أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - تغريبة أب















المزيد.....

تغريبة أب


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 16:00
المحور: الادب والفن
    


تكبر ويكبر معها خيال لصورة رجل تتمنى أن تكون معه على الدوام، يكاد أن يكون حلماً، تعتقد بأن هنالك شيئا حياً ملموساً يشدها بقوة إليه، أن تكون قريبة منه، يبدو بأنه لا يشبهها بملامح الوجه فحسب لكنه يشبهها بشيء يصعب تحديده إنها تبدو نسخة طبق الأصل منه، ترى من يكون ذلك الرجل؟ ثم ما هذا التفكير بهيئته باستمرار ولم تشاهده غير مرة منذ مدة اقلها سنتين أو أكثر من دون أن ينطق ولو بكلمةٍ واحدةٍ؟ ميل واستجابة لتفاعلٍ خفي لا تعرف أسبابه، شرود في الذهن وتأخر في الاستجابة لكل نداء من أفراد أسرتها، تجهم وانطواء.
تسألها أُمها:
- ما بك يا ابنتي، هل أصابك مكروه ما؟
تجيبها على الفور:
- لا يا امي فالأمر عادي جدا، إنما هو موعد الامتحانات النهائية الذي شارف على البداية.
ترقب وعلى الدوام اهتمام والدتها المتزايد بها الذي يفوق اهتمامها بأخويها بأضعافٍ مضاعفة.
- ربما لأني أكبرهم أو لكوني البنت الوحيدة في هذا البيت.. تعتقد ذلك.
تعود من المركز الامتحاني الذي أُعلنت فيه النتائج الامتحانية للدراسة الاعدادية، بعد أن اجتازتها بكلِ جدارةٍ واقتدار على أمل بأن تُؤهلها تلك النتيجة على الأقل في كلياتٍ مرموقةٍ قريبةٍ من مسكنها، تشعر بسعادةٍ غامرة لا توصف، تحث الخطى تتمنى لو تطوى الأرض لتنقل البُشرى لاُمّها التي وقفت بجانبها بكلِ صغيرةٍ وكبيرةٍ، تتوقف فجأة، تصاب بالذهول وكأن شيء قد شل حركتها بالكامل، يسير ذلك الرجل باتجاهها، تتفحصهُ بعجالةٍ بعد أن تقاطعت نظراتهما بل وغارت في بحور عيناه، تعثرت في خطاها وكادت أن تنكب على الأرض لكنها أصلحت حالها ثم طأطأت برأسها وسارت بخطى مرتبكة محاولة الابتعاد عنه ولو بمسافة قليلة، تشم رائحة عطره الزكية، يحمل حقيبة يدوية ويرتدي بزة أنيقة جداً، تشعر ومن خلال مرورها بالقرب منه بأنه قد توقف تماما عن الحركة وأخذ يتفحصها من رأسها حتى أخمص قدميها.
- يا إلَهِي من يكون هذا الرجل الذي استطاع وبلا أدنى كلمة منه أن يشدني إليه؟ ما السحر الخفي الذي يمتلكه؟ يدور في ذهنها.
تصل البيت ليس كعادتها، تذهب على الفور إلى غرفتها الخاصة، تلقي بنفسها على السرير بكامل ملابسها، تغمض عينيها، تتخيل صورته أنه يقف أمامها.
تسألها الأم:
- كيف حال نتيجتك يا أبنتي؟.
- تكتفي بإجابة مختصرة.. بخير..
أحسّت الوالدة بوجود شيء ما يعكر مزاجها أو قد تكون درجاتها أقل مما كانت تتوقع.
لكنها تعلم بتفوقها طيلة سنين دراستها، لم تخيب ظنهم فيها قط.
تجلس على السرير بالقرب منها وأخذت تلامس خصلات شعرها المذّهبة الطويلة بعد أن قبلتها على جبينها وبدأت تتفحص ملامح وجهها الذي تبدو عليه علامات التعب والذبول.
- يا أبنتي قلب الأم دليل قوي كما يقال، أفلا تقولي ما بك ولا تخفي عني شيئا؟
هل وقعتِ في الهوى يا ابنتي؟
- لا.. لا يا أمي لا هذا ولا ذاك، لا تبتعدي كثيراً في تفكيرك، لكني أرى وكأن خيال رجل معي هنا في الغرفة يراقبني منذ زمن بعيد، يقترب مني ويمازحني بل ويشدني إليه.
- دعك من هذه الأوهام.
- كنت أعتقد يا أمي بأنها أوهام فحسب، لكني اليوم بالتحديد رأيته على أرض الواقع يقترب مني، يشدني بعاطفة ما إليه.
- لكن ألا تصفين لي ذلك الرجل؟
- اُمي قد تضحكين مني لكني أراه قريباً جداً من ملامحي.
تضطربُ الأُم اضطراباً شديداً بشكلٍ واضحٍ، لكنها تداركت الموقف بسرعة لتقول:
- ربما يكون أحد من أقربائك أو أنه إعجاب مراهقة وحسب. لا أعلم، تخرج مسرعة.
تتكرر حالات اللقاءات الخاطفة من خلال تقاطع النظرات وربما التوقف من دون كلام، ثم الانصراف.
