أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: الحصن الأخير














المزيد.....

نص نثري: الحصن الأخير


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 13:12
المحور: الادب والفن
    


هل كان على خطأ؟ لا يعرف.
كلما ظن أنه أمسك بطرف الحقيقة، أفلتت من يده، كأنها لم تكن هناك أصلاً. وربما لم يكن الطريق الذي يسير فيه طريقاً، بل سؤالاً طويلاً اتخذ هيئة الطريق.
كان قد تعلم أن الإيمان يقين، وأن العقل سؤال. لكنه، كلما حاول أن يفصل بينهما، وجدهما يقفان في عتمة بعضهما؛ كأن أحدهما لا يظهر إلا حين يبدأ الآخر بالارتجاف.
وكان يؤمن أن العقل هو الحصن الأخير؛ فإذا انهار، لم يبق للإنسان سوى ما يُقال له، وما يُطلب منه أن يصدقه. لكنه كان يخشى، في الوقت نفسه، أن يتحول هذا الحصن إلى جدار يحجب عنه أشياء لا يستطيع العقل أن يراها.
ومن هنا بدأت حيرته.
كيف يمكن أن يصدق حكاية امرأة عمياء تحلب الأغنام، ثم يأتي شخص بتيس إليها، فتجلس لتحلبه، ويخرج منه الحليب؟ كانت الحكاية تُروى له كما لو أنها لا تحتاج إلى سؤال.
وحين سأل: كيف؟ جاءه الجواب هادئاً، مكتملاً، لا يحتمل النقاش:
كرامة.
ظل يحدق في الكلمة طويلاً.
ما الذي يجعل الواقعة كرامة؟ ومن الذي منحها هذا الاسم؟ وهل يكفي أن يعجز الإنسان عن تفسير شيء حتى يرفعه إلى مرتبة الغيب؟
لم يكن يريد أن يكذب أحداً، ولم يكن يبحث عن انتصار للعقل على الإيمان. كان يبحث عن الحد الفاصل بين أن يؤمن بما لا يراه، وبين أن يصدق ما لا يملك دليلاً عليه.
كانوا يرون في الحكاية نوراً، وكان يرى فيها سؤالاً.
وكانوا يقولون: لا تسأل.
وكان يشعر أن السؤال، في تلك اللحظة بالذات، هو الشيء الوحيد الذي ما زال يربطه بنفسه.
قال في سره: أليس هناك طريق واضح؟ أليست هناك نصوص تحفظ للإنسان ميزانه؟ فلماذا يحتاج الإيمان إلى حكاية امرأة عمياء، وتيس، وحليب لا يعرف أحد من أين جاء؟
ثم خاف من السؤال نفسه، ربما لم تكن المشكلة في الحكاية، ربما كانت فيه. وربما كان العقل، الذي ظنه حصنه الأخير، قد تحول من حصن يحميه من الوهم إلى جدار يحجبه عن شيء لا يستطيع إدراكه.
لكنه عاد وسأل: إذا كان كل ما يعجز العقل عن تفسيره يمكن أن يسمى كرامة، فمن يحرس الحقيقة من الخرافة؟ ومن يحرس الإيمان من الذين يتكلمون باسمه؟
ظل واقفاً بين جهتين؛ جهة تقول: صدّق. وجهة أخرى تقول: اسأل.
ولم يعرف أيهما كان أكثر رحمة به.
ثم تذكر التيس.
لا يعرف لماذا تذكره في تلك اللحظة تحديداً، ربما لأنه كان يبحث عن واقع عملي، أو لأنه كان يبحث عن الحقيقة. أو لأن شيئاً غامضاً بدأ يتشكل في داخله، شيء لم يجد له اسماً بعد.
فكر طويلاً، ثم رفع عينيه عن الأرض. للمرة الأولى، لم يعد السؤال:
هل كان التيس يحلب حليباً؟
بل: من كان يحلب من؟
وعندها لم يعرف... أكان قد اقترب من الحقيقة، أم أن الحقيقة، بهدوء، بدأت تحلب عقله؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين حرائق الحرب واحتراق الحب: حين تُصادر الظروف حق الإنسان ف ...
- غياهبُ الكتمان
- قصة قصيرة: الحرّاس
- حين يغيب الصمت
- لن أنهض
- بين إمكانية التطور وإشكالية التطبيق: قراءة تأملية في كتاب ال ...
- نص نثري: هيهات أن أعود
- التطور بين قوانين الطبيعة وأسئلة الوجود: قراءة تأملية في كتا ...
- قصة قصيرة: انتصار الذات
- الموت يخطئ الطريق
- مراجيح الموتى: تأملات في سرد الفقد وتشظّي الذاكرة، قراءة تأم ...
- نص نثري: لحظةُ الستار
- الكتابة على جمر الذاكرة: قراءة تأملية في سردية العبث عند عزا ...
- ملاذُ الخوف
- قصة قصيرة: السلب
- نص نثري: من أنا؟
- نص نثري: آخر طيفٍ من حلم
- قصة قصيرة: التماهي
- قصة قصيرة: رقمٌ بين شهادتين
- على الضفة الأخرى من الغياب


المزيد.....




- بعد 4 عقود.. الأردن يستعيد من أستراليا قطعة من -أقدم منحوتة ...
- لوحة لفان غوخ تُعرض للمرة الأولى منذ 60 عاما وقد تُباع بـ180 ...
- مهرجان العراق السينمائي الدولي لأفلام الشباب يفتح باب المشار ...
- الناقد بين الحياد والتواطؤ في جلسة أتحاد الأدباء
- السجن المؤبد لمدبر قتل مغني الراب توباك شاكور بعد 30 عاما عل ...
- الذكاء الاصطناعي يهدد باستنساخ أكثر المواهب الأدبية تميزا
- مهرجان -رايندانس- بلندن يخصص مسابقات لأفلام شاشات الهواتف
- موقع مزيف يستغل اسم -نازا- لترويج الرواية الإسرائيلية
- التعليم العالي: وزير التعليم العالي يشارك في اجتماع رئيس الو ...
- -انتخابات بلا خيارات-.. غرامي -تتصدع- بغياب الكوريين ودريك


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: الحصن الأخير