أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التلقي؛ قراءة تأملية في كتاب لمحات جمالية في بنية النص الشعري للدكتور إبراهيم أحمد العميري (الجزء الثاني)















المزيد.....

ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التلقي؛ قراءة تأملية في كتاب لمحات جمالية في بنية النص الشعري للدكتور إبراهيم أحمد العميري (الجزء الثاني)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 08:59
المحور: الادب والفن
    


أما الزمن بوصفه تجربة داخلية، في قصيدة "أنا طفل الوقت" للشاعر الدكتور إبراهيم مصطفى الحمد، فإن العلاقة بين الذات والزمن تتخذ منحى آخر، إذ يقول:
"أنا طفل الوقت
أحرفي تشبهني كثيراً
الأحرف هي نفسها
حين أكتبها
أو أقرؤها
أو ألقي بها على بساط غيمة أخرى"
تقوم عبارة "أنا طفل الوقت" على مفارقة تجمع بين الزمن بما يحمله من تراكم وتحول، والطفولة بما توحي به من بداية وتكوّن وبراءة. فالذات لا تقدم نفسها من خلال عمرها أو موقعها، وإنما من خلال علاقتها بالوقت؛ وكأنها، مهما امتدت بها السنوات، تظل في حالة تشكل واكتشاف.
وتكتسب صورة الحروف دلالتها من العلاقة التي تقيمها بين اللغة والهوية. فالحروف قد تبقى على هيئتها، لكن الإنسان الذي يكتبها أو يقرؤها لا يبقى على الوعي نفسه؛ إذ تتغير دلالاتها في تجربته بتغير العمر والذاكرة والمواقف. وما نقرأه اليوم قد لا يمنحنا الإحساس ذاته الذي منحه لنا بالأمس، لأننا نحن الذين تغيرنا، وإن ظلت الكلمات في مواضعها.
أما "بساط غيمة أخرى"، فيفتح الصورة على معنى العبور والتحول. فالغيمة لا توحي بالثبات، بل بالحركة والانتقال من هيئة إلى أخرى. ومن ثم تبدو الذات كأنها تعيد اكتشاف نفسها كلما انتقلت من تجربة إلى أخرى، أو أعادت قراءة ما ظنت أنها فهمته من قبل.
ومن هذه الزاوية، لا يكون الزمن مجرد تعاقب للساعات والسنوات، بل تجربة داخلية تتبدل فيها علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. وقد يكون المجاز أقدر من العبارة التقريرية على إظهار هذه العلاقة؛ لأنه لا يشرح الزمن فحسب، وإنما يمنحه هيئة يمكن للخيال أن يتفاعل معها.
أما حين يحضر الاسم ويغيب المعنى، ففي قصيدة "إنها الوطن" للشاعر عمار المولى، يتوقف الكتاب عند توظيف حرف الواو، وما يمكن أن يؤديه من وظيفة إيقاعية ودلالية في تتابع الصور والأحداث. ويورد من القصيدة:
"وكل شيء كان يستقيم في الوطن
لا قهر في بلادي، لا حزن، لا وحن
وعربد الشتاء
وأينع الشتات
وأمطرت المزن
من بعد صوت الحب في سرادق الوطن
سرنا بباب الليل
سربٌ كما الطيور
ونشتهي الهروب والنزوح والعبور
عدنا بلا وطن
وطن، وطن، وطن"
إن الحرف، على صغر حجمه، لا يعمل بمعزل عن السياق الذي يرد فيه؛ فتتابع الواوات قد يمنح الصور إحساساً بالتراكم والتدافع، ويجعل المشاهد متصلة في إيقاع يتناسب مع المناخ النفسي للنص. غير أن الدلالة لا تنشأ من تكرار الحرف وحده، بل من علاقته بما يجاوره من كلمات وصور وتحولات.
وتبرز المفارقة في عبارة "عدنا بلا وطن"، حيث تنقلب دلالة العودة عن معناها المألوف. فالعودة توحي باسترداد ما غاب، أو الوصول إلى ما ظل الإنسان ينتظره، لكن العودة في النص لا تحقق هذا الوعد؛ إذ يعود المتكلمون من دون أن يستعيدوا الوطن الذي يفترض أن يكون غاية الرحلة.
