|
|
ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التلقي؛ قراءة تأملية في كتاب لمحات جمالية في بنية النص الشعري للدكتور إبراهيم أحمد العميري (الجزء الأول)
داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 09:03
المحور:
الادب والفن
ليس الشعر ما تقوله الكلمات وحدها، بل ما توقظه فينا من مشاعر، وما تستدعيه من ذاكرة، وما تفتحه أمام الفكر من أسئلة لا تنتهي بالضرورة عند حدود العبارة. فثمة مسافة دقيقة بين أن نقرأ القصيدة وأن نلامس تجربتها، وبين أن نتعرف إلى صورتها الفنية وأن ندرك ما تختزنه من دلالات تتجاوز ظاهرها. وفي هذه المسافة تحديداً تبدأ رحلة التأمل في جماليات الشعر، حيث لا تعود اللغة مجرد وسيلة للتعبير، بل تصبح أداة لإعادة تشكيل التجربة الإنسانية ومنحها حياة أخرى داخل النص. من هذا الأفق يمكن الاقتراب من كتاب الدكتور إبراهيم أحمد العميري "لمحات جمالية في بنية النص الشعري: دراسة نقدية تحليلية لقصائد مختارة"، بوصفه محاولة لاستكشاف العلاقات التي تنتظم داخل النص الشعري، وتكشف عن تفاعل الصورة واللغة والإيقاع والرؤية. فالكتاب لا يتوقف عند تجربة شعرية واحدة، وإنما ينتقل بين نماذج تتباين موضوعاتها ومرجعياتها؛ من الرمز الديني والتاريخي، إلى المدينة والذاكرة، ومن انفعالات الذات وتحولاتها إلى الزمن، وصولاً إلى الوطن وما يثيره من أسئلة الانتماء والغياب. ولعل ما يمنح هذه القراءة بعداً إنسانياً إضافياً هو إهداء المؤلف كتابه إلى أستاذه وصديقه الدكتور صالح الجميلي، في الذكرى التاسعة لغيابه، مستحضراً حضوره الذي لم ينقطع من وجدانه. وليس الإهداء، في هذا السياق، مجرد تقليد يسبق المتن، بل يمكن النظر إليه بوصفه عتبة وجدانية تكشف عن صلة المعرفة بالوفاء، وعن قدرة الكلمة على إبقاء الغائب حاضراً في الذاكرة. فالكتاب الذي يخرج إلى القراء محمّلاً بهذا المعنى يذكرنا بأن الكتابة لا تنفصل عن التجربة التي تنشأ منها، وأن وراء كل جهد معرفي، في أحيان كثيرة، حكاية إنسانية لا تظهر في عناوين الفصول، لكنها تمنحه شيئاً من روحه. حين يتجاوز المعنى حدوده الأولى، إن تأمل الصورة الشعرية يقودنا إلى سؤال جوهري: ما الذي يجعل الكلمات المألوفة قادرة على إنتاج أثر غير مألوف؟ وكيف تتحول الفكرة، وهي في أصلها معنى ذهني، إلى تجربة محسوسة يتفاعل معها القارئ؟ يستحضر الدكتور العميري في سياق حديثه عن الشعر قول الجاحظ: "إنما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير". وهي عبارة تختصر جانباً مهماً من طبيعة الإبداع الشعري؛ فالشعر لا يقوم على المعاني وحدها، وإنما على طريقة تشكيلها وصياغة العلاقات بينها. وقد يتناول شاعران موضوعاً واحداً، لكن اختلاف التجربة واللغة والخيال يجعل لكل منهما طريقته في الكشف عنه، حتى تبدو الفكرة المشتركة وكأنها ولدت في عالمين مختلفين. فالحزن، مثلاً، شعور إنساني لا يحتاج إلى تعريف، غير أن القول إن الشاعر حزين لا يمنحنا بالضرورة القدرة على معايشة حزنه. أما حين تتحول أدوات الكتابة في القصيدة إلى كائنات تعجز عن أداء وظائفها، فإن الحزن يغادر حدود التصريح، ليصبح مشهداً يمكن للقارئ أن يراه ويتفاعل معه. وهنا تتجلى أهمية الصورة؛ فهي لا تزين المعنى بعد اكتماله، وإنما قد تكون الوسيلة التي يتكون بها المعنى أصلاً. وفي هذا السياق، تبرز قيمة ما ارتبط بالنظرية النقدية عند عبد القاهر الجرجاني من عناية بالعلاقات بين الألفاظ والمعاني، وبالطريقة التي ينتظم بها الكلام ليكتسب أثره الجمالي. فالكلمة لا تستنفد إمكاناتها وهي منفردة، وإنما تتحدد