أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بيادر التيه














المزيد.....

بيادر التيه


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 01:28
المحور: الادب والفن
    


لم يكن يستغرب من أين جاءه ذلك الاحتراق، ولم يفاجئه الهدهد بخبرٍ غريب؛ فقد كان يتوجس من الأخبار قبل أن تصل، ويشمّ رائحة الحريق في الهواء قبل أن تشتعل البيادر. ومع ذلك، وجد نفسه في آخر المطاف وسط حقول التيه، يضيق صدره بالدخان، ويبحث عن فسحةٍ يتنفس فيها دون أن يسأل أحداً: لماذا؟
كان يرى النبت يُلقى في أرضٍ سبخة، ثم يُسقى بملحٍ أجاج، كأنهم يريدون له أن ينبت واقفاً، ثم يعاتبونه لأنه لم يُثمر.
لم يقترف ذنباً يستوجب العقاب، ولم يمدّ يده إلى ما ليس له، لكنه، في آخر العمر، بدأ يرى العجاب؛ الكلمات التي كان يظنها نجاةً صارت تلاحقه، وتغتال ما تبقى من صوته، حتى وجد نفسه يُنعت بالفارس الجبان.
وكان يعرف أن السور الحقيقي لم يكن حوله، بل في رأسه؛ سورٌ لا يحتاج إلى حراس، لأن الحارس يسكن في الداخل، ويعرف متى يرفع يده، ومتى يخفض عينيه، ومتى يقنعه بأن الصمت فضيلة.
ومع ذلك ظل يستمع إلى الوعاظ.
كان يسمع الفضيلة وهي تخرج من حناجر متعبة، تتخللها حجرجة الأصوات، فتطرق في داخله أبواباً قديمة. يسأل نفسه: من كسر سدود الثوابت؟ ومن منح الصمت صفة السماح؟ ومن جعل الاحتمال فضيلةً لا تنتهي؟
كان يحاول أن ينهض، لكنه ظل متأرجحاً بين الحقيقة والتغابي؛ يعرف ما يرى، ويتظاهر أحياناً بأنه لم يرَ شيئاً. يدرب نفسه على الاحتمال، فيما الكون يمضي بعجلة، والوقت لا ينتظر أحداً، والوعاظ يواصلون زرع روح العدالة في أرضٍ لا تمسك الماء ولا تحفظ البذور.
كان يريد أن يصرخ: لم يكن مداناً.
لكن صوته كان يعود إليه قبل أن يبلغ الباب.
ثم ارتفع صوت الواعظ، أشد من ذي قبل، حتى خُيّل إليه أنه لا يخاطب الجمع، بل يطرق غطاء جمجمته وحده. كانت الكلمات تنزل عليه كحجارة صغيرة، واحدةً بعد أخرى، فيما الوطن في داخله يبكي بصمت؛ ينتحب على جموع الفقراء، وعلى أولئك الذين ظلوا يحلمون بحياة أقل قسوة، وبغدٍ لا يُطلب منهم فيه أن يعتذروا عن فقرهم. وكان هو واحداً منهم.
ومع ذلك ظل الواعظ يرفع صوته: الخير قادم... والصبر مطلوب.
كان يحاول أن يصدق. لكن الفساد كان يكبر مع كل موعظة، ويتمدد كلما طُلب من الناس أن يزدادوا زهداً. وكلما ارتفع الحديث عن القناعة، ظهرت الوجوه ذاتها في مقدمة المشهد، تتبدل المقاعد ولا تتبدل الوجوه، وتتغير الكلمات ولا يتغير القرار.
كانوا يتحدثون عن الزهد بأصواتٍ ممتلئة، وعن الآخرة من وراء موائد لا يعرف الفقراء ثمنها.
أما الحياة التي يعيشها أولئك في الأسفل، فكانت تُترك لهم بوصفها عابرة، مؤقتة، قابلة للتأجيل؛ كأن الفقر امتحانٌ طويل، وكأن الجوع فضيلة، وكأن على المحروم أن يشكر من حرمه لأنه وعده بحياةٍ أخرى.
عندها أدرك أن المشكلة لم تكن في قلة المواعظ، بل في كثرتها؛ فكلما ازداد الكلام عن الصلاح، اتسعت في الظل مساحة الفساد، وكلما كثر الحديث عن الصبر، طال انتظار الذين لم يعد لديهم ما ينتظرونه.
ظل واقفاً، لا يملك سوى صمته. رفع عينيه نحو السماء، فلم يرَ الهدهد. رأى سرباً من الطيور يعبر بعيداً، يحمل أخباره إلى جهةٍ لا يعرفها، بينما بقي هو في أرضه السبخة، يفتش عن حبة قمح لم تفسدها المواعظ.
وفي آخر المساء، هبت ريح خفيفة، فحركت سنبلةً وحيدة عند حافة الحقل، لم يعرف أكانت سنبلةً نجت من الملح، أم أنها كانت آخر ما تبقى من الوهم.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وقفة تأملية مع نتاح جديد للأخ الكاتب داود سلمان عجاج حول الع ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...
- حين تتحول الحكاية إلى مرآة للإنسان: تأملات في المجموعة القصص ...
- العدالة الإلهية في قصة سوني ومأساة العشق للكاتب داود سلمان ع ...
- ظلال الانتماء: الذات بين جذر يسكنها ووطن يغيب (الجزء الثاني)
- ظلال الانتماء: الذات بين جذر يسكنها ووطن يغيب (الجزء الأول)
- مملكة الأقفاص المفتوحة
- نص نثري: الحصن الأخير
- بين حرائق الحرب واحتراق الحب: حين تُصادر الظروف حق الإنسان ف ...
- غياهبُ الكتمان
- قصة قصيرة: الحرّاس
- حين يغيب الصمت
- لن أنهض
- بين إمكانية التطور وإشكالية التطبيق: قراءة تأملية في كتاب ال ...
- نص نثري: هيهات أن أعود
- التطور بين قوانين الطبيعة وأسئلة الوجود: قراءة تأملية في كتا ...
- قصة قصيرة: انتصار الذات


المزيد.....




- ريتا أورا تخرج عن المألوف بإكسسوار رأس غريب في مهرجان لندن ا ...
- آل باتشينو ينال جائزة الإنجاز مدى الحياة من اتحاد ممثلي الشا ...
- حقيبة برأس ذئب تخطف الأنظار في إطلالة فنانة أمريكية على السج ...
- أغرب حفلاته على الإطلاق.. موسيقي يعزف البيانو لـ 150 دبًا في ...
- -لا تدعوا الخوف يتحكم بكم-.. كلمة مؤثرة لمنى زكي عقب تكريمها ...
- أوسكار وايلد ساخرا من أمريكا: -أيها السادة.. لقد خيب المحيط ...
- الرواية وأسئلة الإنسان المعاصر
- تجار في غزة يتهمون حماس بفرض إتاوات.. وميلادينوف يحذر تجار ...
- مجلس العلماء الإندونيسي يطالب بإلغاء حفلي أندريا بوتشيلي بسب ...
- مكتبات بريطانية تتخبط بعد سحب روايات سالي روني المؤيدة لحركة ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بيادر التيه