حامد الضبياني
الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 12:01
المحور:
قضايا ثقافية
يستطيع الفنان العراقي أن يمنح شعباً كاملاً لحظة فرح، وأن يجعل من أغنية ذاكرة وطن، ومن لوحة حكاية مدينة، ومن مشهد مسرحي مرآة لوجع الإنسان، لكنه قد يعجز، بعد كل تلك السنوات من العطاء، عن تأمين حياة تحفظ كرامته وتمنحه الطمأنينة التي يستحقها. هنا تبدأ المفارقة العراقية الأكثر إيلاماً؛ إنسان يمنح الآخرين أسباباً للحياة، بينما يتركه الواقع يصارع أعباءها وحيداً، ومبدع يصنع الجمال في زمن القسوة، لكنه لا يجد دائماً من يحمي جمال روحه من الانكسار.الفنان العراقي ليس اسماً عابراً على شاشة، ولا صوتاً يرتفع في حفلة، ولا وجهاً تضيئه الكاميرات ثم تطفئه عند انتهاء المناسبة. إنه جزء من ذاكرة العراق، ومن تاريخ مدنه وأزقته ومقاهيه ومسارحه، ومن حكايات الناس الذين وجدوا في الأغنية عزاءً، وفي المسرح وعياً، وفي اللوحة نافذة على عالم أكثر اتساعاً من ضيق الحياة اليومية. الفنانون الذين حملوا العراق في أصواتهم وأعمالهم لم يقدموا ترفاً زائداً عن حاجة المجتمع، بل ساهموا في تشكيل وجدانه، وحفظوا ملامح أجيال، ووثقوا أحزاناً وأفراحاً لا تستطيع الوثائق الرسمية وحدها الاحتفاظ بحرارتها الإنسانية.لكن السؤال الذي يستحق أن يواجهه المجتمع العراقي بجرأة هو: لماذا ينتهي كثير من الاحتفاء بالفنان عند حدود التصفيق، بينما تبدأ معاناته الحقيقية خارج قاعات التكريم؟ لماذا نرفع صور المبدعين في المناسبات، ثم نترك قضاياهم المهنية والاجتماعية والصحية تنتظر أبواباً قد لا تُفتح؟ ولماذا تبدو الذاكرة الثقافية في بعض الأحيان شديدة الحماسة للاحتفال بالماضي، وأقل استعداداً لتحمل مسؤولية الحاضر؟ إن التصفيق فعل عاطفي سريع، أما حماية الفنان فمسؤولية تحتاج إلى قوانين عادلة ومؤسسات فاعلة ووعي اجتماعي لا يتغير بتغير المواسم.لقد مر العراق بتحولات قاسية تركت آثارها على مختلف مناحي الحياة، وكان الوسط الفني واحداً من المجالات التي واجهت تحديات كبيرة، من اضطراب الأوضاع الاقتصادية والأمنية إلى ضعف بعض البنى الإنتاجية والثقافية، ومن محدودية فرص العمل المستقر إلى صعوبة المحافظة على الحقوق المهنية. ومع ذلك، واصل فنانون كثيرون عملهم، وأنتجوا وغنوا ومثلوا ورسموا وكتبوا، وكأنهم يصرون على أن الحياة تستطيع أن تستعيد صوتها حتى عندما تتكاثر أسباب الصمت. غير أن استمرار الفنان في العطاء لا يعني أن معاناته مقبولة، ولا أن صبره يمكن أن يتحول إلى مبرر لتأجيل حقوقه، فالموهبة ليست تعويضاً عن غياب الرعاية، والإبداع لا ينبغي أن يصبح امتحاناً يومياً لقدرة الإنسان على احتمال الفقر والقلق والإهمال.المشكلة لا تكمن في غياب المواهب العراقية، فالعراق غني بتجارب فنية متنوعة، ولا تكمن في افتقار المجتمع إلى محبة الفن، إذ ما زالت الأغنية العراقية حاضرة في الوجدان، وما زالت أسماء فنية كثيرة تستدعي الحنين والاحترام. المشكلة الأعمق تظهر عندما تتحول هذه المحبة إلى مشاعر لا تسندها سياسات ثقافية مستدامة، وعندما يُترك الفنان لمواجهة سوق متقلبة، أو مؤسسات محدودة الإمكانات، أو فرص لا تتكافأ فيها الموهبة دائماً مع القدرة على الوصول والانتشار. فالمحبة التي لا تتحول إلى موقف عملي تبقى شعوراً جميلاً، لكنها لا تسدد أجرة بيت، ولا توفر علاجاً، ولا تضمن حقاً مهنياً، ولا تحفظ عملاً من الضياع.