أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوية في رواية أشور.. شواهد وقبور للكاتب داود سلمان عجاج اعداد سوسن يحيى قاسم (الجزء الثاني)















المزيد.....

وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوية في رواية أشور.. شواهد وقبور للكاتب داود سلمان عجاج اعداد سوسن يحيى قاسم (الجزء الثاني)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 06:12
المحور: الادب والفن
    


من أكثر المشاهد قابلية للتأويل لقاء خلف بالهيكل العظمي الذي يعثر عليه أثناء التنقيب عن آثار أشور. ففي هذا المشهد يتجاوز السرد حدود الحاضر المباشر، ليقيم مقابلة بين الإنسان المعاصر وأثر إنسان ينتمي إلى زمن بعيد. ولا يعود الهيكل مجرد بقايا مادية، بل يتحول إلى علامة تثير أسئلة الهوية والمصير والتشابه بين التجارب الإنسانية عبر الأزمنة. يقول خلف للهيكل: "أعلم بأنك هنا كي لا تكون"، فيجيبه الهيكل: "أنا هنا كي أكون، لا بد من ذلك"
تقوم قوة هذا الحوار على المفارقة بين الغياب والحضور. فالهيكل يشير إلى موت صاحبه، لكنه يستمر في إثارة الأسئلة؛ وخلف الذي ما زال حياً يجد نفسه أمام أثر يجعله يتساءل عن معنى وجوده. ويصبح الحوار، على الرغم من غرابته الظاهرية، وسيلة لتجاوز الحدود الزمنية والنفسية، إذ يلتقي الماضي بالحاضر في لحظة يتداخل فيها المادي بالرمزي.
وهنا تتجلى إحدى تقنيات الرواية اللافتة: تحويل الأثر التاريخي إلى طرف في حوار دلالي. فالهيكل لا يكتفي بأن يكون موضوعاً يراه خلف، وإنما يدخل في بناء المشهد بوصفه صوتاً يواجهه بفكرة الوجود. وهذه التقنية تمنح المشهد طابعاً تأملياً، وتتيح للقارئ أن يقرأ الحوار على مستويين؛ مستوى الحكاية التي تجمع المنقب بالأثر، ومستوى الرمز الذي يقابل الإنسان بذاكرته التاريخية وباحتمال أن يكون مصيره امتداداً لأسئلة لم يحسمها الماضي.
ولا يعني ذلك أن تجربتي خلف والإنسان القديم متطابقتان، بل إن الرواية تقيم بينهما صلة تأويلية. فالأزمنة تختلف، والظروف تتغير، لكن المقابلة تدعو إلى التفكير في ما يتكرر من أسئلة السلطة والتضحية والخوف، وفي قدرة الإنسان على الخروج من الدوائر التي تعيد إنتاج المعاناة.
وبذلك لا يكون الماضي مجرد زمن انتهى، بل مرآة يختبر الحاضر من خلالها صورته. وتتحول الآثار من شواهد على ما حدث إلى علامات تستدعي مساءلة ما يحدث، فيما يغدو الحوار بين خلف والهيكل مواجهة بين حياة تبحث عن معناها وموت لا يزال أثره قادراً على الكلام.
تتصل المواجهة بدلالة المكان في الرواية عندما يكون ذلك المكان بوصفه ذاكرة حية، فالقرية والجامعة والقلعة والنهر لا تؤدي وظيفة واحدة، وإنما تتغير معانيها تبعاً لما تختبره الشخصيات داخلها. فالقرية ترتبط بالذاكرة والجذور، لكنها تستدعي أيضاً الفقر والخوف؛ والجامعة ترتبط بالمعرفة، من دون أن تضمن وحدها القدرة على تغيير الواقع؛ والقلعة تحمل آثار الحضارة والموت في آن واحد؛ أما دجلة فيجمع بين صورة الجريان والحياة وبين مشاهد الفقد والخذلان.
