أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين لا يدرك السيارة















المزيد.....

حين لا يدرك السيارة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 08:57
المحور: الادب والفن
    


لم يكن الصباح قد استيقظ تماماً حين نهض من فراشه، كأنما انتزعه من نومه صوتٌ لا يسمعه سواه. في الغرفة المجاورة كان أطفاله يغطّون في نوم عميق، وقد انكمش أصغرهم تحت غطاء خفيف، بينما ظلّ هو لحظات يحدّق في سقف الغرفة، يستجمع ما تبقّى في جسده من قدرة على النهوض. لم يكن قد أخذ كفايته من النوم، لكنه اعتاد أن ينهض في مثل هذه الساعة، حتى صار جسده يعرف موعد الخروج أكثر مما يعرف الراحة.
خرج إلى الحوش، حيث تقبع السقيفة في طرفه، وتحتها إناء الماء الذي يغسل وجهه منه كل صباح. انحنى عليه، وغرف بيديه ماءً بارداً، ثم رفع رأسه ببطء. انعكست ملامحه المرتبكة على صفحة الماء، فظلّ ينظر إليها قليلاً، قبل أن يمسح وجهه بطرف المنشفة البالية.
ارتدى ملابسه وتفقّد جيبه، ثم التفت نحو الغرفة التي ينام فيها أطفاله. كان يريد أن يوقظ أحدهم، أن يسمع صوتاً يطمئنه إلى أنه ما زال أباً قادراً على الخروج من البيت والعودة إليه بشيء، ولو كان قليلاً. لكنه تراجع، وأغلق الباب بهدوء.
كان عليه أن يصل إلى الشارع الوحيد المبلّط بالأسفلت الذي يخترق القرية، حيث تنتظره سيارة تنقل مجموعة من الشباب إلى موقع العمل لإنشاء معسكر للجيش قرب المدينة. لم يكن العمل قريباً، ولم يكن الطريق سهلاً، غير أن الحاجة لا تسأل الجسد إن كان مستعداً، ولا تمنح المتعب فرصة للاعتذار.
وقف عند حافة الشارع، وراح يراقب الطريق. كان يعرف أصوات السيارات القليلة التي تمرّ من بعيد، ويستطيع أن يميّز صوت سيارتهم قبل أن تظهر. وحين لمحها تقترب، شعر بأن شيئاً من الأمل يتحرك في صدره. رفع يده، ثم خطا إلى الأمام.
توقفت السيارة لحظات، وصعد إليها الشباب الذين اعتادوا الذهاب معه. تبادلوا التحيات والضحكات، وتزاحموا في الحوض الخلفي، بينما بقي هو عند الباب، ينتظر أن يجد موضعاً يتشبث به.
قال أحدهم:
ـ اصعد، لا يزال لدينا متسع.
انطلقت السيارة، وعند المرتفعات القريبة من قلعة آشور، كان المشهد يتكرر على نحو أشد قسوة. هناك، عند "علوة أبي حمادي"، يترجل الشباب من السيارة ليدفعوها صعوداً في المنحدر، ثم يعودون إلى حوضها الخلفي بعد أن تتجاوز القمة. كان يعرف تلك اللحظة جيداً؛ يعرف متى يضعون أيديهم على مؤخرة السيارة، ومتى تنفرج المسافة بينهم وبين الطريق، ومتى يصبح عليه أن يركض ليلحق بهم قبل أن يبتعدوا.
كان يحاول أن يختار موقعه بعناية، وأن يتهيأ قبل الآخرين، وأن يخفي اضطراب أنفاسه. وفي كل مرة كان يقول لنفسه إن الأمر لن يتجاوز هذه المرة، وإنه سيلحق بهم كما يفعل الآخرون. لكنه، حين يبدأ الركض، يشعر بأن الأرض تثقل تحت قدميه، وأن المسافة القصيرة التي تفصله عن السيارة أطول مما يستطيع احتماله.
