أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - مملكة الأقفاص المفتوحة














المزيد.....

مملكة الأقفاص المفتوحة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 13:12
المحور: الادب والفن
    


في غابةٍ بعيدة، لم تكن الأشجار وحدها هي التي تكبر؛ كانت الأسئلة أيضاً تنمو بين جذوعها، كلما تبدلت الفصول وتغيّرت الوجوه. كان للغابة مجلسٌ يجتمع كل بضع سنوات، يختار سكانها من يمثلهم في ذلك المكان العالي، حيث تُتخذ القرارات باسم الجميع. وكانوا يسمّون ذلك اليوم: يوم الاختيار.
في المرة الأولى، خرجت الحيوانات من جحورها وأعشاشها وكهوفها مبكرة. كانت العصافير ترفرف فوق الرؤوس، والأرانب تقفز بين الأعشاب، والقرود تتبادل الأحاديث، وحتى السلاحف غادرت أماكنها على مهل. لم يكن أحد يعرف على وجه اليقين ما الذي سيحدث بعد الاختيار، لكن الأمل كان يومها أخفَّ من أن يُرى، وأثقلَ من أن يُهمل.
قال الثعلب العجوز، وهو يراقب الجمع من بعيد:
- ربما يتغير شيء هذه المرة.
ولم يعلّق الذئب، أما الحمار، فظل يردد:
- لعل الذين سيصعدون إلى المجلس يتذكرون الذين بقوا في الأسفل.
ومضى اليوم، اختاروا من اختاروا.
ثم انقضى موسم، وجاء آخر، ولم يتغير شيء إلا أن الذين صعدوا إلى المجلس بدأوا يظهرون في الطرقات بعربات أكبر، وحولهم حيوانات مسلحة، بينما صار الدخول إلى أماكنهم أصعب من ذي قبل.
كان بعضهم قد نسي شكل الجحر الذي خرج منه. وكان آخرون يتحدثون عن الجوع من خلف أسوار عالية، وعن العشب من فوق مقاعد مكسوة بالجلد. في البداية، لم ينتبه سكان الغابة كثيراً،
ثم بدأوا ينتبهون. كانت المشكلة أن الذين اختاروهم لم يعودوا يرونهم، كلما اقترب أرنب من أحدهم، وجد حوله دائرة من الحراس. وكلما حاول عصفور أن يحمل رسالة، ضاعت الرسالة بين مخالب الكتبة. وكلما اشتكى حيوان من نقص الماء، قيل له إن الأمر يحتاج إلى دراسة. وحين طال انتظاره، قيل له إن الدراسة ما زالت مستمرة.
وبعد سنوات، أصبح سكان الغابة يعرفون الطريق إلى صندوق الاختيار أكثر مما يعرفون الطريق إلى من اختاروه، عندها بدأ شيء غريب يحدث، صار بعض الحيوانات يقول:
- لن نذهب هذه المرة.
وقال آخرون:
- وما الفائدة؟
وقالت السلحفاة، التي كانت قد عاشت مواسم أكثر من الجميع:
- ربما المشكلة ليست في الصندوق، بل في اليد التي تضع فيه الاختيار.
لكن أحداً لم يجبها. وحين اقترب موعد الاختيار الجديد، ظهرت في الغابة جماعات من الحيوانات تحمل الأعلام والأغصان الملونة، وتردد أسماءً جديدة وقديمة. دخلت إلى الجحور، وصعدت إلى أعشاش الطيور، ووصلت حتى إلى أوكار الحيوانات التي أقسمت ألا تخرج. قالوا لهم:
- هذه المرة مختلفة.
وقالوا:
- أصواتكم مهمة.
وقالوا:
- من لا يشارك، لا يحق له أن يتحدث عن الغابة.
ثم بدأت القبائل تستيقظ، جاء كبير القطيع إلى بعض الحيوانات وقال:
- لا تخذلوا جماعتكم.
وجاء آخر إلى أهل الوادي:
- علينا أن نذهب جميعاً.
وهكذا لم يعد الاختيار شأناً بين حيوان وصندوق، بل صار امتحاناً للانتماء. الأرنب الذي كان يريد البقاء في جحره وجد نفسه محاصراً بكلام الجماعة، والغزال الذي فقد ثقته بكل شيء وجد نفسه يسير مع القطيع، حتى الحمار الذي كان قد أقسم ألا يذهب، وجد نفسه صباح يوم الاختيار يسأل:
- في أي اتجاه يسير الجميع؟