وهكذا يتجاوز المكان دوره الوصفي، ليصبح جزءاً من تكوين الدلالة. فالمعنى لا يصدر عن المكان في ذاته، بل عن العلاقة بينه وبين الشخصية، وعن المسافة التي تنشأ بين ما يرمز إليه وما يحدث داخله. ومن هنا تأتي أهمية المكان في بناء التوتر السردي؛ إذ لا تمنح الأمكنة الشخصيات أجوبة نهائية، بل تجعل أسئلتها أكثر تعقيداً. وتتجلى هذه الدلالة في العبارة التي تقولها إحدى الشخصيات النسائية عند حافة النهر:
"أنا لست مهملة، بل أهملتُ من لم يدخل من بوابة قلبي، ومن خرج لن يعود"
تبدو العبارة في ظاهرها متصلة بعلاقة عاطفية، لكنها تفتح مجالاً للتأمل في الكرامة والغياب وحدود الانتظار. فالمتحدثة تعيد صياغة موقعها من التجربة، محاولة أن تنتقل من موضع المهملة إلى موضع من يملك قرار الابتعاد. ومع ذلك، لا يمحو هذا الإعلان ما يحيط بالمشهد من إحساس بالفقد، بل يكشف عن التوتر بين الرغبة في استعادة الذات والألم الذي يرافق انكسار العلاقة.
وتزداد دلالة العبارة حين توضع في سياق المكان؛ فالنهر ليس مجرد موضع للوقوف، بل عنصر يضيف إلى الكلام إيحاءات الجريان والعبور والغياب. غير أن القراءة الدقيقة تقتضي عدم اختزال الشخصية في رمز واحد، أو افتراض أن المكان يحدد معناها بصورة مطلقة. فقوة المشهد تنبع من التفاعل بين العبارة وموقعها داخل الحكاية، ومن المساحة التي يتركها هذا التفاعل لتأويل القارئ.
في سياق مرتبط، تتكرر المفارقة في الرواية من خلال التباعد بين المعاني المعلنة والنتائج التي تفضي إليها. فالوطن الذي يُفترض أن يحمي أبناءه قد يصبح موضعاً للخوف، والتضحية التي تُقدم باعتبارها فعلاً نبيلاً قد تنقلب إلى واجب مفروض، والانتماء الذي يمنح الإنسان جذوره قد يتحول إلى مصدر للقلق. ولا تحتاج هذه المفارقات إلى شرح منفصل في كل مرة، لأنها تتجسد في المصائر التي تواجهها الشخصيات وفي التباين بين ما تتطلع إليه وما تصل إليه.
أما الصمت، فيأخذ دلالته من المسار الذي تنتهي إليه شخصية خلف. فحين يعجز الإنسان عن تحويل وعيه إلى فعل، لا يعود الصمت مجرد توقف عن الكلام، بل يصبح علامة على اتساع المسافة بين الإدراك والقدرة. ويكتسب هذا الصمت قوته من تراكم التجربة السابقة، من الخوف الذي رافق الشخصية، ومن الخيبات التي أضعفت ثقتها بالآخرين، ومن التناقض الذي ظل قائماً بين رغبتها في التحدي واستجابتها للقيود.
وعندما يصل خلف إلى لحظاته الأخيرة في ساحة المعركة، من دون أن يطلق رصاصة واحدة، لا تبدو النهاية انتصاراً بطولياً بالمعنى المألوف، ولا تقدم الموت بوصفه حلاً يبدد التناقضات. إن غياب الفعل هنا يكتسب معناه من تاريخ الشخصية؛ فالرجل الذي أراد أن يثبت وجوده يجد نفسه عاجزاً عن تحويل رغبته إلى مقاومة تنقذه من المصير الذي يواجهه.