يرفع ذراعيه، يسرع خطاه، يمدّ يده نحو الحافة الخلفية، ثم تتراجع السيارة أمامه. ولا تتوقف، ظلّ يركض حتى انقطع نفسه، ثم خفّف خطواته، ووقف عند طرف الطريق يراقبها وهي تبتعد. لم يكن أحد يلتفت إليه، أو ربما كانوا قد اعتادوا مشهد غيابه حتى لم يعودوا يسألون عنه.
وحين اختفت السيارة وراء المنعطف، استدار نحو قريته. كان عليه أن يعود إلى البيت مشياً، قاطعاً أربعة كيلومترات تفصله عن أسرته. أربعة كيلومترات لا يقطعها في الطريق وحده، بل يقطعها أيضاً في رأسه، وهو يفتش عن حكاية جديدة يضعها أمام زوجته وأطفاله، كي لا يضطر إلى وضع الحقيقة أمامهم.
في المرة الأولى قال إن السيارة لم تأتِ، وفي مرة أخرى أخبرهم أن العمل تأجل، ثم قال إن المسؤول عن العمال طلب منهم العودة في يوم آخر، وإن السائق غيّر طريقه، وإن أمراً طارئاً حال دون وصولهم. كان يبدّل الأعذار كما يبدّل الرجل قميصه، لا لأن الكذب صار سهلاً عليه، بل لأن الحقيقة كانت أثقل من أن يحملها إلى البيت.
في ذلك الصباح، جلس عند حافة الطريق، وأخرج من جيبه قطعة خبز يابسة كان قد وضعها هناك قبل خروجه. نظر إليها، ثم أعادها إلى جيبه من غير أن يأكلها. كانت الشمس ترتفع ببطء، والطريق يمتد أمامه خالياً إلا من الغبار وآثار العجلات. ثم راح يتدرّب على رواية ما حدث. قال بصوت خافت:
ـ اليوم لم نعمل، فقد أخبرونا أن...
توقف. جرّب من جديد:
ـ السيارة تعطلت عند المرتفع، وانتظرنا قليلاً، ثم...
لم يستطع إكمال الجملة. لم تكن المشكلة في العثور على عذر، وإنما في أن الأعذار القديمة بدأت تشبه بعضها، وأنه صار يخشى أن يسمعها من فم أحد أطفاله قبل أن ينطق بها. واصل السير. مرّ قرب القلعة، والتفت إليها كأنما ينتظر منها أن تشهد بأنه حاول، وأنه لم يتخلّف بإرادته، وأن ثمة مسافة غامضة بين الرغبة والقدرة لا يعرف كيف يشرحها للآخرين.
عندما اقترب من البيت، خفّف خطواته. لم يكن يريد أن يدخل متعباً على نحو يثير الأسئلة، ولا أن يبدو مطمئناً أكثر مما ينبغي. وقف لحظات أمام الباب، مسح الغبار عن ملابسه، ثم دخل. كانت زوجته في الحوش تجمع بعض الأواني، فرفعت رأسها نحوه. لم تسأله فوراً، لكنها نظرت إلى وجهه، ثم إلى يديه الخاليتين.
قالت:
ـ رجعت؟
أجاب وهو يشيح بنظره:
ـ نعم.
ـ والشغل؟
خلع حذاءه، ووضعه قرب الباب.
ـ تأجل اليوم.
ظلّت تنظر إليه. لم تجادله، ولم تسأله أين كان، لكنها قالت بعد لحظة:
ـ تأجل أمس أيضاً؟
شعر بأن الكلمات التي أعدّها طوال الطريق قد تبعثرت. حاول أن يبتسم، ثم جلس على حافة السقيفة.
ـ قالوا لنا نرجع غدا.
خرج أحد أطفاله من الغرفة، وكان لا يزال يفرك عينيه. اقترب منه وسأله:
ـ أبي، هل جلبت لنا شيء؟
مدّ يده إلى رأسه، ومسح شعره بحنان.
ـ غدا، إن شاء الله.
