أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - دائرة الجبين














المزيد.....

دائرة الجبين


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8870 - 2026 / 10 / 26 - 09:09
المحور: الادب والفن
    


معملٌ يُصنع فيه المعنى قبل أن تُصاغ الملامح، وتُخترع فيه السمات الخَلقية كما تُخترع القوانين. تتوالى الأيام، وتتبدل الأجيال، وتبقى الطبقات على حالها كأنها لم تغادر مواضعها الأولى، كأن الزمن يمرّ فوقها دون أن يمسّها.
طفرةٌ جديدة تُمنح لبعضهم، بينما تُترك شواخص أخرى في أماكنها، كأنها معابر مغلقة لا يمكن تجاوزها، وجدراناً شفافة ترتفع حتى تخترق السحاب.
رجلٌ يقترب من الستين. غزا الشيب رأسه، لكنه يخفيه بصبغاتٍ متكررة كأنه يحاول أن يؤجل الاعتراف بالزمن. يرتدي ثوباً عربياً فاخراً، تتدلّى من نهايته الخلفية أشرطة طويلة يمسك بها رجالٌ يبدون كأنهم امتداد لسلطته أكثر من كونهم مرافقين له.
يغرس فأسه في جذع شجرة عند مدخل البستان، غير أن الصوت القادم لا يشبه صوت الخشب وحده؛ أهازيج، تصفيق، وأصوات هواتف تتداخل كأنها صادرة عن رجالٍ استنفدوا أعمارهم أو اقتربوا من حافة الأفول.
يتوقف. يستمع. ثم يقترب.
يتغير لون وجهه حين يراهم؛ أولئك الذين ظنّ أنهم لم يعودوا قادرين على تحطيم الجبل الجليدي الذي بناه حول صورته القديمة. يحدق أكثر، يتأمل، يحاول أن يمنح المشهد تفسيراً يخفف صدمته. يتساءل في داخله:
هل غادرت عقولهم أماكنها القديمة؟ أم أُعيد تشغيلها بوظيفة جديدة لأن العمر لم يعد يتسع لهم؟ ثم يلمح أحدهم… زميله القديم في الدراسة الإعدادية. لماذا يحمل كل هذه الوجوه الآن؟
يقلب ملفات المعمل الذي لا يُرى إلا في ذهنه، ليجد أسماءهم موزعة كمساحات صغيرة في ذاكرته المتعالية، ثم يواصل سيره حول البستان تحت شمسٍ حادة لا ترحم الظلال .ويحدث نفسه:
"إنه فكرٌ مستمد من اللاوعي، تراكم طبقة فوق طبقة، حتى صار مستنقعاً يتنفس ببطء."
تظهر الوجوه في ذهنه كما لو أنها في طقس احتفالي دائم: حليّ فاخرة، ملامح بيضاء دائرية، ووقار مصطنع. في حضوره فقط يتغير كل شيء؛ يصبح الخطأ صواباً، والنوم يقظة، والموت مجرد شكل آخر من أشكال الرؤية.
ينهكه الحر، فيعود إلى بيته. هناك، يجد صورة ذلك الرجل الذي يراه انعكاساً لسلطته أو خوفه مرسومة على الجدار الخلفي، بوجهٍ أحمر قاتم كأنه مشحون بالدم أو بالذاكرة.
يجد أبناءه في انتظاره، يحدقون فيه بصمتٍ يطلب تفسيراً لا يُقال.
فيقول لهم، مسرعاً وكأنه يهرب من نفسه:
- لم أستطع أن أبوح بكل ما في داخلي… لكني تداركت الأمر في الوقت المناسب، لم أُمسك بتلك الأشرطة معهم، قلت إن يدي كانت تؤلمني.
يبتسم الأبناء، وتمتدّ البهجة في المكان، بينما يبقى ما لم يُقل معلقاً في هواء البستان، كظلّ لا يغادر.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لازلتُ رضيعاً
- نحن أبناء ذواتٍ لم نعرفها: تأملات في الهوية والاستنساخ الإنس ...
- حين شيّعتُ العدل
- في زمن الأقنعة
- نهاية الساعات
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- يكفيك أني أبتسم
- ما تبقّى من الريش
- حين يصبح الغد مؤجّلاً
- الفيضان
- حين كان الرمل وطناً
- اصرخ بوجهي
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- حافة التوقعات
- أحلامٌ مسجاة
- على حافة السقوط
- لا تثق
- بيادر التيه


المزيد.....




- عاصم الشاعر.. فنان فلسطيني يستنطق حجارة البيوت القديمة في نا ...
- هكذا يحيي عاصم الشاعر بيوت فلسطين القديمة
- دعوى بـ41 مليون دولار ضد -أنثروبيك- بسبب أغاني إلفيس بريسلي ...
- مسرح مالي في موسكو.. قرنان من تاريخ الدراما الروسية
- -فرحة العمر-.. سميرة سعيد تزفّ ابنها الوحيد شادي على الطريقة ...
- تركي آل الشيخ يرد على بيان لفناني مصر: كلام غير مستغرب!
- -أمالي فراتية-.. نبش في ذاكرة الهامش وتوثيق لمعاناة السوريين ...
- بعد جدل الاعتذار.. علي الحجار يعود إلى مهرجان الموسيقى العرب ...
- في الحاجة إلى صوت جيل جيلالة
- شخصية الميرزا في رواية -سلسلة النار-.. من بلاط الصفويين إلى ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - دائرة الجبين