نظره تلك العربة إلى رمز للحياة تُدار بالقصور الذاتي، حيث لا غاية سوى الاستمرار، ولا استمرار سوى بذل بلا سؤال، بذلٌ لا يعرف طعمَ الجدوى، وسعي لا يبصر نهاية السكة. كيف لم يرَ كل هذا من قبل؟ كيف لم يشعر أن قسوة الزمن قد وسّعت المسافات بين ما يراد وما يُنال، وأن الحدقات لا تبصر الأوجاع غير المرئية، والبراءة التي ضاعت باكراً، خلفت حفراً لا تراها العيون، لكنها تسكن كل دربٍ في النفس؟
يلاحقه شعور جارف باللاجدوى، لكنه مع ذلك لا يتوقف. لقد أيقن أن الأماني الكامنة فيه لن تُولد إلا إذا تشبث بها، وأن الشجاعة، وإن كانت أولى عواطف الإنسان، فقد باتت في هذا الزمن نادرة، بعدما صار الخوف سيد الأجساد، وصارت القلوب تنكمش على نبضها، خشية أن يفضح الصوت ما يُخفيه من ضعف.
إن الخزعبلات العديدة التي تنسجها الحياة تنتهي أحيانا بصمت طويل، لكنه يعرف الآن أن الصمت لا يعفي من مسؤولية النهوض، مع أنه كان مؤمنا بحلم أثير، لكنه أيقن أنه كمن يبحث عن وجهٍ صادقٍ وسط عالمٍ من الأقنعة، وجه يعيد إليه إحساسه الأول بالانتماء، ويصالحه مع ما تبقى فيه من ثقةٍ بالذات لم تعد تقوى على الدفع دون أمل، لكنها تواصل، كأن خيوط الحياة تشدها، لا الإرادة.
لم يفهم ما يحدث آنذاك، أما اليوم، وفي غمار هذا الزمن، كأنه يراهم بوضوح في كل مكان، وكأنهم ولدوا ليحركوا العربة، دون أن يعرفوا إن كان القطار سيأتي فعلا، أو أن السكة تؤدي إلى نهاية ما. وهناك، عند مفترق طرق الارتياب، عاد الصمت، لا كراحة، بل كإدانة، يهمس له: كان لهم أن يتيقنوا قبل أن يواصلوا المسير.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لن أنهض
- بين إمكانية التطور وإشكالية التطبيق: قراءة تأملية في كتاب ال ...
- نص نثري: هيهات أن أعود
- التطور بين قوانين الطبيعة وأسئلة الوجود: قراءة تأملية في كتا ...
- قصة قصيرة: انتصار الذات
- الموت يخطئ الطريق
- مراجيح الموتى: تأملات في سرد الفقد وتشظّي الذاكرة، قراءة تأم ...
- نص نثري: لحظةُ الستار
- الكتابة على جمر الذاكرة: قراءة تأملية في سردية العبث عند عزا ...
- ملاذُ الخوف
- قصة قصيرة: السلب
- نص نثري: من أنا؟
- نص نثري: آخر طيفٍ من حلم
- قصة قصيرة: التماهي
- قصة قصيرة: رقمٌ بين شهادتين
- على الضفة الأخرى من الغياب
- لحظة العثور على أزرار الحديد: تأملات في الفقد المتكرر في قصة ...
- نص نثري: التيه
- محاكاة الرفات؛ حين يصبح الموت مرآة للحياة: تأملات في ذاكرة آ ...
- صوتٌ قادمٌ من بعيد


المزيد.....




- انطلاق فعاليات مهرجان البحرين المسرحي في دورته الخامسة بالمن ...
- السينما العربية في مهرجان القاهرة: حكايات الهوية وذاكرة الصم ...
- من ذاكرة الحروب إلى معارك الهوية.. حكايات السينما العربية في ...
- زاك كريغر يخطط لأفلام الرعب على الآيفون قبل أن تبدأ الكاميرا ...
- أموريم يحدد معضلة ميلان الفنية ويؤكد: تجاوزنا نشوة الفوز على ...
- اعتراف بجميع كتّاب القصة.. كريستينا فرنانديث كوباس تفوز بجائ ...
- كتاب -إمبراطورية الأكاذيب- لتشارلز غويِت.. تشريح حروب الدولة ...
- حوار مع الأديبة الشاعرة والمترجمة تغريد بومرعي
- توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا ...
- تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين يغيب الصمت