أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود سلمان عجاج - نصفُنا الذي سبقنا إلى الغياب















المزيد.....

نصفُنا الذي سبقنا إلى الغياب


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 09:38
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ثمة موتٌ لا يحتاج إلى جنازة، ولا يترك خلفه قبراً تُعلَّق على شاهده الأسماء. موتٌ يحدث ببطء، ونحن نمضي في أيامنا كأن شيئاً لم يتغير؛ نفتح الأبواب، نتبادل التحايا، نمارس عاداتنا المألوفة، ونؤدي الأدوار التي اعتدناها، بينما يتوارى في دواخلنا شيء لا نعرف متى بدأ بالانطفاء. وربما لا ننتبه إليه إلا حين نشعر فجأة، بأننا لم نعد أولئك الذين كناهم، وأن المسافة بيننا وبين أنفسنا قد اتسعت أكثر مما ينبغي.
أحياناً، أتساءل: هل نعيش حقاً في اللحظة التي نعبرها، أم أننا مجرد عابرين في زمن لا ينتظر أحداً؟ وهل يكفي أن يتحرك الجسد، وأن تتوالى الأيام، لكي نكون أحياء بالمعنى الذي يمنح الوجود قيمته؟ أم أن للحياة وجهاً آخر لا تراه المرايا، ولا تقيسه الساعات، وإنما يتحدد بما نتركه في نفوس الآخرين من أثر؟
ربما كان الموت، في أحد وجوهه الخفية أن نفقد قدرتنا على الدهشة، وأن تتحول الأشياء التي كانت توقظ فينا الرغبة إلى تفاصيل باهتة، وأن يصبح الغد نسخة مؤجلة من الأمس. عندها لا نغيب عن العالم، لكننا نغيب عن أنفسنا؛ نحضر في المشهد بأجسادنا، فيما تنسحب أرواحنا إلى مسافة لا نعرف كيف نعود منها. نواصل السير، غير أن الطريق لا يعود يقودنا إلى شيء، ونواصل الكلام، فيما تتراكم في أعماقنا كلمات لم تجد من يصغي إليها.
ولعل أكثر ما يثير الحيرة أن الإنسان لا يعرف دائماً متى يبدأ غيابه. فثمة علاقات تنتهي قبل أن يعلن أصحابها الفراق، وصداقات تذبل فيما لا تزال الأيدي تتصافح، وأسماء تبقى متداولة في الأحاديث بعدما تفقد مكانتها في القلوب. وقد نجلس إلى جوار أناس نعرفهم منذ أعوام، ثم نكتشف أننا لم نعد نعرف عنهم سوى ما اعتدنا أن نعرفه، وأن ما كان يجمعنا بهم ذات يوم صار مجرد حكاية نكررها كلما أعوزتنا الكلمات.
أليس غريباً أن يكون المرء حاضراً في حياة الآخرين، لكنه لا يشعر بأنه جزء منها؟ وأن يُذكر اسمه في المجالس، فيما لا يجد في القلوب ذلك الموضع الذي كان يظنه باقياً؟ لعل الوجود لا يُقاس بعدد الذين يعرفوننا، بل بمدى ما نتركه فيهم من أثر؛ فكم من شخص عبر حياتنا مروراً عابراً، لكنه ترك فينا ما لم يستطع المقربون تركه، وكم من آخر أقام بيننا طويلاً، ثم رحل من دون أن يوقظ في الذاكرة سوى ملامح باهتة.
هنا تبدأ الذاكرة في ممارسة لعبتها الغامضة. إنها لا تحفظ الجميع بالقدر نفسه، ولا تعيد إلينا الماضي كما وقع تماماً؛ إنها تنتقي، وتحذف، وتضيف، وتمنح بعض اللحظات حياة أطول من أعمار أصحابها. قد تعيد إلينا صوتاً غاب منذ سنوات، أو ملامح وجه لم نعد نملك فرصة رؤيته، أو عبارة قيلت في لحظة لم نكن ندرك أنها ستصبح ذات يوم، كل ما تبقى لنا من صاحبها. وفجأة، نشعر أن الغائب أقرب إلينا من كثيرين يحيطون بنا، وأن المسافة بين الحياة والموت ليست دائماً تلك التي تفصل الجسد عن التراب.
