أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - ما تبقّى من الريش














المزيد.....

ما تبقّى من الريش


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 03:36
المحور: الادب والفن
    


حين يهبط الليل على القرية المزروعة فوق التلال، ينسحب النهار من بين أصابع الناس ببطء. فتخمد أصوات المعاول، تنحني الأجساد فوق أسرّتها الطينية، ويستقر التعب في العظام كضيف يعرف أنه لن يُطرد قبل الصباح.
في الأسفل، كان نهر دجلة يمضي وحيداً، أسودَ وعميقاً، لا يسأل الحقول عمّا أعطته ولا البيوت عمّا أخذته.
لم تكن القرية تملك الكثير. بضعة أكواخ من الطين، حقول ضيقة، تنوراً هنا، فانوساً هناك، ودجاجاتٍ قليلة كانت بالنسبة إلى أصحابها أكثر من مجرد دجاج؛ كانت بيضةً تنتظر الصباح، أو قدراً يؤجل جوعاً قادماً.
إلا كوخ العجوز. كانت العجوز تعرف كيف يأتي الليل، وكيف ينام الناس، وكيف يمكن لقدمٍ خفيفة أن تمر فوق الطين دون أن توقظ كلباً أو صاحب كوخ، وكان لها أحفاد يعرفون ما تريد. فحين ينتصف الليل، تفتح عينيها. ثم تقول:
- قوموا.
يتثاقل أحدهم وهو يعرف مرادها:
- إلى أين؟
- إلى حيث لا يرانا أحد.
خرجوا. في كل مرة كانوا يعودون بدجاجة أو اثنتين، كانت العجوز تنفش الريش على ضوء الفانوس. وحين يطير الريش في الهواء، كانت تجمعه بعناية، وتدفنه بعيداً عن العيون.
قال لها حفيدها:
- لماذا تخفينه؟
أجابته:
- لأن الأشياء الصغيرة قد تفضح الأشياء الكبيرة.
لم يفهم. كبر قليلاً وفهم بعدها.
في تلك الليلة، كانت السماء مثقلة بالمطر. تساقط الماء على أسطح الطين، وانحدر من التلال في مجارٍ صغيرة، حتى بدا أن القرية كلها تغتسل من شيء لا تعرف اسمه. لذا وقفت العجوز عند الباب، نظرت إلى المطر، ثم إلى الظلام، ثم إلى أحفادها.
قالت:
- قوموا.
لم يتحرك أحد.
أضافت:
- الليلة فرصة.
رفع أحدهم رأسه:
- لمن؟
- لمن يعرف كيف يأخذ.
خرجوا. بقيت وحدها، جلست قرب الفانوس. كانت تسمع المطر، ثم لا تسمعه. تسمع وقع أقدامهم في الوحل، ثم تسمع شيئاً آخر أبعد من ذلك. صوتاً لا تعرف إن كان يأتي من الخارج أم من داخلها. لذا قالت لنفسها:
- من يأخذ مرةً، يخاف أن يعود إلى يده فارغة.
ثم قللت من ضوء الفانوس.
عادوا بعد ساعة. ثلاث دجاجات سمينات هذه المرة. لم تسأل من أين، لم يسألوا إلى أين. كان السؤال الوحيد:
- هل نطبخهن جميعاً؟
نظرت إليهم.
- الليلة لا نؤجل شيئاً.
نفشت الريش، سال الماء على ملابسها. اشعلت الحطب، وغلت القدر.
جلسوا حولها. كان الجوع أكبر من الكلام.
قال أحد الأحفاد:
- غداً؟
أجاب أخوه:
- غداً نجد غيرهن.
رفعت العجوز عينيها إليه، كأن الكلمة مرّت أمامها ثم عادت: غيرهن، لم تقل شيئاً، أخذت قطعة لحم، أكلتها. ثم أخرى. وفي الخارج، كان المطر يواصل عمله الصامت؛ يمحو آثار الأقدام من الطين.
عند الفجر، خف المطر. خرجت العجوز، كان الصباح بارداً، شاحباً، وكأن الليل ترك شيئاً من سواده معلقاً في السماء. اتجهت نحو كوخ دجاجاتها، فتحت الباب. نادَت:
- تي تي...
انتظرت، لا شيء.
- تي تي...
مدت رأسها إلى الداخل، فراغ. التفتت، نظرت إلى المكان الذي كانت تقف فيه الدجاجات كل صباح، لا شيء، كوخ فارغ، وريشة بيضاء عالقة في الطين. اقتربت منها، رفعتها. حدقت فيها طويلاً، ثم شمّت أصابعها. كانت رائحة اللحم لا تزال عالقة في يدها، تراجعت خطوة. لم تصرخ، لم تنادِ أحفادها. فقط جلست على العتبة، كان وجهها ساكناً بطريقة مخيفة. وبعد وقت لا تعرف مقداره، قالت:
- غريب.
ثم أعادت النظر إلى الريشة.
- كأنني رأيتها الليلة.
من داخل البيت جاء صوت أحد الأحفاد:
- جدتي، هل بقي شيء؟
رفعت رأسها، نظرت إلى الباب، ثم إلى الكوخ، ثم إلى الريشة في يدها.
قالت:
- بقي.
توقف الصوت خلف الباب، سأل:
- ماذا؟
فتحت العجوز يدها. تطايرت الريشة مع نسمة الصباح.
لذا قالت:
- لا أدري.
ظل الحفيد صامتاً. أما هي فنهضت، واتجهت نحو كوخ الدجاج، وأغلقت بابه. ثم عادت إلى البيت.
وفي المساء، حين أظلمت القرية من جديد، خرجت من الكوخ دجاجة واحدة. أو هكذا خُيّل لها.
نادت:
- تي تي.
لكن الصوت الذي جاءها من بعيد لم يكن صوت دجاجة. كان شيئاً يشبهه، شيئاً آخر، شيئاً لا يُرى. لذا ابتسمت العجوز، ثم فتحت بابها. ولم يعرف أحد في تلك الليلة، من كان يطارد من.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح الغد مؤجّلاً
- الفيضان
- حين كان الرمل وطناً
- اصرخ بوجهي
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- حافة التوقعات
- أحلامٌ مسجاة
- على حافة السقوط
- لا تثق
- بيادر التيه
- وقفة تأملية مع نتاح جديد للأخ الكاتب داود سلمان عجاج حول الع ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...
- حين تتحول الحكاية إلى مرآة للإنسان: تأملات في المجموعة القصص ...
- العدالة الإلهية في قصة سوني ومأساة العشق للكاتب داود سلمان ع ...
- ظلال الانتماء: الذات بين جذر يسكنها ووطن يغيب (الجزء الثاني)
- ظلال الانتماء: الذات بين جذر يسكنها ووطن يغيب (الجزء الأول)


المزيد.....




- اتحاد الأدباء يحتفي بتجربة الشاعرين اللبنانيين أمل ناصر ويام ...
- وفاة الممثل الأمريكي والتر كونيغ نجم -ستار تريك- عن عمر ناهز ...
- رحيل مخرج أفلام الاستغلال توم ديسيمون عن 87 عاماً
- بعد ختام دورته الثالثة.. كيف اختبر معرض طرابلس للكتاب قدرة ا ...
- مكتب الثقافة في عدن يطلق مبادرة لتعزيز التضامن المجتمعي ومسا ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين مسؤولية أخ ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين -الحد الأد ...
- أزمة صحية تداهم أحمد سعد وتهدد موعد طرح ألبومه الجديد
- أصول بمليارات الدولارات.. نزاعات الملكية الفكرية تعيد رسم خر ...
- الشعبة القانونية بمحور تعز: تقرير يكشف التمثيل بجثامين شهداء ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - ما تبقّى من الريش