داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 01:42
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
ليس بالضرورة أن يبدأ الإنسان من اللحظة التي يولد فيها؛ فثمة بدايات تسبقه، وأصوات تستقر في أعماقه قبل أن يمتلك القدرة على الإصغاء إليها، وملامح تتشكّل في داخله قبل أن يتعرّف إلى صورته في المرآة. يولد بجسد لم يسبقه إليه أحد، لكنه يدخل عالماً مكتظّاً بذكريات الآخرين، وتقاليدهم، ومخاوفهم، وأحلامهم المؤجّلة، حتى ليبدو أحياناً كأنه يواصل حياةً بدأت قبله، لا حياةً تخصّه وحده.
ولعلّ السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده ليس: من أين جئنا؟ بل: كم من ذواتنا يعود إلينا حقاً، وكم منها جاءنا من أولئك الذين مرّوا في حياتنا، وتركوا فينا ما لم يستطيعوا حمله معهم؟ إننا نتحدث كثيراً عن استقلال الشخصية، وعن حرية الاختيار، وعن تفرد الإنسان بذاته، لكننا نادراً ما نتساءل عمّا إذا كانت هذه الذات التي ندافع عنها قد تشكّلت، في جانب منها بإرادة الآخرين، ثم استقرّت فينا حتى غدت جزءاً من حقيقتنا التي لا نشكّ فيها.
يبدأ الاستنساخ الإنساني، إن جاز لنا استخدام هذا التعبير بمعناه النفسي والرمزي، من تفاصيل تبدو صغيرة ولا تستدعي الانتباه. من كلمةٍ يسمعها الطفل فتتحول إلى قاعدة، ومن خوفٍ يتوارثه عن أسرته، ومن فكرةٍ يتلقّاها في سنواته الأولى دون أن يُمنح فرصة مساءلتها. ثم تتراكم هذه التفاصيل، وتتشابك مع التجارب، حتى يصبح ما تعلّمه الإنسان جزءاً من الطريقة التي يرى بها العالم، ويقيس بها الآخرين، ويحكم بها على نفسه.
قد يظنّ المرء أنه اختار الصمت لأنه حكيم، بينما يكون صمته امتداداً لخوف قديم. وقد يعتقد أنه شديد التمسك برأيه لأنه مستقل، فيما يكون أسيراً لقناعات ورثها ولم يختبر صلاحيتها. وربما يرفض طريقاً بأكمله لا لأنه اكتشف خطأه، بل لأن شخصاً ما ترك في ذاكرته جرحاً جعله ينفر من كل ما يشبهه.
وهكذا، لا تنتقل إلينا الذوات في صور واضحة، ولا تأتي على هيئة أشخاص يقفون أمامنا ويطلبون منا أن نكون نسخاً منهم؛ إنها تتسلّل عبر العادات، ونبرة الصوت، وطريقة الغضب، وأسلوب الحب، وحتى في الطريقة التي نخفي بها حزننا عن الآخرين. وفي هذا المعنى، تبدو عبارة الفيلسوف الألماني "نيتشه" في كتابه "العلم المرح"، جديرة بالتأمل: "كن نفسك"؛ وهي دعوة تختصر مفارقة شاقة، لأن الوصول إلى الذات قد يتطلب أولاً اكتشاف ما تراكم فوقها، وما حال بينها وبين الظهور. فكيف نكون أنفسنا إذا كنا لم نتعلّم بعد التمييز بين ما نؤمن به وما أُريد لنا أن نؤمن به؟
في سياق متصل، ليس الماضي زمناً انقضى تماماً، ولا ذاكرةً نستدعيها متى نشاء ثم نعيدها إلى مكانها. إنه في أحيان كثيرة، قوة خفية تتدخل في الحاضر، وتعيد ترتيب مشاعرنا تجاه الأشياء، حتى نرى ما يحدث اليوم من خلال ما حدث بالأمس. قد نلتقي إنساناً لا يشبه من ذواتنا، ومع ذلك نستقبله بحذرٍ لا يستحقه. وقد نواجه موقفاً جديداً، فنستجيب له بالطريقة ذاتها التي استجبنا بها لموقف قديم، كأن التجربة الأولى لم تغادرنا، بل غيّرت ثيابها وعادت إلينا في صورة أخرى. وليس غريباً، في ضوء ذلك، أن نتذكر قول الشاعر العربي "أبي الطيب المتنبي":
"وَإِنما النّاسُ بِالمُلوكِ وَما
تُفلِحُ عُرْبٌ مُلوكُها عَجَمُ"
وإن كان البيت يتناول أثر السلطة في أحوال الناس، فإن دلالته تتيح لنا، على سبيل التأمل، أن نرى كيف تصنع القوى المحيطة بالإنسان ملامح سلوكه، وكيف يمكن لما يقع خارج الذات أن يعيد تشكيل ما يقع في داخلها.