والفنان العراقي لا يريد من وطنه أن يمنحه امتيازاً على حساب الآخرين، ولا أن يتحول إلى صاحب حصانة تمنعه من النقد والمساءلة، بل يريد ميزاناً عادلاً يضع الموهبة في مكانها، ويحفظ حقوق العاملين في الحقول الفنية، ويمنح المستحقين فرصاً حقيقية بعيداً عن المحسوبية والمجاملات. يريد أن تكون المسابقة الفنية منافسة في الإبداع، وأن يكون التكريم اعترافاً بعمل حقيقي، وأن تُدار المؤسسات الثقافية وفق معايير واضحة، وأن يجد الفنان الشاب باباً يدخل منه إلى الحياة المهنية دون أن يضطر إلى البحث عن واسطة أو تقديم تنازلات لا تشبه قناعاته. إن العدالة الفنية لا تعني أن يصبح الجميع مشهورين، بل أن تتاح للجميع فرصة عادلة لإظهار قدراتهم، وأن يُقاس النجاح بقيمة العمل وأثره، لا بقرب صاحبه من أصحاب النفوذ.ومن أكثر ما يؤلم في علاقة المجتمع بمبدعيه أن الفنان قد يحظى باهتمام واسع عندما يحقق نجاحاً كبيراً، أو عندما يتعرض لوعكة صحية، أو عندما يقترب من الرحيل، فتتدفق كلمات المحبة والثناء، وتظهر الصور القديمة، وتُستعاد المواقف والإنجازات، ويكتشف الجميع فجأة أن هذا الإنسان كان يستحق التقدير منذ سنوات. لكن الوفاء الحقيقي لا يحتاج إلى انتظار المرض، ولا ينبغي أن يصبح الموت مناسبة لاكتشاف قيمة من عاش بيننا. إن أجمل تكريم يمكن أن يُمنح للفنان هو أن يجد من يسأل عن حاجاته وهو قادر على العمل، وأن يرى أعماله محفوظة وموثقة، وأن يشعر بأن المجتمع لا يختصر تاريخه في خبر نعي، ولا يحول سنوات عطائه إلى كلمات مؤثرة تُنسى بعد أيام.وهنا تتجلى مسؤولية الإعلام العراقي، فهو ليس مجرد ناقل للأخبار الفنية أو صانع للمقابلات العابرة، بل شريك في بناء الذاكرة العامة. عندما يلاحق الإعلام فضائح المشاهير أكثر مما يتابع منجزاتهم، ويمنح مساحة واسعة للضجيج مقابل مساحة ضيقة للتجارب الجادة، فإنه يساهم، من حيث يدري أو لا يدري، في تشويه ميزان الاهتمام الثقافي. وعندما يتذكر الفنان الراحل ولا يتابع الفنان الحي، فإنه يحول الوفاء إلى استجابة متأخرة. المطلوب إعلام يفتح ملف الحقوق، ويوثق التجارب، ويستعيد تاريخ الرواد، ويناقش مشكلات الإنتاج، ويمنح المواهب الجديدة مساحة تستحقها، ويقدم للجمهور نقداً يحترم الفن من دون أن يحوله إلى منطقة محرمة على السؤال والمراجعة.أما المؤسسات الثقافية، فمسؤوليتها تتجاوز تنظيم المهرجانات وتوزيع الدروع والشهادات. المهرجان قد يمنح الفنان لحظة اعتزاز، لكنه لا يستطيع وحده بناء مستقبل مهني مستقر. والدرع قد يخلد مناسبة، لكنه لا يعوض غياب التوثيق ولا يعالج ضعف البنية الإنتاجية. لذلك يحتاج العراق إلى مشروع ثقافي طويل النفس، يدعم المسارح ودور العرض وقاعات الفنون، ويطور التعليم الفني، ويحفظ الأرشيفات والأعمال الأصلية، ويشجع الإنتاج المستقل، ويوفر آليات شفافة للمنح والتكريم، ويعزز الحماية الاجتماعية والمهنية للعاملين في القطاع الفني وفق القانون والإمكانات المتاحة. إن الاستثمار في الفن ليس إنفاقاً على الترف، بل استثمار في الإنسان وفي قدرة المجتمع على فهم نفسه والتعبير عن آلامه وأحلامه.ولا يمكن إغفال مسؤولية الفنان نفسه، فالإبداع يحتاج إلى الحرية، لكنه يحتاج أيضاً إلى المهنية والانضباط واحترام الجمهور، كما يحتاج الوسط الفني إلى نقد داخلي يواجه الأخطاء ولا يغطيها بالمجاملات. فالدفاع عن حقوق الفنان لا يعني الدفاع عن كل عمل يقدم باسمه، ولا يعني أن الشهرة تمنح صاحبها حقاً دائماً في الإعجاب. إن الفن الحقيقي يتسع للاختلاف والمساءلة، ويقوى بالنقد الصادق، ويضع قيمة الإنسان فوق المصالح الضيقة. وعندما تتضافر مسؤولية الفنان مع مسؤولية المؤسسة والإعلام والجمهور، يصبح بالإمكان بناء بيئة أكثر عدلاً، تحمي الإبداع من الاستغلال، وتحمي النقد من الابتزاز، وتحمي الثقافة من التحول إلى سوق للعلاقات الشخصية.