ثم يأتي تكرار كلمة "وطن" ليضاعف الإحساس بالفقد. فالكلمة التي يُفترض أن تدل على الانتماء والاستقرار تتحول إلى استدعاء لشيء غائب، وكأن تكرار الاسم محاولة للإمساك بما لم يعد في المتناول. وهنا تتسع المسافة بين الكلمة وما تمثله؛ فحضور اللفظ لا يضمن حضور المعنى في الواقع.
إن الوطن في هذه الصورة لا يقتصر على حدوده المكانية، بل يتصل بإحساس الإنسان بالأمان والانتماء وإمكان العودة إلى حياة تستعيد شيئاً من توازنها. وعندما تنفصل العودة عن استعادة هذه المعاني، تصبح الرحلة نفسها مفارقة، ويغدو التكرار علامة على عجز اللغة عن رد الغائب، بقدر ما هو محاولة للإبقاء عليه حياً في الذاكرة.
ومن هنا تتجلى أهمية الالتفات إلى الأدوات اللغوية الصغيرة داخل النص الشعري؛ فالحرف قد يسهم في بناء الإيقاع النفسي، والكلمة قد تتحول إلى علامة على الغياب، والتكرار قد يكشف عن مأزق لا تستطيع العبارة المباشرة أن تحيط به. لكن هذه الوظائف لا تتحقق آلياً، بل تتشكل من خلال تفاعل اللغة مع التجربة الإنسانية التي تحتضنها.
حينما تتحول اللغة البلاغية من الصورة إلى السؤال الفلسفي؛ ونضع هذه النماذج في أفق أوسع، نستحضر مقولة الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر: "اللغة بيت الوجود". وهي مقولة تتيح لنا أن نتأمل اللغة لا بوصفها وسيلة لنقل الأفكار فقط، بل مجالاً تتكشف من خلاله طرائق فهمنا لأنفسنا وللعالم.
في قصيدة الإمام الحسين، يتقدم الصمت والدمع حين يعجز القلم عن التعبير عن ثقل التجربة. وفي "أنا طفل الوقت"، تصبح الحروف مرآة لتحولات الذات وعلاقتها بالزمن. أما في "إنها الوطن"، فتتجاوز كلمة الوطن معناها المباشر لتصبح سؤالاً عن إمكان الانتماء حين تنفصل العودة عن استعادة ما فُقد.
وعلى اختلاف هذه التجارب، يجمع بينها أن اللغة لا تكتفي بنقل واقع قائم خارجها، بل تعيد تشكيله داخل النص. فالصورة تكشف ما قد لا يظهر في التعبير المألوف، والكلمة تحمل أحياناً أثراً يتجاوز معناها المعجمي، والتركيب يغير علاقتنا بما نظن أننا نعرفه.
وهنا يمكن تأمل أهمية الجهد النقدي الذي يقدمه الدكتور إبراهيم أحمد العميري في كتابه؛ إذ تتيح النماذج الشعرية التي يتناولها الانتقال من التعرف إلى الأداة الفنية إلى التفكير في أثرها، ومن ملاحظة الصورة إلى التساؤل عما تصنعه في التجربة. فليس السؤال الأهم هو: ما نوع الصورة التي استخدمها الشاعر؟ وإنما: كيف أسهمت في تشكيل رؤيته؟ وما الذي أضافته إلى المعنى؟ وكيف دفعت المتلقي إلى إعادة النظر في تجربته الخاصة؟
إن هذا المسار لا يجعل القراءة النقدية بديلاً عن القصيدة، ولا يمنحها سلطة إغلاق دلالاتها، بل يجعلها وسيلة للاقتراب منها وإضاءة بعض مسالكها. فالقصيدة الجيدة لا تخشى تعدد القراءات، لكنها لا تستسلم لأي تأويل؛ إذ تظل اللغة وعلاقاتها وسياقها هي ما يمنح القراءة أساسها.
إن التأمل في كتاب "لمحات جمالية في بنية النص الشعري" للدكتور إبراهيم أحمد العميري يقودنا إلى أن جمال القصيدة لا يكمن في الصورة منفردة، ولا في الأداة البلاغية بوصفها مصطلحاً، بل في شبكة العلاقات التي تجعل اللغة قادرة على إعادة تشكيل التجربة الإنسانية.
من القلم الذي يعجز عن الكتابة أمام ثقل الرثاء، إلى اليد التي تمطر، والاسم الذي تتبعثر حروفه، والذات التي ترى نفسها طفلاً للوقت، وصولاً إلى الوطن الذي يُستدعى اسمه في لحظة الغياب؛ تتعدد الصور وتتباين التجارب، لكن السؤال الجمالي يظل حاضراً: كيف تستطيع اللغة أن تقول أكثر مما تقوله عبارتها المباشرة؟
