أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - في زمن الأقنعة














المزيد.....

في زمن الأقنعة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 01:31
المحور: الادب والفن
    


بدأت أخاف من وجهي؛ من ملامحه التي لم تعد تعرف كيف تتخفّى، ومن هذا الانكشاف الفاضح الذي يضعني أمام حقيقتي بلا ستار. صرت أشعر أن الوجوه التي تشبهني قليلة جداً، وأن المسافة بين ملامحي وملامح الآخرين تتسع كلما ازدادت الأقنعة بريقاً. ففي هذا الامتداد المشحون بالتوجّس، تتكاثر الرغبة في الاختباء، ويغدو القناع ملاذاً لمن يخشى أن تفضحه ملامحه، أو أن تكشف عيناه ما عجز لسانه عن قوله.
هنا، لا يعود الحزن حزناً خالصاً، ولا الفرح دليلاً على البهجة؛ لكل حالة ملامح مستعارة، ولكل انفعال هيئة يجري إعدادها بعناية. قد ترى وجهاً يضحك فيما تنطفئ خلفه الروح، أو عينين تذرفان الدموع بإتقان، كأن البكاء مشهدٌ مطلوب، لا وجعٌ يتسرّب من الأعماق. حتى الضحكات باتت تتشابه، لا لأنها تنبع من إحساس واحد، بل لأن الأقنعة تعلّمت كيف تمنح الوجوه تعابير متقنة، تخفي ما وراءها أكثر مما تُظهر.
وأحياناً، تدفعني هذه الفوضى إلى مقاومة ملامحي الحقيقية، وإغراء نفسي بملامح أخرى يفرضها الواقع، أو توحي بها ضرورات العبور بين الناس. أتساءل: كم قناعاً أحتاج كي أواصل السير دون أن أُستنزف؟ وكم وجهاً عليّ أن أستعير حتى أبدو منسجماً مع مشهد لا يشبهني؟ ثم كيف أخفي ذلك الكائن القابع في أعماقي، الذي لا يجيد التمثيل طويلاً، ولا يبتسم إلا حين يجد في الابتسامة سبباً، ولا يحزن استجابةً لإشارة عابرة أو رغبة الآخرين؟
إنه الضمير، ذلك الشاهد الذي لا يغادرني، والصوت الذي يوقظني كلما أوشكت أن أساوم على صفائي. يوبّخني حين أفكر في الانحياز إلى الكذب، حتى لو بدا الكذب ضرورةً للنجاة، أو طريقاً سهلاً إلى قبولٍ عابر. لا يسمح لي أن أسقط في فخّ القناع، ذلك الفخ الذي يبدأ بتمثيل صغير، ثم يستحيل مع الأيام عادةً، حتى يغدو الوجه المستعار أكثر ألفةً من الوجه الأصلي. عندها، لا يعود المرء يخفي حقيقته عن الآخرين فحسب، بل يبدأ بإخفائها عن نفسه أيضاً؛ وتلك هي الخسارة التي لا تُرى، لأنها تحدث في الداخل، بعيداً عن ضجيج التصفيق.
أخشى ذلك الغياب المؤجّل، حين يتراجع الوجه الحقيقي خطوةً بعد أخرى، حتى يصبح استعادته ضرباً من الحنين إلى شخصٍ كنا نظن أننا نعرفه. أخشى أن يأتي يوم أقف فيه أمام المرآة فلا أفزع من ملامحي، بل من عجزِي عن التعرّف إليها. فليس أشدّ قسوةً من أن يمتلك الإنسان وجهاً، ثم يقضي عمره في إخفائه، أو أن ينجح في إرضاء الجميع، فيما يعجز عن مصالحة نفسه.
لقد غدت الأقنعة، في زمننا هذا، شراً يتخفّى أحياناً في هيئة ضرورة؛ وربما اضطرّتنا بعض الظروف إلى ارتداء قناعٍ عابر، اتقاءً لأذى أو عبوراً من محنة. لكن الخطر يبدأ حين ننسى أننا نرتديه، وحين تتحوّل الضرورة إلى طبع، والمجاملة إلى زيف، والحذر إلى طريقة دائمة في النظر إلى العالم. فكم من شخصٍ يتحدث بعفوية ويتقن الارتجال، ويمنحك انطباعاً بأنك أمام روحٍ شفافة، ثم تكشفه المواقف حين تتبدّل المصالح، أو حين يصبح الصدق عبئاً، والوفاء كلفةً لا يرغب في دفعها. عندها يسقط شيءٌ في داخلك، لا لأنك اكتشفت وجهه الآخر فحسب، بل لأنك تكتشف كم كنتَ مستعداً لتصديق الوجه الذي أحببت أن تراه.