غير أن الأمر لا يتوقف عند تأثير السلطة أو المجتمع؛ فقد يكون أكثر الأشخاص تأثيراً فينا غائبين منذ زمن طويل. نواصل محاورتهم في دواخلنا، ونقيس خطواتنا على رضاهم المتخيّل، أو نتمرّد عليهم حتى بعد أن يغيبوا عن حياتنا. وربما نظن أننا تحرّرنا منهم، بينما لا نفعل سوى أن نعيش في الاتجاه المعاكس لما أرادوه لنا. إن بعض الغائبين لا يغادروننا، لأننا لم نغادر صورتهم فينا.
هناك ثمة مفارقة تستحق الانتباه: قد يثور الإنسان على بيئته، ويرفض قيمها، ويعلن اختلافه عن الذين سبقوه، لكنه يظلّ، من حيث لا يدري، مرتبطاً بهم ارتباطاً عميقاً. فالمتمرّد الذي يجعل حياته كلها ردّ فعل على سلطة أبيه، مثلاً، قد يبقى محكوماً بتلك السلطة، وإن اتخذ موقفاً مضاداً لها؛ إذ تظلّ هي مركز قراراته، حتى عندما يعتقد أنه ابتعد عنها. وهنا يصبح التمرّد شكلاً آخر من أشكال التبعية، لا لأن الاختلاف خطأ، بل لأن الذات لا تتحرر بمجرد أن تقول "لا"، وإنما حين تعرف لماذا تقولها، وما الذي تريد أن تقيمه في المكان الذي أخلته بالرفض. وقد عبّر الشاعر "محمود درويش" عن تعقيد العلاقة بين الإنسان وما يحمله من ذاكرة وانتماء حين قال:
"ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا"
وفي هذا القول، على الرغم من اختلاف سياقه الشعري، ما يذكّرنا بأن الإنسان لا يُختزل في ماضيه أو في القيود التي تحيط به؛ فهو يظلّ قادراً على البحث عن سبيل آخر، وعلى أن يمنح وجوده معنى لا يستنفد ما ورثه من الآخرين.
إن التحرر الحقيقي لا يعني أن نتخلّص من كل أثر سابق، فذلك ضرب من الوهم؛ بل أن نمتلك الشجاعة الكافية لنفحص هذا الأثر، وأن نميّز بين ما يمنحنا جذوراً وما يحوّل تلك الجذور إلى قيود.
في سياق آخر، إذا كان الإنسان لا يستطيع اختيار جميع الظروف التي أسهمت في تشكيله، فإنه يستطيع، بدرجات متفاوتة، أن يختار موقفه منها. وهذه المسافة بين ما تكوّن فينا وما نقرّر أن نكونه هي المساحة التي تبدأ فيها الحرية. حيث يقول الفيلسوف " سارتر"، في صياغة تلخّص جانباً من فلسفته الوجودية: "الإنسان ليس إلا ما يصنعه بنفسه". ولا ينبغي أن نفهم هذه الفكرة على أنها إنكار للماضي أو للظروف التي تحيط بالإنسان، وإنما بوصفها تأكيداً لمسؤوليته عن موقفه مما ورثه، وعن الخيارات التي يتخذها في ضوء ما أصبح يعرفه عن نفسه.