ولعل أهمية هذه النماذج تكمن في أنها تنقلنا من ظاهر المعنى إلى الأسئلة الكامنة وراءه، وتتيح لنا تأمل العلاقة بين الشعور وصورته، وبين الكلمة وسياقها، وبين ما يقوله النص وما يتركه مفتوحاً أمام المتلقي. وهي تذكرنا بأن القراءة لا تنتهي عند تحديد الاستعارة أو الرمز أو التكرار، بل تبدأ منها رحلة أخرى نحو فهم ما تصنعه هذه الأدوات داخل التجربة الشعرية.
ومن هنا، فإن قيمة القراءة النقدية لا تقاس بقدرتها على تقديم إجابة نهائية، بقدر ما تقاس بما تضيفه إلى قدرة القارئ على الرؤية، وما توقظه فيه من رغبة في العودة إلى النص واكتشاف ما لم ينتبه إليه في المرة الأولى. فالنقد، حين يتحول إلى حوار مع العمل الأدبي، لا ينتزع منه أسراره، ولا يفرض عليه معنى مغلقاً، وإنما يضيء بعض مسالكه، ويترك المجال لما لم تستنفده القراءة من احتمالات.
وربما لا تحتاج القراءة الحقيقية إلى الاختيار بين فهم القصيدة واكتشاف وجوه معناها الأخرى؛ فهي تسعى إلى الفهم، لكنها تدرك أن الفهم لا يعني دائماً الوصول إلى نهاية مغلقة. فقد يُغلق الكتاب، وتنتهي القراءة، بينما تظل صورة واحدة أو كلمة عابرة تستعيد حضورها في الذاكرة، وتدفعنا إلى إعادة النظر فيما حسبناه واضحاً.
عندئذ لا يعود النص مجرد كلمات مررنا بها، بل يصبح تجربة تواصل العيش فينا. ولعل هذا هو الأفق الأبعد الذي تفتحه لنا جماليات الشعر: أن نقترب من القصيدة كي نفهمها، ثم نكتشف أن بعض ما فيها لا يكتمل إلا حين نغادر صفحاتها، حاملين معنا أسئلتها التي لم تنتهِ بعد.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يكفيك أني أبتسم
- ما تبقّى من الريش
- حين يصبح الغد مؤجّلاً
- الفيضان
- حين كان الرمل وطناً
- اصرخ بوجهي
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- حافة التوقعات
- أحلامٌ مسجاة
- على حافة السقوط
- لا تثق
- بيادر التيه
- وقفة تأملية مع نتاح جديد للأخ الكاتب داود سلمان عجاج حول الع ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...
- حين تتحول الحكاية إلى مرآة للإنسان: تأملات في المجموعة القصص ...
- العدالة الإلهية في قصة سوني ومأساة العشق للكاتب داود سلمان ع ...


المزيد.....




- فيلم «خروج آمن» يحصد النجمة الذهبية في ختام مهرجان الجونة ال ...
- ذكرى iPod الـ25 تتحول إلى مشغل موسيقى رقمي على Apple Music
- فيلم -البارح العين ما نامت-.. جمال المكان وقسوة الأعراف
- ريمون شويتي يوثق مسيرته الفنية وذاكرة بيروت في سيرة ذاتية جد ...
- تُوفي عقب السقوط على المسرح.. زوجة لاعب كمال أجسام تحذر من ح ...
- فنانة تركية ترسم لوحة لمحمد صلاح وتحلم بتقديمها له بنفسها (ف ...
- الأمير وليام يكشف عن شغفه بالسينما والموسيقى وطموحاته القديم ...
- فضل شاكر يصالح المسرح مجدداً بعد 14 سنة من الغياب، كيف تفاعل ...
- “الخدمات البيطرية” تبحث تعزيز التعاون المشترك مع روسيا في ال ...
- جلسة تناقش الحقوق الثقافية وحقوق الإنسان في معرض أربيل الدول ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التلقي؛ قراءة تأملية في كتاب لمحات جمالية في بنية النص الشعري للدكتور إبراهيم أحمد العميري (الجزء الثاني)