ولم يكن يعرف لماذا يسأل. ذهبوا، اختاروا. وأغلقت الصناديق أبوابها، ثم عادت الغابة إلى صمتها القديم.
مرّت الأيام. تبدلت اللافتات، وتغيرت الوجوه، وظهرت عربات جديدة، وكبرت الأسوار. لكن العشب بقي نادراً، والماء بقي بعيداً، والحيوانات التي وعدت الغابة بأن تجعلها أكثر عدلاً بدأت تتعلم بسرعة كيف تعيش خلف الأسوار.
في مساءٍ بارد، اجتمعت الحيوانات قرب شجرة يابسة. كان الصمت أثقل من الكلام.
قال الأرنب:
- ألم نختَرهم نحن؟
قال الغزال:
- بلى.
قال الحمار:
- فلماذا لا يسمعوننا؟
رفع الثعلب العجوز رأسه، ونظر طويلاً إلى الطريق المؤدي إلى المجلس، ثم قال:
- ربما لأننا كنا نظن أن اختيارهم يعني أنهم أصبحوا جزءاً منا، بينما كانوا هم يرون أن اختيارنا لهم يعني أننا أصبحنا جزءاً منهم.
ساد الصمت، كانت السلحفاة تنظر إلى صندوق الاختيار البعيد، ثم قالت:
- ولكن لماذا نعود إليه كل مرة؟
لم يجبها أحد. وفجأة، هبّت ريح قوية من ناحية الجبل، فتطايرت الأوراق التي كانت تحمل أسماء المرشحين، وتدحرج أحدها حتى توقف أمام الحيوانات. اقترب الأرنب منه، قرأ الاسم. ثم قلب الورقة على وجهها الآخر، فوجد شيئاً لم يكن مكتوباً في المرة السابقة، كان هناك سؤال واحد فقط:
- إذا كان الاختيار لا يغيّر شيئاً، فمن الذي يختار من؟
رفع الأرنب رأسه. نظر إلى القطيع، ثم نظر إلى الصندوق، وإلى الطريق المؤدي إلى المجلس. وفي مكان ما من الغابة، كان منادي الاختيار يقرع الجرس من جديد، لكن هذه المرة، لم يكن أحد يعرف إن كان الجرس يدعوهم إلى الاختيار، أم يذكّرهم بأنهم لم يجدوا بعد إجابة السؤال القديم.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نص نثري: الحصن الأخير
- بين حرائق الحرب واحتراق الحب: حين تُصادر الظروف حق الإنسان ف ...
- غياهبُ الكتمان
- قصة قصيرة: الحرّاس
- حين يغيب الصمت
- لن أنهض
- بين إمكانية التطور وإشكالية التطبيق: قراءة تأملية في كتاب ال ...
- نص نثري: هيهات أن أعود
- التطور بين قوانين الطبيعة وأسئلة الوجود: قراءة تأملية في كتا ...
- قصة قصيرة: انتصار الذات
- الموت يخطئ الطريق
- مراجيح الموتى: تأملات في سرد الفقد وتشظّي الذاكرة، قراءة تأم ...
- نص نثري: لحظةُ الستار
- الكتابة على جمر الذاكرة: قراءة تأملية في سردية العبث عند عزا ...
- ملاذُ الخوف
- قصة قصيرة: السلب
- نص نثري: من أنا؟
- نص نثري: آخر طيفٍ من حلم
- قصة قصيرة: التماهي
- قصة قصيرة: رقمٌ بين شهادتين


المزيد.....




- غيبني يكشف تردد «يونيفرسال» بشأن فيلم ماسك الوثائقي ورد المل ...
- -سيجارة- تهدد مطربا مصريا بالشطب النهائي
- مهرجان القاهرة السينمائي.. فلسطين حاضرة واحتفاء بأسماء بارزة ...
- نتنياهو: يطالب بفتح تحقيق ضد المشاركين في فيلم -نازا- بتهمة ...
- باسم رئيس رماة السلطان الفاتح.. مدرسة -أوقجو موسى- شاهدة على ...
- مهرجان القاهرة السينمائي الدولي يعلن مشاركة 145 فيلمًا من 64 ...
- مهرجان الجونة السينمائي..حكايات عربية عن الحرب والمنفى والهش ...
- متحف التحرير يستعد لمرحلة جديدة.. ماذا تخطط مصر لأحد أشهر مت ...
- فنان مصري شهير ينجو من سطو مسلح
- أبرز تفاصيل الدورة الـ47 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - مملكة الأقفاص المفتوحة