أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - الفيضان














المزيد.....

الفيضان


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 09:42
المحور: الادب والفن
    


ينهض على عجل، وكأن النوم لم يكن سوى استراحة قصيرة بين سؤالين متناقضين: الطمأنينة والخوف. كان النهر قد استحوذ على تفكيره منذ المساء، حين جلس مع أهله حول وجبة العشاء، والحديث يدور بقلقٍ خافت عن ارتفاع منسوب المياه، وإمكانية أن يخرج النهر عن صمته القديم، عن حدوده التي رسمها البشر على عجل ثم اطمأنوا إليها.
كان يستمع، ويشارك أحياناً ببساطة فهمه، ثم يعود إلى صمته الداخلي، حيث تتكاثر الأسئلة أكثر مما تتكاثر الإجابات. يسأل بين حين وآخر، وكأن السؤال نفسه محاولة لفهم العالم لا للحصول على جواب:
- لماذا ترتفع المياه؟ أهي غاضبة أم أنها فقط تتبع قانوناً لا نراه؟
لكن الأسئلة لم تكن تجد صدى. كان الكبار يرون فيها عبئاً لا ضرورة له، شيئاً يشبه الفضول الزائد عن الحاجة. وحين جر المقارنة بين ما سمعه من قصص الأنبياء والطوفان، جاءه الرد الحاسم:
- ذلك كان طوفاناً… عقوبة.
توقف قليلاً عند الكلمة، كأنها حجر أُلقى في ماء فهمه البسيط. ثم تسلل سؤال آخر أعمق، لم يجرؤ على نطقه بصوت عالٍ:
"هل كل فيضان عقوبة؟ أم أن الماء لا يعرف هذا التصنيف الذي نمنحه نحن للأشياء؟"
لم يأتِ جواب. جاء الصمت بدلاً عنه، وصمت الأب كان أكثر حسماً من أي شرح. أُغلقت الأسئلة كما تُغلق نافذة في ليلة باردة، فذهب إلى فراشه، لكن النوم لم يذهب معه، بل ظل يقف عند رأسه كحارس لا ينام.
في الليل، استيقظ على صوتٍ لم يفهمه في البداية، ثم على يد والدته وهي تقول بقلقٍ مكتوم:
"النهر فاض."
خرج مسرعاً، كأن الأرض نفسها تدفعه نحو الأعلى. استند إلى جدار طيني قديم في بقعة مرتفعة، وهناك وقف يراقب ما يشبه نهاية مألوفة لشيء مألوف أكثر مما ينبغي. كان منتصف الليل، والقمر بدراً يسكب ضوءه على مشهدٍ لا يحتاج إلى مزيد من الإضاءة كي يكون واضحاً .الماء لم يعد نهراً. صار فكرةً متحركة، تمتد بينه وبين المكان الذي كان يُفترض أن يكون ضفة. يعيد الأسئلة ذاتها، لكن بصوتٍ داخلي هذه المرة، أكثر ارتباكاً:
- من أين جاء كل هذا الماء؟ أكان مخزوناً في مكان خفي؟ أم أن الأرض نفسها قررت أن تتكلم بلغة لا نفهمها؟
البيوت الطينية تبدأ بالانهيار واحداً تلو الآخر، كأنها تتنازل عن وجودها بهدوء موجع. يصل الصوت متأخراً، وكأن الزمن نفسه تأخر عن اللحظة. صراخ الأطفال، نداءات النساء، ارتباك الرجال، ثغاء المواشي… كل شيء يختلط في طبقة واحدة من الضجيج، لا تميز فيها بين إنسانٍ وخوف.
ويرتفع سؤال آخر داخله، أكثر حدة من السابق:
"هل يمكن إيقاف هذا؟ أم أننا لا نتعلم إلا ونحن في قلب الجريان؟"
مع طلوع الشمس، لم يكن المشهد قد هدأ، بل اتسع فقط. المياه غطّت كل شيء، ولم يبقَ سوى رؤوس النخيل، كأنها شواهد ذاكرة تقاوم الغرق. كانت تميل قليلاً، لكنها لا تسقط، وكأنها تتشبث بفكرة البقاء أكثر من تشبثها بالأرض. التيار ينكسر عندها وينقسم، كأنه يعترف لها بصلابة صامتة .براميل فارغة، أغصان يابسة، أفاعٍ طفت مع ما طفا، وجثث حيوانات، وكل ما فقد معناه في لحظة اندفاع واحدة. وبين هذا المشهد، عجوز ترفع يديها وتقول بصوتٍ هادئ على نحو غير متوقع:
- الحمد لله… اليوم صار الجار يمكنه أن يبتعد عن جاره الذي لا يوده.
كانت المفارقة أقسى من الماء نفسه.
تمر الأيام، وتنحسر المياه ببطء يشبه التراجع بعد صدمة. تترك الأرض عارية، كأنها تُجرد من طبقات حياتها دفعة واحدة. بيوت مهدمة، مزارع ممسوحة، وذاكرة طينية لم تعد تعرف شكلها الأول.
لكن الحياة، رغم كل شيء، تبدأ بإعادة ترتيب نفسها. تُرفع الجدران من جديد، تُزرع الأرض، تُفتح المدارس، وتُعبد الطرق، وكأن الإنسان يصر على أن ينسى بسرعة كي يستطيع الاستمرار.
وفي داخله، كان السؤال لم يختفِ:
"إذا كنا نعيد البناء دائماً… فلماذا لا نُعيد بناء ما يمنع تكرار الانهيار؟ أم أن الذاكرة الإنسانية لا تُتقن سوى الترميم بعد الكارثة؟"
وفي مساءٍ هادئ، بعد أن عادت الحياة إلى شكلها الممكن، نظر إلى النهر من بعيد. لم يعد فيضاناً، ولا خطراً، بل مجرد خط مائي ساكن، كأنه لم يكن يوماً وحشاً مفتوحاً. فكر طويلاً، ثم همس لنفسه، لا كإجابة بل كخاتمة مؤقتة لفهمٍ لا يكتمل:
- لعل الفيضان ليس عقوبة… بل طريقة الطبيعة لتذكيرنا بأن حدودنا ليست كما نظن، وأن كل ما نثبته اليوم قد يُمحى غداً دون إذن.
ثم صمت.
لكن الصمت هذه المرة لم يكن فراغاً… بل سؤالاً أكبر من كل الإجابات.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين كان الرمل وطناً
- اصرخ بوجهي
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- حافة التوقعات
- أحلامٌ مسجاة
- على حافة السقوط
- لا تثق
- بيادر التيه
- وقفة تأملية مع نتاح جديد للأخ الكاتب داود سلمان عجاج حول الع ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...
- حين تتحول الحكاية إلى مرآة للإنسان: تأملات في المجموعة القصص ...
- العدالة الإلهية في قصة سوني ومأساة العشق للكاتب داود سلمان ع ...
- ظلال الانتماء: الذات بين جذر يسكنها ووطن يغيب (الجزء الثاني)
- ظلال الانتماء: الذات بين جذر يسكنها ووطن يغيب (الجزء الأول)
- مملكة الأقفاص المفتوحة
- نص نثري: الحصن الأخير


المزيد.....




- برنامج ثقافي يمتد ثلاثة أعوام للاحتفاء ببوشكين ومتحفه في روس ...
- نجوم «10 أشياء أكرهها فيك» يجتمعون لتكريم هيث ليديجر على الم ...
- الأوبرا المصرية تفتتح مهرجان الموسيقى العربية بليلة وفاء للف ...
- -العم تيتو-.. فنان فلسطيني يداوي جراح أطفال غزة بعروض السيرك ...
- مهرجان الموسيقى العربية الـ34 يفتتح فعالياته بليلة هاني شاكر ...
- فنان هندي يسجل رقماً قياسياً بأكبر لوحة فنية مصنوعة من التوا ...
- دراسة: شكسبير شارك مارلو في كتابة مسرحية «إدوارد الثالث»
- جلسة عن الإنتاج العربي .. وفيلم هندي ينال رضا النقاد
- من -باب الشمس- إلى -مرسيدس-.. يسري نصر الله يكشف كواليس رسم ...
- وفاة الفنانة الكويتية المعتزلة رجاء محمد


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - الفيضان