إن أخطر ما يمكن أن يحدث للفن العراقي ليس أن يقل عدد المهرجانات أو أن تتراجع بعض الأعمال، بل أن يفقد المبدع إيمانه بجدوى الاستمرار، وأن يشعر الشاب الموهوب بأن الطريق إلى النجاح لا يمر عبر جودة عمله، بل عبر أبواب لا يستطيع الوصول إليها. عندها لا نخسر فناناً واحداً، بل نخسر أعمالاً لم تُنجز، وأصواتاً لم تجد طريقها إلى الجمهور، وتجارب كان يمكن أن تضيف إلى الثقافة العراقية فصلاً جديداً. فالموهبة التي تُهمَّش لا تختفي دائماً بصوت مرتفع؛ قد تنسحب بهدوء، وقد تغير اختصاصها، وقد تغادر البلاد، وقد تواصل حياتها وهي تحمل في داخلها سؤالاً مريراً عن جدوى كل ما حلمت به.ولأن العراق يمتلك تاريخاً فنياً وثقافياً عريقاً، فإن مسؤوليته اليوم ليست الاكتفاء باستعادة أمجاد الماضي، بل تحويل ذلك التاريخ إلى قوة تدفع نحو المستقبل. نحن بحاجة إلى توثيق منصف لتجارب الفنانين، وإلى أرشيف وطني يحفظ الأعمال والصور والتسجيلات والوثائق، وإلى دراسات جادة تضع كل تجربة في سياقها التاريخي والفني، وإلى برامج تتيح للأجيال الجديدة التعرف على روادها بعيداً عن التقديس أو الإهمال. فالذاكرة التي لا تُصان تتحول إلى روايات متفرقة، والتاريخ الذي لا يُوثق يصبح عرضة للنسيان والتشويه، والفنان الذي لا يجد مكاناً في ذاكرة وطنه قد يجد نفسه غريباً حتى عن إنجازه.إن العراق الذي يريد أن يستعيد عافيته الثقافية عليه أن يفهم أن الفنان ليس ضيفاً على الوطن، بل أحد الذين يسهمون في صناعة صورته أمام أبنائه والعالم. الفنان ليس بديلاً عن الطبيب أو المعلم أو العامل، ولا ينبغي وضع حقوقه في مواجهة حقوق بقية المواطنين؛ فجميعهم يستحقون الكرامة والحماية والفرصة العادلة. لكن خصوصية العمل الفني تفرض فهماً لطبيعته، ولمخاطره المهنية والاقتصادية، ولحاجته إلى بيئة تسمح بالتجريب والاختلاف والإنتاج. ومن هنا تبدأ مسؤولية الدولة والمجتمع: أن يكون الدعم قائماً على معايير عادلة، وأن تخضع المؤسسات للمساءلة، وأن تصل الموارد إلى مستحقيها، وأن تكون الثقافة جزءاً أصيلاً من خطط التنمية، لا بنداً مؤجلاً كلما ازدحمت الملفات السياسية والاقتصادية.الفنان العراقي لا يحتاج إلى وطن يتذكره عند المرض، ولا إلى جمهور يصفق له ثم يتركه وحيداً أمام أعباء الحياة، ولا إلى مسؤول يضع اسمه في قائمة المكرمين ثم يغلق ملفه. إنه يحتاج إلى وطن يرى فيه إنساناً قبل أن يرى فيه نجماً، ويحترم حقه قبل أن يحتفي بصورته، ويمنحه فرصة عادلة قبل أن يطالبه بالمزيد من العطاء. يحتاج إلى مجتمع يعرف أن الكرامة لا تُمنح بعد الموت، وأن الوفاء لا يُقاس بطول كلمات الرثاء، بل بما يفعله الناس والمؤسسات لحماية الإنسان وهو بين أيديهم.وإذا كان التصفيق تعبيراً عن المحبة، فإن الحماية تعبير عن المسؤولية، وإذا كانت الكلمات تستطيع أن ترفع الفنان لحظات، فإن العدالة وحدها تستطيع أن تسنده سنوات. ولهذا ينبغي أن يتوقف العراق عن الاكتفاء بالسؤال عن قيمة الفنان بعد رحيله، وأن يبدأ بالسؤال عن حقوقه وهو حي، وعن فرصه وهو يعمل، وعن كرامته وهو يواجه الحياة. عندها فقط يصبح الاحتفاء بالثقافة موقفاً حقيقياً، ويتحول التصفيق من صوت ينتهي بانتهاء الحفل إلى اعتراف مستمر بحق المبدع في حياة كريمة.
فالوطن الذي يصفق لفنانه ولا يحميه يظل مديناً له، مهما ارتفعت أصوات الجماهير، ومهما ازدانت القاعات بصوره. أما الوطن الذي يحفظ كرامة مبدعيه، ويصون أعمالهم، ويفتح الطريق أمام مواهبهم، فإنه لا يحمي أفراداً فحسب، بل يحمي ذاكرته وهويته وقدرته على البقاء حياً في وجدان الأجيال. إن الفنان العراقي لا يريد وطناً يصفق له أكثر، بل وطناً يخذله أقل، وينصفه أكثر، ويعرف أن حماية المبدع ليست منّة من أحد، وإنما حق إنساني وثقافي، وواجب لا يكتمل معنى الانتماء من دونه.
#حامد_الضبياني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