أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نهاية الساعات














المزيد.....

نهاية الساعات


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 01:31
المحور: الادب والفن
    


بعد سنينٍ طوال، يعود إلى قريته التي كانت مهد صباه ومرآة طفولته الأولى. يقف عند أطرافها، يدقق في وجوه الناس، وفي المباني والطرقات، كمن يحاول أن يعثر على خيطٍ خفي يربط ما كان بما صار. لكن كل شيء يبدو قد انزاح عن مكانه: الأبواب الخارجية مغلقة بإحكام، الأسوار ارتفعت كأنها تحرس ذاكرةً لا تُمس، الطرق مُعبدة بعناية، وأبراج الشبكة العنكبوتية تشي بأن زمناً جديداً قد استوطن المكان.
يحدث نفسه بصوتٍ داخلي متردد:
- العالم تغير… ولا بد أن القرية كانت مضطرة أن تواكب هذا التغير… ثم إني أنا نفسي غبت طويلاً.
يظل واقفاً في سيارته الحديثة عند المدخل، وكأن المسافة بينه وبين الدخول ليست مكانية بل زمنية. عندها يبدأ شريط الذكريات بالدوران في داخله: مدينةٌ عاش فيها مع أسرته، وقريةٌ ظل قلبه معلقاً بها كحنينٍ لا يشيخ. كان الطفل الذي يسكنه يقاوم من أجل الإجازة الصيفية، كأنه يقاتل الزمن ليظفر بأيامٍ قليلة من الحرية المطلقة بين الحقول والأصدقاء. كان عليه أن ينجح من الدور الأول، وإلا فإن شهراً إضافياً سيُسحب من عمر الصيف. كانت حياته تُدار بحسابٍ دقيق: الطاعة أو الحرمان، الهدوء أو المنع، وكأن الطفولة نفسها كانت امتحاناً طويلاً لا ينتهي.
كان في الثالثة عشرة من عمره، يحمل جذوره القروية كقوة جذب خفية تشده نحو ذلك العالم المفتوح في ذاكرته. حين تسلم جدول الامتحانات النهائية، بدا له وكأنه خريطة نجاة، تنتهي يوم الخميس بعد عشرة أيام فقط… يوم يشبه العيد، بل يتجاوزه في المعنى. كان يتمنى لو تُطوى الأيام دفعة واحدة، أو تُختصر الحياة في اختبارٍ واحدٍ ينتهي سريعاً، فقط ليحصل على رضى والديه، بينما كان قلبه الحقيقي معلقاً هناك… في القرية البعيدة، حيث يبدو الزمن أرحب من القيود.
وحين وصل إليها أخيراً، كان بملابس المدينة التي بدت غريبة على فضاء القرية. بشرته البيضاء كأنها لم تُلامس شمس الريف، وملامحه تحمل شيئاً من اغترابٍ لا يُرى. نام بصعوبة في الليلة الأولى، ثم استيقظ باكراً، كأن شيئاً في داخله يدفعه إلى الانفلات من الزمن.
سار في الطرقات كطائرٍ خرج من قفصه، يلتفت بدهشة إلى كل تفصيل، ينطق بلهجة المدينة التي كانت تبدو غريبة على آذان أهل القرية. وحوله شبابٌ من أجيال مختلفة، بملابس ريفية متشابهة، يبدون وكأنهم امتداد واحد لذاكرة واحدة. كانوا يعرفون بعضهم من التفاصيل الصغيرة: دشاديش مقلمة، أصوات متقاربة، وضحكات لا تحتاج إلى تعريف.
كل منهم كان يسعى ليحكي ما يملك من العالم: هم يتحدثون عن الصيد، عن الطيور في البئر المهجور، عن الجري خلف كلبٍ غريب وإصابات الحصى، وهو يتحدث عن المدينة وضجيجها، عن حدائق الحيوان ومدينة الألعاب، عن الأسد والذئب والزرافة ككائنات رأى بعضها في قفصٍ زجاجي. وكانوا ينظرون إليه كمن جاء من طبقة أخرى من المعرفة، لا لأنها أعمق، بل لأنها مختلفة.
في تلك الأيام، لم يشعر بحر الصيف، ولم يعرف معنى القيلولة. كان يركض متى يشاء، ويقف متى يشاء، كأن القرية أعادت له تعريف الحرية من جديد. العاقول والشوك كانا يمزقان أطراف ملابسه، لكنه لم يكن يلتفت. كان يعيش خارج فكرة الألم، خارج فكرة الوقت، خارج فكرة الحساب. لكن الزمن، كما يكتشف لاحقاً، لا يترك أحداً خارج منطقه طويلاً.
حين انتبه إلى نفسه، كان قد أكمل شريط الذكريات. وقف عند حافة الحاضر، مدركاً أنه لا يستطيع أن يبقى معلقاً بين زمنين. فالمكوث، حتى لو بدا رغبة داخلية، كان يحمل ثقلاً لا يمكن احتماله طويلاً.
اليوم الأول مر بصعوبة، وكأن القرية نفسها لم تعد تلك القرية، أو كأنه هو الذي تغير بحيث لم يعد قادراً على قراءتها بالعين القديمة. حاول أن يتأقلم، أن يستعيد الإحساس الأول، لكن كل شيء كان يقول له إن الذاكرة ليست مكاناً يمكن العودة إليه، بل حالة تُستدعى ثم تتبدد.
في النهاية، لم يعد هو ابن تلك اللحظة القديمة، ولا ابن المدينة وحدها، بل ابن حاضرٍ متحول، لا يستقر على شكل. وبينما كانت الساعات تمضي بثقلها البارد، وجد نفسه ينتظر نهايتها بصمتٍ غريب… كمن ينتظر لحظة الإفلات من غربةٍ جديدة، وعودةٍ لا تشبه العودة .فالغربة، أدرك متأخراً:
- لا تأتي من المكان… بل من الزمن حين يتوقف عن الاعتراف بك.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- يكفيك أني أبتسم
- ما تبقّى من الريش
- حين يصبح الغد مؤجّلاً
- الفيضان
- حين كان الرمل وطناً
- اصرخ بوجهي
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- حافة التوقعات
- أحلامٌ مسجاة
- على حافة السقوط
- لا تثق
- بيادر التيه
- وقفة تأملية مع نتاح جديد للأخ الكاتب داود سلمان عجاج حول الع ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...
- صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي ...


المزيد.....




- فيلم «خروج آمن» يحصد النجمة الذهبية في ختام مهرجان الجونة ال ...
- ذكرى iPod الـ25 تتحول إلى مشغل موسيقى رقمي على Apple Music
- فيلم -البارح العين ما نامت-.. جمال المكان وقسوة الأعراف
- ريمون شويتي يوثق مسيرته الفنية وذاكرة بيروت في سيرة ذاتية جد ...
- تُوفي عقب السقوط على المسرح.. زوجة لاعب كمال أجسام تحذر من ح ...
- فنانة تركية ترسم لوحة لمحمد صلاح وتحلم بتقديمها له بنفسها (ف ...
- الأمير وليام يكشف عن شغفه بالسينما والموسيقى وطموحاته القديم ...
- فضل شاكر يصالح المسرح مجدداً بعد 14 سنة من الغياب، كيف تفاعل ...
- “الخدمات البيطرية” تبحث تعزيز التعاون المشترك مع روسيا في ال ...
- جلسة تناقش الحقوق الثقافية وحقوق الإنسان في معرض أربيل الدول ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نهاية الساعات