وهكذا يصبح الصمت امتداداً للبنية النفسية والسردية، لا عنصراً منفصلاً عنها. إنه الصمت الذي يسبق النهاية، لكنه لا ينهي الأسئلة؛ فالقارئ يظل أمام شخصية أدركت جانباً من الحقيقة، لكنها لم تتمكن من امتلاك الشروط التي تحول المعرفة إلى فعل.
إن ما يمنح "أشور.. شواهد وقبور" قابليتها للتأمل لا يعود إلى موضوع الحرب وحده، بل إلى الطريقة التي تتداخل بها مستويات السرد مع الدلالة الفكرية. فالعنوان يهيئ لثنائية الأثر والفناء، والمكان يستعيد ذاكرة الماضي ويختبر الحاضر، والحوار بين خلف والهيكل يفتح الزمن على التأويل، والصراع الداخلي يجعل الشخصية ساحة لتنازع الإرادة والخوف، فيما تكشف المفارقة عن المسافة بين القيم المعلنة والتجارب المعاشة.
ومن خلال هذا التفاعل، لا تبقى الهوية تعريفاً ثابتاً، بل تصبح سؤالاً عن العلاقة بين ما يرثه الإنسان وما يختاره، وبين الصورة التي يُطلب منه أن يمثلها والصورة التي يكتشفها في أعماقه. ولا يبقى الانتماء رابطة جاهزة، بل يتحول إلى اختبار لمدى الاعتراف بالإنسان وحقوقه. كما لا تعود التضحية قيمة مكتملة بذاتها، وإنما تصبح مرتبطة بالوعي والإرادة والعدالة في توزيع المسؤولية.
ومع ذلك، فإن القراءة الفنية لا ينبغي أن تحول كل تفصيل إلى رمز مغلق، أو أن تجعل الرواية مجرد مثال على نظرية اجتماعية أو فلسفية. فالشخصية تظل أكبر من الفكرة التي يمكن أن نمثل بها، والمشهد يحتفظ بقدر من الغموض لا تستنفده القراءة الواحدة. ومن هنا تأتي أهمية الجمع بين التحليل الفكري والانتباه إلى الخصائص الفنية، حتى لا يطغى الخطاب التفسيري على التجربة الجمالية التي يمنحها السرد للقارئ.
وفي حدود المشاهد والعبارات التي تستند إليها هذه القراءة، يمكن الوقوف عند توظيف الرمز والمفارقة والحوار التأملي، وبناء الشخصية من خلال الصراع النفسي، وإضفاء الدلالة على المكان، والمقابلة بين الحاضر والأثر التاريخي. أما الحكم التفصيلي على تقنيات مثل تعدد الأصوات، والاسترجاع والاستباق، وترتيب الأزمنة، وطبيعة الراوي، فيحتاج إلى فحص الرواية كاملة في سياقها؛ لأن إثبات هذه التقنيات لا يتحقق بمجرد وجود مشهد رمزي أو حوار لافت.
في نهاية المطاف، لا تنحصر مأساة خلف حسين في أنه فقد صديقاً أو أخفق في تحقيق حلمه أو انتهى إلى مصير قاسٍ، بل في أنه عاش التناقض بين حاجته إلى الانتماء وخوفه من شروطه، وبين رغبته في الحرية وعجزه عن امتلاكها، وبين وعيه بما يحيط به وقدرته المحدودة على تغييره. ومن خلال هذا المصير، تضع الرواية القارئ أمام سؤال لا يتعلق بخلف وحده، بل بالإنسان حين يصبح مطالباً بالدفاع عن معانٍ لا يجدها متحققة في حياته.
غير أن الرواية، بما تتيحه من رموز ومفارقات ومقابلات بين الأزمنة، لا تغلق المعنى في حكم نهائي. فالشواهد لا تقول كل شيء عن الذين مضوا، والقبور لا تفسر وحدها أسباب المصائر التي انتهت إليها الحياة. وبين الأثر والحكاية تبقى مساحة لا يستطيع السرد أن يملأها بالكامل، لكنها تمنح القارئ فرصة لإعادة النظر في علاقته بالماضي والحاضر، وفي الحدود التي تفصل بين الانتماء والامتثال، وبين التضحية والاختيار.