عاد الطفل إلى الداخل، فيما بقيت الزوجة واقفة في مكانها. لم تقل شيئاً، ولم يكن صمتها دليلاً على التصديق أو التكذيب. كان صمتاً ترك له مساحة صغيرة ليواصل الاختباء، ومساحة أخرى ليشعر بأنه لم يعد قادراً على الاحتماء بها.
في تلك الليلة، لم ينم بسهولة. ظلّ يتقلب على فراشه، ويستعيد الطريق والمرتفع والسيارة وهي تبتعد. كان يعرف أن عليه أن يخرج في الصباح، وأن يقف في الموضع نفسه، وأن يرفع يده حين تقترب السيارة. لم يكن يملك خياراً آخر، أو هكذا أقنع نفسه. وقبل أن يغفو بقليل، سمع حركة خفيفة في الغرفة المجاورة. نهض، واتجه نحو الباب، فوجد أحد أطفاله قد استيقظ ليشرب الماء.
سأله الطفل، بصوت لم يكتمل فيه النعاس:
ـ أبي، غدا تذهب للعمل؟
تأمله طويلاً، ثم قال:
ـ نعم.
عاد الطفل إلى فراشه مطمئناً، وبقي هو واقفاً عند الباب.
في الصباح التالي، غسل وجهه من الإناء نفسه، وارتدى ملابسه، وخرج إلى الشارع. كانت السيارة لم تصل بعد. وقف عند الحافة التي اعتاد الوقوف عندها، وأخذ يراقب الطريق، فيما راحت أصابعه تتحرك في جيبه كأنها تبحث عن شيء مفقود. وحين ظهر غبارها من بعيد، تقدّم خطوة، ثم خطوة أخرى. ولم يكن يعرف، وهو يرفع يده نحوها، أكان ينتظر أن تتوقف هذه المرة، أم كان ينتظر أن يجد أخيراً شجاعةً تكفيه ليقول في البيت ما لم يستطع قوله طوال تلك الكيلومترات.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أتخبرني بأن الحياة عادلة؟
- تغريبة أب
- نصفُنا الذي سبقنا إلى الغياب
- دائرة الجبين
- لازلتُ رضيعاً
- نحن أبناء ذواتٍ لم نعرفها: تأملات في الهوية والاستنساخ الإنس ...
- حين شيّعتُ العدل
- في زمن الأقنعة
- نهاية الساعات
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- يكفيك أني أبتسم
- ما تبقّى من الريش
- حين يصبح الغد مؤجّلاً
- الفيضان
- حين كان الرمل وطناً
- اصرخ بوجهي
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- حافة التوقعات


المزيد.....




- همام إبراهيم يعزز صدارته للمشاركات العراقية في مهرجان الموسي ...
- أ. د. سناء الشعلان ضيفة على معرض الشّارقة الدّوليّ للكتاب لل ...
- وفاة الممثلة سوزان سانت جيمس بطلة مسلسل -McMillan & Wife- عن ...
- دور حاسم: التمثيل العربي يتحول إلى بيضة القبان في انتخابات ا ...
- روسيا وكوريا الشمالية تبحثان إنتاج أفلام مشتركة وتصوير أعمال ...
- خمسة عروض مسرحية تتنافس على جوائز الدورة الخامسة لمهرجان الب ...
- ألبوم -A LA FRANCAISE-: روائع الأغنية الفرنسية بصوت هبة طوجي ...
- مصر.. قرار قضائي يلزم جهة حكومية بتعويض كبير بعد خطأ فادح
- عرض سينمائي ليلي واحد لوداع «تشيكن شوب ديت
- خلال فعاليات المعرض والمؤتمر الدولي IWWI 2026..جلسة متخصصة ت ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين لا يدرك السيارة