فاعليتها من خلال موقعها في التركيب، وعلاقتها بما يجاورها، وما ينشأ عن ذلك من إيحاءات. ولهذا لا يكفي أن نتعرف إلى الاستعارة أو التشبيه أو الرمز في القصيدة؛ بل ينبغي أن نتأمل ما تضيفه هذه الأدوات إلى التجربة، وكيف تسهم في توسيع دلالتها. فحين يتكلم الصمت؛ في قصيدة "الإمام الحسين الشهيد في حضرة أحمد الملا"، يورد الكتاب صورة لافتة تتجسد فيها حيرة الشاعر أمام ثقل التجربة، إذ يقول: "منذ مدةٍ؛ وأنا تسكنني العبرات كلما استجمعت أوراقي كي أكتب عنك هربت من بين يدي الكلمات أمسك بقلمي لأبكيك فيأبى القلم الانسياق وتتفلت من يدي الأوراق ويتركني الاثنان لدموعي" إن المشهد هنا يتجاوز التعبير المباشر عن الحزن؛ فالقلم الذي يفترض أن يكون أداة طيّعة في يد الكاتب، يمتنع عن الكتابة، والأوراق التي تنتظر الكلمات تتفلت منه، فيما تتقدم الدموع لتحتل المساحة التي عجزت اللغة عن ملئها. إننا أمام تشخيص يمنح الأشياء الجامدة قدرة على المشاركة في الانفعال الإنساني. غير أن القيمة الجمالية لا تكمن في التشخيص بوصفه مصطلحاً بلاغياً فحسب، وإنما في الوظيفة التي يؤديها داخل التجربة. فامتناع القلم ليس حركة متخيلة معزولة، بل صورة عن مأزق التعبير حين يواجه الشاعر حدثاً يشعر أن الكلمات المعتادة لا تفي بحقه. وتزداد الصورة عمقاً باستحضار شخصية الإمام الحسين، بما تحمله من دلالات التضحية والفداء والموقف الأخلاقي. فالتجربة لا تقف عند حدود الرثاء، بل تفتح باباً للتفكير في العلاقة بين العاطفة والموقف، وبين الإعجاب بالتضحية والقدرة على إدراك مسؤوليتها. وهكذا يصبح عجز القلم جزءاً من بنية دلالية أوسع، يتداخل فيها الشعور مع الذاكرة والقيمة الإنسانية. إن الصمت في هذه الصورة لا يعني غياب التعبير تماماً؛ فقد يتحول إلى أحد أشكاله. فالدموع تقول ما تعثرت فيه الكلمات، وامتناع القلم نفسه يصبح لغة موازية. ومن هنا تتضح إحدى إمكانات الشعر الكبرى: أن يجعل العجز عن القول قولاً آخر، وأن يحوّل ما يبدو نقصاً في التعبير إلى عنصر فاعل في بناء التجربة. من غرابة الصورة إلى اتساع الدلالة؛ في نموذج "يدها تمطر" للشاعر أحمد شهاب، يورد الكتاب هذه الأسطر: "يدها تمطر جزر في عينيها يدها موسيقى ملموسة فرح يأتي لكن العمر شحيح" تضعنا هذه الصور أمام علاقات غير مألوفة بين الأشياء والحواس. فاليد تمطر، والموسيقى تصبح ملموسة، والعينان تتحولان إلى جزر؛ وهي تراكيب تدفع القارئ إلى مغادرة الفهم المباشر والبحث عن الروابط التي تجمع عناصرها. فعبارة "يدها تمطر" تستدعي دلالات العطاء والخصب، وتنقل اليد من وظيفتها المادية إلى صورة تتجاوز حدودها الحسية. أما "موسيقى ملموسة"، فتجمع بين حاستين مختلفتين، لتمنح المسموع هيئة يمكن تخيلها كما لو كانت شيئاً محسوساً. وتظل صورة الجزر في العينين مفتوحة على احتمالات تتصل بالعزلة أو التباعد أو تعدد العوالم الداخلية، من غير أن يكون من الضروري حصرها في تفسير واحد. لكن العبارة الأخيرة، "لكن العمر شحيح"، تعيد ترتيب المشهد كله. فبعد أن اتسعت الصور أمام الفرح والعطاء والإمكان، يأتي الزمن ليضع حدوده على ما تستطيع الروح أن تتخيله أو تتمناه. وهنا تتولد المفارقة بين غنى الصورة وضيق العمر، وبين اتساع الرغبة ومحدودية ما تمنحه الحياة. وهذا ما يجعل السياق عنصراً حاسماً في فهم الصورة الشعرية. فغرابة التعبير وحدها لا تكفي لصناعة الجمال، كما أن تعدد التأويلات لا يعني أن كل تفسير ممكن. إن الصورة تكتسب قيمتها حين تحتفظ بعلاقتها بالتجربة التي نشأت منها، وحين تفتح أمام المتلقي أفقاً للتأويل من