ومع كل انكشافٍ جديد، أعود إلى غربة الروح، إلى عزلتي التي لا تعني الهروب من الحياة، ولا إعلان الخصومة مع الناس، بقدر ما تعني محاولةً لترميم ما يتصدّع في داخلي. ألوذ بالصمت أحياناً كي لا أُسيء الظن بالجميع، وأبتعد قليلاً كي لا تتحوّل خيباتي المتراكمة إلى مرآةٍ مشوّهة أرى من خلالها كل الوجوه. فالعزلة، حين تكون اختياراً واعياً، ليست انطفاءً، بل استراحة للروح من مشاهد تتكرر حتى تكاد تُقنعنا بأن الزيف هو الأصل، وأن الصدق استثناءٌ لا يعوّل عليه.
ومع ذلك، لا أريد أن أخرج من هذه التجربة بحكمٍ قاسٍ على الوجوه كلها؛ فليس كل صمتٍ خديعة، ولا كل ابتسامةٍ تمثيلاً، ولا كل اختلافٍ في الملامح دليلاً على ازدواجية الروح. ثمة وجوهٌ أنهكها الخوف فاختبأت، وأخرى علّمتها الخيبات أن تتحفّظ، وربما كان بعض ما نحسبه قناعاً جرحاً لم يجد لغةً يعبّر بها عن نفسه.
لهذا أحاول أن أحمي في داخلي تلك المسافة الصغيرة بين الشكّ والبصيرة، كي لا تجعلني الأقنعة نسخةً أخرى منها، وكي لا أرتدي قناع القسوة كلما خدعني وجه، أو أُغلق نافذتي في وجه الضوء لأنني رأيت ظلاً يتسلّل من أحد الأبواب. أريد أن أظل قادراً على التمييز، لا أن أتحوّل إلى قاضٍ يوزّع أحكامه على العابرين.
فما زلت أؤمن أن أصعب أشكال المواجهة ليست أن نكشف أقنعة الآخرين، بل أن نحرس وجوهنا من التحوّل إلى أقنعة، وأن نحتفظ بشيءٍ من صفاء الروح في عالمٍ يزداد براعةً في إخفاء ملامحه.
لكنني، كلما اقتربت من المرآة، أعود إلى السؤال الذي لا أجد له جواباً نهائياً: هل أخشى الأقنعة لأنني رأيت حقيقتها، أم لأنني أخشى في لحظةٍ لا أنتبه إليها، أن أكتشف أن وجهي الذي أدافع عنه لم يعد كما كان؟
وربما لا يكون الخوف كلّه من الأقنعة التي نراها على وجوه الآخرين، بل من تلك التي قد تنمو فينا بصمت، حتى يأتي يومٌ نخلع فيه آخر قناع، فلا نجد خلفه الوجه الذي ظللنا طوال العمر نحاول حمايته.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نهاية الساعات
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- يكفيك أني أبتسم
- ما تبقّى من الريش
- حين يصبح الغد مؤجّلاً
- الفيضان
- حين كان الرمل وطناً
- اصرخ بوجهي
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- حافة التوقعات
- أحلامٌ مسجاة
- على حافة السقوط
- لا تثق
- بيادر التيه
- وقفة تأملية مع نتاح جديد للأخ الكاتب داود سلمان عجاج حول الع ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...


المزيد.....




- اتحاد الأدباء يحتفي بتجربة الشاعرين اللبنانيين أمل ناصر ويام ...
- وفاة الممثل الأمريكي والتر كونيغ نجم -ستار تريك- عن عمر ناهز ...
- رحيل مخرج أفلام الاستغلال توم ديسيمون عن 87 عاماً
- بعد ختام دورته الثالثة.. كيف اختبر معرض طرابلس للكتاب قدرة ا ...
- مكتب الثقافة في عدن يطلق مبادرة لتعزيز التضامن المجتمعي ومسا ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين مسؤولية أخ ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين -الحد الأد ...
- أزمة صحية تداهم أحمد سعد وتهدد موعد طرح ألبومه الجديد
- أصول بمليارات الدولارات.. نزاعات الملكية الفكرية تعيد رسم خر ...
- الشعبة القانونية بمحور تعز: تقرير يكشف التمثيل بجثامين شهداء ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - في زمن الأقنعة