أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - على حافة السقوط














المزيد.....

على حافة السقوط


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 08:28
المحور: الادب والفن
    


كان الليل قد تجاوز منتصفه بقليل، حين اشتد القصف على الساتر الأمامي. لم يكن في المكان سوى خنادق متقطعة، أكوام من التراب، أسلاك ملتوية، ورائحة بارود التصقت بالهواء حتى بدا التنفس نفسه نوعاً من المجازفة.
كان الجندي رابضاً في شق عميق من الساتر، بالكاد يتسع لجسده. أسند ظهره إلى التراب، وضم بندقيته إلى صدره، وأخذ يصغي إلى السماء: قذيفة، ثم أخرى، ثم صمت قصير، يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة. كان قلبه يخفق بعنف، ولأول مرة شعر أن الحياة ليست تلك الكلمة الكبيرة التي كان يسمعها في أحاديث الناس، بل ذلك النفس الصغير الذي يحاول الآن أن يحتفظ به داخل صدره.
رفع عينيه إلى السماء. كانت الطلقات المضيئة تصعد في الظلام، تترك خلفها خيطاً من الضوء، ثم تختفي بعيداً. تذكر طفولته، كان يقف ذات مساء في فناء البيت، يراقب مثل هذه الأضواء، ويتساءل: أين تذهب حين تبلغ السماء؟ كان يظن أنها تصعد ولا تعود. ثم حدثه أحدهم يوماً عن رجل اسمه نيوتن، رجل أمضى عمره يتأمل الأشياء وهي تصعد وتهبط، وكأن السماء لا تسمح لشيء أن يفلت من مصيره.
لم يفهم يومها ما قاله الرجل. أما الآن، فلم يكن يريد أن يفهم، قال في سره:
- لن تسقط هنا.
ثم أخذ كأنه يخاطب القذائف كما لو أنها تسمعه.
- لن تسقط عليّ، هناك متسع من الأرض لغيري.
ثم التفت إلى الجندي الذي كان يختبئ إلى جواره. كان شاباً نحيلاً، يضغط جسده إلى التراب، ويرفع رأسه بين لحظة وأخرى. التقت عيناهما، ابتسم الشاب ابتسامة خاطفة، ابتسامة لا معنى لها، سوى أن يقول أحدهما للآخر:
- ما زلنا هنا.
عاد القصف. انفجرت قذيفة قريبة، فاهتز الساتر وسقط التراب على رأسيهما. انكمش الجندي أكثر، وفي داخله، جاءه ذلك الصوت الذي لا يعرف من أين يأتي:
- لا تخف، لن تصل إليك.
حاول أن يصدقه، كان بحاجة إلى أن يصدقه. لذا قال لنفسه:
- أنا في مأمن.
ثم نظر إلى صاحبه. كان وجهه مغطى بالغبار، وعيناه معلقتين بالظلام. فكر لحظة:
- ماذا لو كانت القذيفة القادمة له؟
سرعان ما طرد الفكرة.
- لا، لا أتمنى له الموت.
لكن الصوت الخفي عاد:
- إنها الحرب.
صمت.
- وفي الحرب لا يكفي أن تتمنى للآخرين الحياة.
ارتجف. لم تعجبه الفكرة، لكنه لم يجد لها جواباً. سقطت قذيفة أخرى، هذه المرة كانت أقرب. ارتفع التراب، واختلط بالدخان، واختفت السماء للحظات. وحين عاد إليه بصره، وجد الجندي الذي كان إلى جواره يخرج من الشق.
صرخ:
- إلى أين؟
لم يلتفت. كان يركض، يركض بلا اتجاه. دخل في سحابة كثيفة من الدخان، ثم ظهر للحظة، ثم اختفى. ظل يراقبه، لم يعرف لماذا ركض صاحبه؟ أكان يهرب من القذائف؟ أم من الخوف؟ أم من شيء آخر يسكن في داخله منذ أن وطئت قدماه هذا المكان؟
وفجأة، لم يعد يراه، بقي يحدق في الفراغ الذي ابتلعه، همس:
- أين ذهبت؟
لم يجبه أحد. عاد إلى شقه، تحسس صدره، ذراعيه، ساقيه، كل شيء في مكانه، لم يجد دماً. تنفس بعمق: ما زلت حياً، قالها بصوت خافت. لكن الصوت الآخر لم يتركه:
- ومن قال إن الحياة لا تكون أحياناً مجرد تأخير؟
نظر إلى السماء، كانت الطلقات المضيئة تصعد من جديد. هذه المرة لم ير فيها نجوماً، رآها كأرواح صغيرة تبحث عن طريق العودة. تذكر نيوتن مرة أخرى، ذلك الرجل البعيد الذي أخبره عنه أحدهم في طفولته، والذي كان يراقب سقوط الأشياء وكأنه يعرف سرّاً لا يعرفه الآخرون.
ابتسم، ثم قال:
- ربما كان يعرف شيئاً عن السقوط، لكنه لم يعرف شيئاً عن هذا السقوط.
ثم جاء انفجار هائل، أقرب من كل ما سبقه. ارتجفت الأرض، انطفأ كل شيء؛ لا صوت، لا ضوء، لا سماء، لا ساتر، لا بندقية، ولا حتى ذلك الصوت الذي ظل طوال الليل يطمئنه: أنت في مأمن.
حين عاد شيء من الضوء، لم يكن يعرف إن كان قد فتح عينيه أم أن الضوء جاء من مكان آخر. حاول أن يتحرك، لم يشعر بجسده. حاول أن يتنفس، لم يعرف إن كان يتنفس فعلاً. مد يده إلى جواره، كان التراب بارداً. تحسس المكان الذي كان يجلس فيه صاحبه، لم يجد أحداً.
ثم سمع، أو تخيل أنه سمع، خطوات بعيدة في الدخان. ربما كان الجندي يركض من جديد، ربما كان يبحث عنه، وربما... كان الصوت مجرد صدى لخطواته هو.
رفع عينيه إلى السماء. كانت هناك نقطة مضيئة تصعد ببطء، ظل يتابعها حتى غابت في العتمة، وانتظر أن تعود، لكنها لم تعد. عندها لم يعرف، أكان لا يزال حياً، ينتظر سقوطها، أم أنه غادر الحياة مع الرجل الذي كان إلى جواره، ولم يبقَ منهما سوى شقٍّ في التراب، وسماءٍ لا تقول لأحدٍ أين ينتهي السقوط؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا تثق
- بيادر التيه
- وقفة تأملية مع نتاح جديد للأخ الكاتب داود سلمان عجاج حول الع ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...
- حين تتحول الحكاية إلى مرآة للإنسان: تأملات في المجموعة القصص ...
- العدالة الإلهية في قصة سوني ومأساة العشق للكاتب داود سلمان ع ...
- ظلال الانتماء: الذات بين جذر يسكنها ووطن يغيب (الجزء الثاني)
- ظلال الانتماء: الذات بين جذر يسكنها ووطن يغيب (الجزء الأول)
- مملكة الأقفاص المفتوحة
- نص نثري: الحصن الأخير
- بين حرائق الحرب واحتراق الحب: حين تُصادر الظروف حق الإنسان ف ...
- غياهبُ الكتمان
- قصة قصيرة: الحرّاس
- حين يغيب الصمت
- لن أنهض
- بين إمكانية التطور وإشكالية التطبيق: قراءة تأملية في كتاب ال ...
- نص نثري: هيهات أن أعود


المزيد.....




- فوز فيليب جاينادا بجائزة غونكور 2026.. انتصار البحث الأرشيفي ...
- -إلى من يشبهونني في الحطام-… مرح دلول تكتب الصمت والنجاة في ...
- باتمان: نايت فول.. قراءة سينمائية في الاحتراق النفسي وهشاشة ...
- وثائقي جديد يعيد فتح ملف مأساة فيلم «راست» ومحاكمة أليك بالد ...
- رحيل الفنان الكويتي كاظم الزامل بعد مسيرة حافلة في الإبداع و ...
- بعد توقف قلبه.. نجل الفنان محمد الحلو يكشف تطورات حالته الصح ...
- وفاة الفنان الكويتي كاظم الزامل بعد سنوات من الغياب وفقدان ا ...
- باربيس- حي ينبض بالموسيقى
- ميلوني تدعو لتوحيد التمثيل الأوروبي في مفاوضات السلام الأوكر ...
- مليون كتاب للبنان .. استعادة المكتبات من ركام الحرب


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - على حافة السقوط