ولعل السؤال الأعمق الذي تتركه "أشور.. شواهد وقبور" ليس ما إذا كان خلف قد انتصر أو انهزم، بل ما الذي يجعل الإنسان حاضراً في حياته قبل أن يصبح شاهداً في ذاكرة الآخرين. وهل تكفي الشواهد لإثبات أننا عشنا، أم أن الحياة تحتاج إلى أكثر من أثر يدل على مرورنا؟
وحين يصمت خلف، لا تصمت الأسئلة معه. تبقى القلعة قائمة في الذاكرة، ويبقى النهر جارياً، وتظل الشواهد تلمح إلى حكايات لم تعد أصوات أصحابها قادرة على روايتها. لكن بين هيكل يعلن أنه هنا كي يكون، وإنسان انتهى إلى الصمت، تتسع المسافة التي لا يستطيع القارئ عبورها بسهولة. فإذا كان الماضي قد ترك لنا شواهده، والحاضر يمضي بأبنائه نحو مصائر لا يختارونها دائماً، فمن الذي سيشهد على الحياة التي لم تتح لهم فرصة أن يعيشوها؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...
- حين تتحول الحكاية إلى مرآة للإنسان: تأملات في المجموعة القصص ...
- العدالة الإلهية في قصة سوني ومأساة العشق للكاتب داود سلمان ع ...
- ظلال الانتماء: الذات بين جذر يسكنها ووطن يغيب (الجزء الثاني)
- ظلال الانتماء: الذات بين جذر يسكنها ووطن يغيب (الجزء الأول)
- مملكة الأقفاص المفتوحة
- نص نثري: الحصن الأخير
- بين حرائق الحرب واحتراق الحب: حين تُصادر الظروف حق الإنسان ف ...
- غياهبُ الكتمان
- قصة قصيرة: الحرّاس
- حين يغيب الصمت
- لن أنهض
- بين إمكانية التطور وإشكالية التطبيق: قراءة تأملية في كتاب ال ...
- نص نثري: هيهات أن أعود
- التطور بين قوانين الطبيعة وأسئلة الوجود: قراءة تأملية في كتا ...
- قصة قصيرة: انتصار الذات
- الموت يخطئ الطريق
- مراجيح الموتى: تأملات في سرد الفقد وتشظّي الذاكرة، قراءة تأم ...
- نص نثري: لحظةُ الستار


المزيد.....




- فيلم وثائقي عن إليزابيث هولمز يتحول إلى ظاهرة ثقافية في الول ...
- أدهم النابلسي يعلق على أنباء عودته إلى الساحة الفنية
- أماندا سيفريد وشارون ستون في فيلم كوميدي جديد للمخرج رامي يو ...
- مسرحية «أمان ترللي» في بيروت: صرخة كوميدية للرجل في مواجهة ا ...
- «خطى متعثرة نحو النور».. 14 قصة قصيرة تستكشف عوالم «أدب الخر ...
- نساء غزة يوثقن الصمود بالعدسة: انطلاق مهرجان سينمائي من قلب ...
- بوتين في قمة روسيا - إفريقيا: لا بديل عن حل الدولتين في فلسط ...
- مسرح ماياكوفسكي يحتفل بمرور 104 أعوام على تأسيسه بأمسية شعري ...
- أمريكا.. الشرطة تغلق التحقيق في وفاة الممثلة هايدن بانيتير
- ذكرى رحيل حسن يوسف الثانية: مسيرة ستة عقود بين التمثيل والإخ ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوية في رواية أشور.. شواهد وقبور للكاتب داود سلمان عجاج اعداد سوسن يحيى قاسم (الجزء الثاني)