ثمة أناس رحلوا، لكنهم لم يغادروا حياتنا حقاً. ما زالوا يشاركوننا اختياراتنا، ويظهرون في لحظات ضعفنا، ونستحضر كلماتهم حين تضيق بنا الطرق. وربما نختلف معهم في الذاكرة، أو نعيد تأويل مواقفهم بعد أن تكشف لنا الأيام ما لم نكن نراه، لكنهم يظلون جزءاً من تكويننا، كأن غيابهم لم ينهِ حضورهم، بل نقله من عالم نستطيع فيه مصافحتهم إلى عالم لا نبلغهم فيه إلا من خلال ما تركوه فينا.
وإذا كان الغائب قد يجد في الذاكرة حياة أخرى، فماذا عن أولئك الذين لم يغادروا بعد، لكنهم بدأوا يفقدون مواقعهم في ذاكرة من حولهم؟ أولئك الذين يعيشون على هامش الحكايات، بعدما كانوا يوماً في صميمها، والذين لم يعودوا يُستحضرون إلا بمناسبة عابرة أو حين تدفع المصادفة أحدهم إلى استعادة صورة قديمة. أيمكن للإنسان أن يتحول إلى ذكرى وهو لا يزال حياً، وأن يصبح ماضيه أكثر حضوراً من حاضره؟
لعل ذلك يحدث حين تتراجع صلتنا بما حولنا، أو حين نعجز عن تجديد أنفسنا، أو حين نكتفي بما كنا عليه، معتقدين أن ما صنعناه بالأمس سيظل كافياً ليمنحنا مكاناً في الغد. فالذاكرة، على الرغم من وفائها أحياناً، ليست وعداً دائماً بالبقاء؛ إنها تتغير مع تغير أصحابها، وتخفت بعض صورها كلما ازدحمت الحياة بتفاصيل جديدة. وما نظنه راسخاً في وجدان الآخرين قد يتبدل، وما نعتقد أنه لن يُنسى قد يصبح مع مرور الزمن اسماً لا يستدعي سوى سؤال عابر.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول هذه الحقيقة إلى خوف دائم من النسيان، أو إلى سباق محموم لترك أثر بأي ثمن. فليس كل حضور يستحق البقاء، وليس كل أثر دليلاً على حياة حقيقية. ربما تكمن القيمة في أن نعيش بصدق، وأن نكون أكثر انتباهاً لما نقوله ونفعله، وأن ندرك أن كلمة صغيرة قد تخفف وطأة يوم ثقيل عن إنسان، وأن موقفاً نراه عابراً قد يصبح في ذاكرته فاصلاً بين اليأس والرجاء. نحن لا نملك أن نقرر كيف سيتذكرنا الآخرون، لكننا نملك، إلى حد بعيد، أن نختار ما نقدمه لهم ونحن ما زلنا قادرين على الحضور.
إننا نعيش في زمنين متداخلين: زمن يمر بنا، وزمن يتشكل في ذاكرة من نلتقيهم. الأول يمضي مهما حاولنا إيقافه، أما الثاني فيتكون من تفاصيل قد لا نلتفت إليها إلا بعد فوات الأوان. وبين الزمنين يقف الإنسان، محاولاً أن يفهم معنى بقائه، وأن يصالح ما كان بما هو كائن، وأن يدرك أن العمر لا يُختصر في عدد السنوات، بل في مقدار ما منحناه للحياة من معنى، وما استطعنا أن نحفظه في أنفسنا من قدرة على الحب والدهشة والتجدد.
وربما يكون السؤال الأهم ليس: كم سيبقى منا بعد الرحيل؟ بل: كم بقي منا الآن، ونحن نظن أننا ما زلنا كما كنا؟ هل لا تزال فينا مساحة تسمح لنا بأن نبدأ من جديد، وأن نراجع ما استقر فينا من قناعات، وأن نخرج من عتمة الاعتياد إلى ضوء الاحتمال؟ أم أننا نعيش على رصيد قديم من الذكريات، نعيد استهلاكه كلما عجزنا عن صنع لحظة جديدة تستحق أن تُعاش؟