فالوعي لا يمحو الذاكرة، لكنه يغيّر علاقتنا بها. ولا يلغي أثر الأسرة أو المجتمع، لكنه يمنحنا القدرة على إعادة النظر في بعض ما تلقّيناه منهما. وقد نكتشف أن فكرةً تمسّكنا بها سنوات طويلة لم تكن سوى خوفٍ متوارث، أو أن عادةً دافعنا عنها بوصفها جزءاً من شخصيتنا لم تكن إلا استجابة قديمة لظرف انتهى منذ زمن. وحين يحدث ذلك، لا نصبح أشخاصاً آخرين تماماً، بل نبدأ في استعادة حقنا في المشاركة في تشكيل أنفسنا.
وربما كانت أصعب لحظات النضج هي تلك التي نكتشف فيها أننا لسنا أبرياء تماماً من الصور التي صنعها الآخرون فينا؛ فقد احتفظنا ببعضها بإرادتنا، ودافعنا عنها، ثم نقلناها بدورنا إلى أبنائنا وأصدقائنا ومن مرّوا في حياتنا. وهكذا تتحول الذاكرة من إرث نتلقّاه إلى إرث نعيد إنتاجه، من غير أن ننتبه أحياناً إلى أننا أصبحنا مصدراً لما كنّا نشتكي منه.
في الختام، لعلّنا لسنا استنساخاً كاملاً لذواتٍ سابقة، ولسنا أيضاً كائنات تبدأ حياتها من صفحة بيضاء. إننا مزيج معقّد من تجاربنا وما وصل إلينا من تجارب الآخرين؛ من الكلمات التي أنقذتنا، وتلك التي جرحتنا، ومن الأحلام التي تبنّيناها، والأحلام التي تخلّينا عنها كي نرضي أحداً، ومن مخاوف لم نعرف لها أصلاً، حتى ظننا أنها جزء من طبيعتنا.
لكنّ المسألة الأعمق ليست في مقدار ما ورثناه، بل في قدرتنا على اكتشافه. فليس كل ما يسكننا يمثّلنا، وليس كل ما اعتدناه حقيقة لا تقبل التغيير. وربما تكون الذات الحقيقية ليست تلك التي تنكر جذورها، بل التي تعرفها، وتفهم أثرها، ثم تختار ما تريد أن تحتفظ به منها.
إننا نعيش بين صورتين: صورة رسمها الآخرون لنا، وصورة نحاول أن نرسمها لأنفسنا. وقد تتطابق الصورتان أحياناً، وقد تتنافران حتى يصبح العمر كله محاولةً للتوفيق بينهما. غير أن الخطر يبدأ حين نخلط بينهما، فنحسب ما ورثناه اختياراً، وما اعتدناه حقيقة، وما تكرّر فينا قدراً لا فكاك منه.
ولعلّ أكثر الأسئلة إيلاماً أن ننظر إلى وجوهنا بعد أعوام طويلة، فلا نعرف على وجه الدقة أيّ الملامح منها لنا، وأيّها استعارتها أرواحنا من الآخرين. ثم نسأل: هل صنعنا أنفسنا حقاً، أم اكتفينا بإعادة ترتيب ما صنعه السابقون فينا؟
وربما لا تكون الإجابة في أن نبحث عن ذاتٍ نقية لم يمسسها أحد، فمثل هذه الذات قد لا وجود لها أصلاً؛ وإنما في أن نمتلك شجاعة الاختيار، وأن نكسر حلقة التكرار كلما اكتشفنا أنها تحوّل الإنسان إلى ظلٍّ لغيره. فإذا كان كل جيل يترك شيئاً من ملامحه في الجيل الذي يليه، فمن الذي سيجرؤ يوماً على أن يترك لأبنائه إرثاً من الأسئلة، بدلاً من أن يورّثهم أجوبةً لم يفكّروا فيها؟ وهل نكون قد بلغنا ذواتنا أخيراً، حين نتوقف عن تقليد من سبقونا، أم حين نكتشف أن بعض ما فينا يستحق أن يستمر، وأن بعضه الآخر ينبغي أن ينتهي عندنا؟
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