أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين شيّعتُ العدل














المزيد.....

حين شيّعتُ العدل


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 01:42
المحور: الادب والفن
    


كأنني أمشي في جنازة العدل. لا أعرف كيف أضع خطواتي؛ أخشى أن أخطو فوق شيء لا يُرى، أو أن أتعثر بحقيقة سقطت من النعش ولم ينتبه إليها أحد. كان الحشد كبيراً، أكبر من أن أرى النعش بوضوح. رؤوس متلاصقة، ووجوه شاحبة، وأصوات تتداخل ثم تتلاشى، حتى بدا لي أنني لا أسمع المشيعين، بل أسمع ضجيجاً بعيداً يشبه نحيب مدينة فقدت شيئاً ولم تعرف قيمته إلا بعد موته.
كنت أبكي. بكيت كثيراً، حتى خفت أن يظن أحد أنني أبكي أكثر مما ينبغي. لكنني كنت أعرف لماذا أبكي، لم أكن أبكي على ميت فقط، كنت أبكي على شيء كنت أظنه سيبقى ما بقيت الحياة.
وفجأة، وبينما كانت الأكتاف تتقدم بالنعش، انكشف الغطاء للحظة. رأيت وجه العدل، كان ميتاً، ميتاً تماماً. لا حركة في الجسد، ولا ارتعاشة في الجفن، ولا نفس يتردد في الصدر. كان الموت واضحاً في ملامحه إلى درجة لا تترك مجالاً للشك.
ومع ذلك، حدث شيء لا أعرف كيف حدث. رأيته ينظر إليّ، ربما لم يكن ينظر، ربما كانت عيناه مفتوحتين بفعل الموت، وربما كانت دموعي هي التي صنعت من السكون نظرة. لكنني تخيلت أنه ينظر. كانت نظرته هادئة، عميقة، وفيها شيء يشبه الاستعطاف. لذا اقتربت منه بعينيّ، لا بجسدي. ثم قلت في سري:
- هل تسمعني؟
لم يجب. لكنني تخيلت أنه حرّك عينيه نحو الحشود، فالتفتُّ. كانوا يبكون، كلهم تقريباً. بعضهم يرفع صوته، وبعضهم يردد كلمات عن العدل، وآخرون يمشون خلف النعش بوجوه يعلوها الأسى. ثم تخيلت أن العدل يقول:
- انظر إليهم.
نظرت.
قال:
- أغلبهم يدّعون أنهم فقدوني.
ثم سكت قليلاً، وكأنه يمنحني الوقت لأرى ما وراء الوجوه.
وقال:
- لكن بعضهم قد يكون أكثر المستفيدين من غيابي.
أردت أن أعترض.
قلت:
- لا... ليس الأغلبية كذلك.
لم يجب، أو ربما لم يكن هناك صوت أصلاً. لكنني واصلت الحوار في رأسي:
- وكيف تعرف؟
جاءني صوته كما تخيلته:
- لأن موتي لا يؤلم من كان يخاف وجودي.
سكتُّ، ثم قال:
- انظر إلى نفسك.
نظرت إلى دموعي.
قال:
- أنت وحدك تعرف ماذا كنت أعني لك.
قلت:
- ماذا كنت تعني؟
فأجاب:
- كنت أترك لك نافذة صغيرة في هذا العالم، تستطيع أن ترى منها أنك لست وحدك.
لم أفهم.
قلت:
- وكيف؟
قال:
- لأن وجودي كان يعني أن هناك حداً لا يستطيع أحد تجاوزه دون أن يخاف.
ثم صمت. شعرت بقشعريرة، قلت:
- والآن؟
لم يجب. فقط بقي وجهه ساكناً، ميتاً. هنا أدركت فجأة أنني كنت أتحدث إلى جثة، وأن العدل لم يقل شيئاً، وأن كل تلك الكلمات لم تأتِ من فمه، بل من مكان ما في داخلي. لكنني لم أستطع التوقف، ظللت أحدّق في وجهه الميت، وأنتظر منه جواباً آخر.
كان الحشد يتقدم، والنعش يُحمل، والبكاء يزداد. أما العدل فظل صامتاً، كما يليق بالميت. ومع ذلك، قبل أن يغيب وجهه بين الأكتاف، خُيّل إليّ أنه نظر إليّ مرة أخيرة. لم أعرف إن كانت تلك النظرة منه، أم مني.
ومنذ ذلك اليوم، كلما رأيت حشداً يبكي خلف نعش، أتساءل: هل يبكون لأن العدل مات، أم لأنهم يخشون أن يكتشفوا أنهم كانوا ينتظرون موته؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في زمن الأقنعة
- نهاية الساعات
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- يكفيك أني أبتسم
- ما تبقّى من الريش
- حين يصبح الغد مؤجّلاً
- الفيضان
- حين كان الرمل وطناً
- اصرخ بوجهي
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- حافة التوقعات
- أحلامٌ مسجاة
- على حافة السقوط
- لا تثق
- بيادر التيه
- وقفة تأملية مع نتاح جديد للأخ الكاتب داود سلمان عجاج حول الع ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...
- وهم الانتماء ومشروع التضحية: شعرية السرد وجدلية الوطن والهوي ...


المزيد.....




- دور حاسم: التمثيل العربي يتحول إلى بيضة القبان في انتخابات ا ...
- روسيا وكوريا الشمالية تبحثان إنتاج أفلام مشتركة وتصوير أعمال ...
- خمسة عروض مسرحية تتنافس على جوائز الدورة الخامسة لمهرجان الب ...
- ألبوم -A LA FRANCAISE-: روائع الأغنية الفرنسية بصوت هبة طوجي ...
- مصر.. قرار قضائي يلزم جهة حكومية بتعويض كبير بعد خطأ فادح
- عرض سينمائي ليلي واحد لوداع «تشيكن شوب ديت
- خلال فعاليات المعرض والمؤتمر الدولي IWWI 2026..جلسة متخصصة ت ...
- سقوط النسوية الغربية وفلاسفة الأنوار.. باحثة إيطالية تفكك جذ ...
- مآسي الحرب الأهلية السريلانكية في ترجمة عربية لرواية «أقمار ...
- -قوارب تلوح من الأفق البعيد-.. متاحف قطر تروي رحلة الخزف الص ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين شيّعتُ العدل