دون أن تنفصل عن النسيج العام للنص. وفي سياق آخر في البحث عن الاسم المبعثر، في نموذج الشاعر أحمد الرواز، تتجه الصورة الشعرية نحو الداخل، حيث تحاول الذات أن تستعيد تماسكها بين الذاكرة والصمت والرغبة في البوح. ويورد الكتاب قوله: "اهتز عرش الروح واختلجت لحظتي تبعثرت على قارعة الحلم لملمت تناثر أحرف اسمي وأعادت النداء" إن صورة الاسم المتناثر تتجاوز حدود التشكيل اللغوي؛ فالاسم ليس مجموعة حروف فحسب، بل علامة من علامات الهوية، ووسيلة يتعرف الإنسان من خلالها إلى نفسه ويثبت حضوره في العالم. وحين تتبعثر حروفه على قارعة الحلم، تبدو الذات وكأنها فقدت شيئاً من انتظامها، أو وجدت نفسها أمام ضرورة إعادة جمع ما تفرق منها. وليس الحلم هنا عالماً مثالياً يمنح الذات خلاصها، بل يتحول إلى قارعة تتناثر عليها الحروف؛ أي إن المساحة التي قد نتوقع منها التحرر تصبح موضعاً لاختبار التماسك الداخلي. أما محاولة جمع الحروف، فتغدو فعلاً رمزياً لاستعادة الصوت والهوية، وكأن الإنسان لا يبحث عن اسمه كي يتعرف إليه الآخرون فحسب، بل كي يتأكد من أنه ما زال قادراً على التعرف إلى نفسه. وتتصل هذه الدلالة بصورة الروح التي "تلتفع الصمت"، حيث يتحول الصمت إلى غطاء يحيط بالذات، فيحميها أحياناً ويحجبها أحياناً أخرى. وهكذا لا يعود الصمت مجرد غياب للكلام، بل حالة ملتبسة تتأرجح بين العجز عن البوح والرغبة في الاحتفاظ بما لم يجد طريقه إلى التعبير. وتكشف هذه الصور عن قدرة اللغة الشعرية على تحويل الاضطراب الداخلي إلى مشهد فني، يسمح للقارئ بأن يشارك في اكتشافه بدل أن يتلقى تفسيراً جاهزاً له. فالصورة لا تقدم الذات في هيئة تعريف مكتمل، وإنما تضعها في حركة مستمرة بين التبعثر والاستعادة، وبين الرغبة في الكلام والخشية مما قد يكشفه الكلام.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل
...
-
يكفيك أني أبتسم
-
ما تبقّى من الريش
-
حين يصبح الغد مؤجّلاً
-
الفيضان
-
حين كان الرمل وطناً
-
اصرخ بوجهي
-
جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛
...
-
جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛
...
-
حافة التوقعات
-
أحلامٌ مسجاة
-
على حافة السقوط
-
لا تثق
-
بيادر التيه
-
وقفة تأملية مع نتاح جديد للأخ الكاتب داود سلمان عجاج حول الع
...
-
وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي
...
-
وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي
...
-
صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي
...
-
صوتان في رأس خلف: جدلية الانتماء ومأزق مشروع التضحية في رواي
...
-
حين تتحول الحكاية إلى مرآة للإنسان: تأملات في المجموعة القصص
...
المزيد.....
-
تركي آل الشيخ يرد على بيان لنقابة المهن التمثيلية في مصر
-
الأحزاب العربية وحسابات المنافسة بين نتنياهو وآيزنكوت مع تق
...
-
يحيى الفخراني يختتم عروض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي
...
-
بين الوحدة والتشرذم.. كيف تطور التمثيل العربي في الكنيست؟
-
ركين سعد تنوه لدور الهيئة الملكية الأردنية للأفلام في دعم -ب
...
-
آلية توزيع المقاعد ونظام التمثيل النسبي في انتخابات الكنيست
...
-
جمعية الحق في الدواء تطالب بمساءلة 16 فنانا بسبب إعلانات الأ
...
-
هل شيعت الجاموسة صاحبها حقا؟ العلم يفكك الرواية الشائعة في م
...
-
هانس إيرني: فنان التمويه في خدمة الجيش
-
مديرية ثقافة سلفيت تنفذ سلسلة فعاليات لتعزيز الهوية الوطنية
...
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|