لا أعرف إن كان الإنسان يستطيع أن ينجو تماماً من الغياب، فربما كان جزء منه يرحل مع كل مرحلة، ومع كل وداع، ومع كل حلم يتخلى عنه مضطراً. لكن ما دام قادراً على أن يرى في الأشياء معنى لم يكتشفه بعد، وأن يمد يده إلى آخر من دون حساب، وأن يعترف بخطئه، ويعيد النظر في نفسه، فإنه لم يستنفد إمكانات الحياة كلها. فالحياة ليست مجرد البقاء، كما أن الموت ليس مجرد نهاية؛ بينهما مساحة واسعة يختبر فيها الإنسان حقيقة وجوده، ويقرر، ولو في حدود ضيقة، إن كان سيترك الأيام تمر من خلاله، أم سيترك فيها شيئاً من روحه.
وفي النهاية، قد لا نكون سوى مسافرين في ذاكرة تتغير، وصورٍ تتبدل ملامحها كلما ابتعد الزمن. لكن ثمة ما يستحق أن نتوقف عنده قبل أن نصبح جزءاً من الماضي: أن نمنح حضورنا معنى، وألا نؤجل كل ما يجعلنا أحياء إلى وقت لا نعرف إن كان سيأتي. فربما لا تكون المأساة أن يأتي يوم يغيب فيه اسمنا عن الألسن، أو تخفت صورتنا في ذاكرة أحد، بل أن نكتشف، ونحن ما زلنا هنا، أننا أمضينا أعمارنا نؤجل الحياة، حتى سبقنا نصفنا الآخر إلى الغياب.
ويبقى السؤال معلقاً في المسافة بين ما نحن عليه وما نظن أننا سنكونه: حين يأتي دور الذاكرة لتروي حكايتنا، فهل ستجد في أيامنا ما يستحق أن يُروى، أم أنها ستبحث طويلاً عن ذلك الإنسان الذي كان ينبغي أن نكونه، ولم نمنحه فرصة الوصول؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دائرة الجبين
- لازلتُ رضيعاً
- نحن أبناء ذواتٍ لم نعرفها: تأملات في الهوية والاستنساخ الإنس ...
- حين شيّعتُ العدل
- في زمن الأقنعة
- نهاية الساعات
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- يكفيك أني أبتسم
- ما تبقّى من الريش
- حين يصبح الغد مؤجّلاً
- الفيضان
- حين كان الرمل وطناً
- اصرخ بوجهي
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- حافة التوقعات
- أحلامٌ مسجاة
- على حافة السقوط
- لا تثق


المزيد.....




- تحليل: مؤشرات التجديد النصفي تبشّر الديمقراطيين.. لكن الحديث ...
- بعد ضربات في الجنوب.. سوريا تعلن إغلاق المعبر الحدودي مع الأ ...
- فيديو انتخابي لنتنياهو: -ترامب يريد فوزي.. وأعداء إسرائيل ير ...
- السبت الأسود: يوم وقفت البشرية على حافة الهاوية النووية
- الدفاع الروسية: توجيه ضربات ليلية للبنية التحتية في كييف وخا ...
- افتتاح مراكز الاقتراع في جميع أنحاء إسرائيل
- كيف يمكن أن تُهزم كييف ولا تنتصر روسيا؟
- خبير عسكري يتحدّث عن الأضرار التي لحقت بالجيش الأوكراني من ق ...
- ابن عم نتنياهو يتخلى عنه.. -لن أصوت لليكود-
- أربعة قتلى وعدد من المصابين إثر عاصفة قوية تضرب أنطاليا التر ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود سلمان عجاج - نصفُنا الذي سبقنا إلى الغياب