تدخل أروقة الجامعة لأول مرة بعد قبولها بكلية مرموقة، مبتهجة عازمة على أن تكون بنفس العطاء على الدوام، تعلم بأن أجواء الجامعة تختلف تماماً عمّا سبقها لكنها ستحاول أن تكون في المقدمة كما تعود الأهل على ذلك، حياءٌ شديدٌ مفرطٌ يزيد من وقع اُنوثتها في النفوس، تذهب إلى مكتب التسجيل في الكلية وهي تحمل كامل الأوراق الثبوتية، غرفةٌ كبيرةٌ فيها عدد من المناضد موزعة بمجاورة الجدران من جميع الجهات يجلس خلفها موظفين منكبين على كتابة المعلومات اللازمة من الطلبة الجدد المنتشرين في اروقة الغرفة الواسعة، تنظر إلى المكان بشيء من الاستطلاع، تحاول الاستفسار من إحدى الطالبات التي بقربها والتي يبدو عليها بأنها قد أكملت كل ما مطلوب، تسألها عن كيفية التسجيل وما هي الأوراق الثبوتية المطلوبة.
تُكمل إجراءات التسجيل، تأخذ قصاصة خاصة لتدخل فيها إلى المحاضرة الأولى، حياءٌ وهواجس وتردد.
- ماذا سأقول؟ كيف ابدأ بالكلام؟ تدور في مخيلتها تلك الأسئلة وهي تسير بخطى مرتبكة.
تطرق باب القاعة، تسمع صوت يأذن بالدخول.
- صباح الخير.
تتفاجأ بأنه هو نفس الرجل الذي يشغل تفكيرها، يرفع رأسه وكأنه يعرف الصوت منذ زمن بعيد، يرد التحية، لم يبد انفعالاً خاصاً أمامها وأكتفى بأن يطيل النظر فيها ثم أخذ ينطوي على نفسه خافضاً رأسه ومحركاً إياه إلى الأعلى وإلى الأسفل بشكلٍ متكرر.
يواصل المحاضرة ثم يتوقف.
- قبل يومين فقط تم التعارف بين زملائك الطلبة الجدد، كلٌ قد قدّم نبذة مختصرة عن نفسه، فهل يمكننا التعرف عليكِ عذراً؟.
- أنا فلانة ابنة فلان، أقطن في الحي الجديد خلف الشارع الرئيسي القريب من مدينة الألعاب مع والدتي التي ضحت من أجلنا وأخوتي الذين هم أصغر مني عمراً.
- عذرا لكنك لم تذكري عن حالة اسرتك، هل الوالد على قيد الحياة مثلا؟
- الوالد على قيد الحياة كما يُقال، فهو يعمل أُستاذاً جامعياً في إحدى الكليات، لكني أنا شخصياً لم ألتقِ به فلقد خرج منذ أكثر من عقد ونصف بداعي العلاج إلى العاصمة، فتوالت الأيام وتلاهثت الساعات وارتدت ورود حديقتنا الحزن، إنتظرنا وانتظرنا على أمل عودة مرجوة ليعيد جزء من البسمة إلى الشفاه المتعطشة إلى ذلك لكن من دون جدوى، بعد سنين عدة تواردت الأخبار عنه، إذ كوّن أُسرة أُخرى ولم يعد إلينا إلى الآن ليخفف بعض ما أصابنا من أحزان من جراء ذلك الفراق الطويل، لا زلتُ احتفظ له بصورة قديمة مشوشة في ذهني.
- يصيح كفاك، كفاك، حسبك، أمام دهشة الجميع ووقع القلم من يده وغطى عينيه بيديه وأخذ جسمه يهتز بشكل ارتجاجي وأجهش في البكاء.
أنا أبوك يا ابنتي، أنا أبوك المقصر في حقك.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نصفُنا الذي سبقنا إلى الغياب
- دائرة الجبين
- لازلتُ رضيعاً
- نحن أبناء ذواتٍ لم نعرفها: تأملات في الهوية والاستنساخ الإنس ...
- حين شيّعتُ العدل
- في زمن الأقنعة
- نهاية الساعات
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- ما وراء الصورة الشعرية: تأملات في تشكّل المعنى وجماليات التل ...
- يكفيك أني أبتسم
- ما تبقّى من الريش
- حين يصبح الغد مؤجّلاً
- الفيضان
- حين كان الرمل وطناً
- اصرخ بوجهي
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- جمال نوري: الكتابة بوصفها تحرّشاً بالحقيقة ومراوغةً للحياة؛ ...
- حافة التوقعات
- أحلامٌ مسجاة
- على حافة السقوط


المزيد.....




- مآسي الحرب الأهلية السريلانكية في ترجمة عربية لرواية «أقمار ...
- -قوارب تلوح من الأفق البعيد-.. متاحف قطر تروي رحلة الخزف الص ...
- أحمد سعد يفقد صوته قبل إطلاق ألبومه -الموسيقى العربية-
- الإنتاج السينمائي التونسي:-بكمة- و-ويك إند-.. فيلما رعب ينال ...
- فرنسا: شخصيات من عالم الثقافة والرياضة توقع عريضة مناهضة للع ...
- ماكلمور يطلق جولة -الحرية لفلسطين- بعد استبعاده من حفلات إد ...
- موسكو تكشف تفاصيل مشروع المبنى الجديد للسيرك الكبير
- مركز -عدالة- في إسرائيل: نقص في أوراق الاقتراع باللغة العربي ...
- -حين تنطق أخشاب البيوت القديمة-.. متاحف قطر تحول ذكريات الأج ...
- -الحرية لفلسطين-... جولة جديدة لمغني الراب الأمريكي ماكلمور ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - تغريبة أب