أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - لازلتُ رضيعاً














المزيد.....

لازلتُ رضيعاً


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8870 - 2026 / 10 / 26 - 09:09
المحور: الادب والفن
    


تتوهُ الحروفُ, تضيعُ سدى ,أصابه الرعبُ وبات ينوحُ خوفاً وجزعا, وجدها تقفُ رغم الجراحاتِ, ورغم الألمِ وجفاءِ الكرى, تحملُ بيدها حليباً ساخناً, تترنح ثم تسقط, فينكفئ على جسدِها البض, تنازعُ الحياةَ.
- فماذا يفعلُ طفلٌ صغيرٌ مثلي؟
يسمعُ شهيقَ الأنفاسِ, يصلبُ يديه على صدره, ثم بدأ يتلمس النبضات, كلُّ شيءٍ يوحي إلى اللاعودة, فتنفجرُ مكامنُ الدواخلِ, تهرولُ الدموعُ, يصرخُ بأعلى صوتهِ:
- يا أماه , من ذا الذي يحتضنني عندما يهدأ الليلُ؟
على رفاتِ الذكريات, إذ تهجره ولا يتمكنُ من هجرها, كأنما كلُّ شيء انتصب في الضياع, والأفاقُ مسدودةٌ, فتظهرُ كلُّ العتماتِ القديمةِ, وتلك الذكرياتُ تقوده إلى سطوةِ الفراغ, فراغٌ يتداخلُ في فراغٍ آخر.
- من ينقذني من هذا الضياع؟
شريدٌ، أسيرٌ، يبحثُ عنها، يبحثُ عن أملٍ بين التراكماتِ، ووئدُ الأحلامِ من الطفولة، فما أجملَ الذكرياتِ التي تحكي تسليةَ الحلمِ المفقودِ، ومن سيحملْ إليها آهاته التي سطرها بدمِ العيونِ بدلاً من الدموع.
يجلسُ قابعاً بلا حراك، كشبحٍ يختبئ في الظلام، أو يحبو حائراً، يفتشُ عن ذاك الحنان، على من يربتْ على كتفهِ، يكفكفُ دمعه، جرسُ القلبِ يَدُقّ، يرسمُ حضورَها في الخيال، تلبسُ الثوبَ الأبيضِ، تطيرُ حولَه كالسرابِ، في سديمٍ ناصعُ البياضِ.
- ما هذا؟
يجدُ نفسه يجلسُ على شاطئ الذكريات, يتلمسُ فيها الرماد, رمادُ جسده قبل أن يصلُ حافةَ النهاية, إذ بدأتْ تقتربُ تلك النهاية, يسمعُ صدى صوتٍ من بعيد.
- اقتربت.
ينهضُ من رماده, من شتاته, فيغوصُ في لجةٍ واسعةٍ, ليس لها قرار, ليس لها حدود, يتلفتْ, يبحثُ عن مرسى قريب يخلصه, وهو ما بين هذا وذاك, يجدُ الذكريات القديمة قد حضرتْ, وإن محيتْ معالمها من الشمسِ المعلقةِ عليها منذ سنين, ذاكرةُ المكانِ, ذاكرةُ الزمانِ, ذاكرةُ التشتتِ والتشظي, ذاكرةُ الطفولة, كأن لها مجساتُ أنوف, أو مجساتُ وجل, مجساتُ أمل, أو كأن لها رائحةٌ كرائحةِ الترابِ الذي يختلطُ مع حباتِ المطرِ في بدايةِ الخريف, يحاولُ أن يُمسك بها, إلا أنها تهرب, فتحفرُ في القلب أخاديد, فيبكي حتى يَبِحَ صوته, ويبقى ينتظرُ على حافةِ الهاوية.
- أتوسلُ إليكِ يا أماه، فأنا وإن شابَ رأسي، إلا أنه لا زالَ في دواخلي ذلك الطفلُ الرضيع، ذلك الذي يبحثُ عن حضنكِ الدافئ، أشتمُ عطرَ جيدكِ، أَتَلَاعَبُ بنَمْنِم شالكِ.
تتشابكُ الملامحُ والأسماءُ, فالسجلُ فاقدٌ للتواريخ, كأنما هو استنساخٌ لما قبله, الصبحُ كالمساءِ, السماءُ لا تمطرُ سوى الجفافِ, وشواهدُ الآهاتِ تطوف, والظلمةُ تستولي على حصةِ النهار, ولم يعدْ يجدي الهروب, فالظلمةُ تتداخلُ في ظلمةٍ أخرى, من دون وجدود حدود.
- يا أماه, أتوسلُ اليكِ أن تقفي ولو للحظات, فأن حواسي قد تيقظتْ الآن, وجذوعي قد أينعتْ, يا أماه, أنا أكره الفِطامَ, اكرهه لأنه يمثلُ بدايةَ مرحلةِ الحرمان, اكرهه لأنه يُشعرني بانفصالِ الروحِ عن الجسدِ, الجذعُ عن الساقِ والأغصانِ, عودي يا أماه, فمن يسمعْ شكوايّ وأنتِ ما بين أحشاءِ الترابِ ؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحن أبناء ذواتٍ لم نعرفها: تأملات في الهوية والاستنساخ الإنس ...
- حين شيّعتُ العدل
- في زمن الأقنعة
- نهاية الساعات
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- يكفيك أني أبتسم
- ما تبقّى من الريش
- حين يصبح الغد مؤجّلاً
- الفيضان
- حين كان الرمل وطناً
- اصرخ بوجهي
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- حافة التوقعات
- أحلامٌ مسجاة
- على حافة السقوط
- لا تثق
- بيادر التيه
- وقفة تأملية مع نتاح جديد للأخ الكاتب داود سلمان عجاج حول الع ...


المزيد.....




- عاصم الشاعر.. فنان فلسطيني يستنطق حجارة البيوت القديمة في نا ...
- هكذا يحيي عاصم الشاعر بيوت فلسطين القديمة
- دعوى بـ41 مليون دولار ضد -أنثروبيك- بسبب أغاني إلفيس بريسلي ...
- مسرح مالي في موسكو.. قرنان من تاريخ الدراما الروسية
- -فرحة العمر-.. سميرة سعيد تزفّ ابنها الوحيد شادي على الطريقة ...
- تركي آل الشيخ يرد على بيان لفناني مصر: كلام غير مستغرب!
- -أمالي فراتية-.. نبش في ذاكرة الهامش وتوثيق لمعاناة السوريين ...
- بعد جدل الاعتذار.. علي الحجار يعود إلى مهرجان الموسيقى العرب ...
- في الحاجة إلى صوت جيل جيلالة
- شخصية الميرزا في رواية -سلسلة النار-.. من بلاط الصفويين إلى ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - لازلتُ رضيعاً