|
|
مَاذَا سَيَكْتُبُ التَّارِيخُ عَنِ الْعِرَاقِ بَعْدَ أَلْفِ عَامٍ؟ .
حامد الضبياني
الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 16:25
المحور:
قضايا ثقافية
سيأتي يومٌ لا نعرف من أي جهةٍ سيطلع فيه قارئٌ بعيد، ربما بعد ألف عام، فيفتح سجلاً قديماً اسمه العراق، ويقلب صفحاته بفضول من يبحث عن حضارةٍ عظيمة، فيقرأ عن أرضٍ اخترعت الكتابة قبل أن يعرف العالم كيف يحفظ ذاكرته، وعن إنسانٍ نقش على الطين ما أراد للزمن ألا يسرقه، وعن مدنٍ شُيدت حين كانت أممٌ أخرى لا تزال تتلمس طريقها في الظلام، وعن سومر وأكد وبابل وآشور، وعن القيثارة السومرية وهي تعزف في حضرة التاريخ كأنها تقول للبشر: هنا بدأ الإنسان يكتب ويغني ويبني ويحسب؛ ثم يواصل القارئ رحلته فيجد بغداد، فيجد بيت الحكمة، والكتب والمترجمين والعلماء والأطباء والفلكيين والرياضيين والشعراء، ويقرأ عن الرشيد والمأمون والمعتصم، وعن عصرٍ كان الكتاب فيه أثمن من الذهب، والعالم أرفع من صاحب الجاه، ثم يصل إلى العصر الحديث، فيتوقف فجأة، ويضع يده على رأسه، ويسأل السؤال الذي أخشاه أكثر من الموت: ماذا فعل هؤلاء بكل ذلك الإرث؟ربما سيظن في البداية أن المخطوطة ناقصة، وأن الصفحات سقطت من الكتاب، وأن أمين المكتبة أخطأ في ترتيبها، لأن العقل الذي قرأ عن العراق الأول سيجد نفسه أمام عراقٍ آخر؛ عراقٍ يملك النفط ولا يملك أحياناً ما يكفي من الكهرباء، ويملك الأنهار ولا يستطيع دائماً أن يمنح مواطنه ماءً يليق بكرامة الإنسان، ويملك الجامعات لكن كثيراً من شبابه يبحثون عن بابٍ للهجرة، ويملك الثروة لكن الفقير فيه يقف أمام الحياة كما يقف رجلٌ أعزل أمام جيش، ويملك تاريخاً يجعل أمماً كاملةً تحسد صفحاته، ثم يعجز في بعض شوارعه عن إقناع حفرةٍ بأن تتراجع خطوةً احتراماً للمواطن؛ وسيضحك المؤرخ القادم ضحكةً لا نعرف إن كانت ضحكة دهشة أم بكاء، حين يكتشف أن البلد الذي علّم الإنسان الحساب ظل في بعض عصوره عاجزاً عن إجراء أبسط عملية حسابية: كم أخذت الدولة من المواطن، وكم أعطته؟سيقرأ أن السومري كتب على الطين كي لا تضيع الحقيقة، ثم سيقرأ أننا في زمننا كتبنا على الورق والهواتف والشاشات، ومع ذلك ضاعت الحقيقة بين التصريحات والبيانات والوعود، وكأننا اخترعنا الكتابة من جديد لا لحفظ التاريخ، بل لإخفاء الواقع؛ السومري كان يكتب ما حدث، ونحن أحياناً نكتب ما نتمنى أن يصدق الناس أنه حدث، وبين الاثنين مسافةٌ تكفي لمرور ألف كذبة سياسية. ولعل المؤرخ سيقول ساخراً: كان أسلافهم ينقشون الحقيقة على لوحٍ من طين، أما أحفادهم فنقشوها على الماء!وسيقرأ عن القيثارة السومرية، فيبحث عن موسيقى العراق، وسيقرأ عن الشعراء، فيبحث عن الشعر، وعن العلماء، فيبحث عن العلم، وعن الصناع، فيبحث عن الصناعة، وعن المهندسين، فيبحث عن المدن التي تشبه أحلامهم، ثم يكتشف أن الثقافة التي كانت تصنع الحضارة صارت في بعض المشاهد تُستدعى لتزيين الاحتفالات، وأن المثقف قد يجد نفسه في آخر الصف، بينما يتقدم إلى المنصة من لا يملك من الثقافة إلا بطاقة دعوة، وأن الإعلام الذي يفترض أن يكون مرآةً للمجتمع صار أحياناً مرآةً مكسورة؛ كل قطعةٍ منها تعكس وجهاً مختلفاً، وأن الصحافة التي ولدت لتسأل: لماذا؟ صارت في بعض مساحاتها منشغلةً بسؤالٍ أكثر ربحاً: من يدفع؟ يا لها من مفارقةٍ تصلح لأن تكون نكتةً سوداء في كتاب التاريخ: بلدٌ خرج منه الشعراء الذين جعلوا اللغة سيفاً، ثم يأتي زمنٌ يصبح فيه بعض أصحاب المنابر عاجزين عن قول جملةٍ حرة خوفاً من صاحب منصب، وبلدٌ أنجب المتنبي الذي قال: «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»، فإذا بنا نعيش زمناً صار فيه قدر بعض أهل العزم لا يتجاوز حجم الكرسي الذي يجلسون عليه؛ وبلدٌ أنجب الجواهري الذي جعل القصيدة موقفاً، والسياب الذي جعل الألم مطراً، ونازك الملائكة التي فتحت للقصيدة العربية باباً جديداً، والرصافي الذي لم يكن يكتب ليصفق له أحد، ثم يأتي زمانٌ يصبح فيه بعض الشعراء محتاجين إلى رضا الموظف الثقافي أكثر من حاجتهم إلى رضا القصيدة نفسها.وسيسأل المؤرخ: أين ذهب العلماء؟ وسنضطر إلى شرح شيءٍ غريب عليه: أن بلداً أنجب أطباء ومهندسين ومفكرين وأساتذة وباحثين، عانى طويلاً من هجرة الكفاءات، وأن كثيراً من العقول التي كان يمكن أن تبني مختبراً أو مصنعاً أو جامعةً غادرت تبحث عن مكانٍ لا تضطر فيه إلى تحويل كفاءتها إلى واسطة. وسيقرأ أن العالم العراقي كان يستطيع أن يكون ثروةً وطنية، فإذا به في بعض المراحل يتحول إلى مسافرٍ يحمل شهادته في حقيبته، وأن العراق كان يصدر النفط ويستورد أحياناً من يفكر له، وهذه وحدها جملةٌ لو قرأها أفلاطون لربما أغلق كتاب الجمهورية وقال: لقد تعب العقل من هذه الجمهورية. وسيقرأ عن المصانع العراقية التي كان يمكن أن تكون عصباً اقتصادياً، وعن الصناعة التي كان ينبغي أن تمنح الشباب عملاً وكرامةً وإنتاجاً، ثم سيجد أن بلداً بهذه الثروات لم ينجح دائماً في بناء قاعدةٍ صناعيةٍ تحمي اقتصاده من الاعتماد على الخارج، وسيقف أمام مصنعٍ صامتٍ كأنه قبرٌ واسع، ويسأل: من قتل الآلة؟ ولن تجيبه الآلة، لأن الحديد لا يتكلم، لكن الغبار فوقها سيقول له: كان هنا عراقٌ يريد أن يصنع، ثم جاء من أقنعه أن الاستيراد أسهل من الإنتاج، وأن العمولة أسرع من المصنع، وأن الصفقة أذكى من العامل.وسيجد في سجلاتنا كلمةً أصبحت من أكثر الكلمات حضوراً في الحياة اليومية: المقاولة؛ وسيحتاج المؤرخ بعد ألف عام إلى قاموسٍ خاص كي يفهم كيف تحولت بعض المشروعات من وسيلةٍ لبناء الوطن إلى بابٍ واسعٍ للصراع على المال والنفوذ، وسيقرأ عن مشاريع بدأت ولم تنتهِ، وعن أموالٍ خُصصت، وعن أرقامٍ أعلنت، وعن أحجارٍ وضعت، ثم اختفى المشروع كما تختفي الحقيقة حين تدخل غرفةً لا نوافذ فيها. وسيقول المؤرخ: يبدو أن هؤلاء كانوا يبنون المستقبل بالطابوق في النهار، وبالفتحات في الحسابات ليلاً.أما السياسة، فستكون أكثر الفصول إثارةً للدهشة؛ سيجد أحزاباً وتحالفاتٍ وانتخاباتٍ وشعاراتٍ وبرامج، وسيجد مواطناً يذهب إلى صندوق الاقتراع حاملاً أملاً، ثم يعود إلى بيته حاملاً السؤال نفسه، وسيقرأ عن نوابٍ يفترض أن يكونوا صوت الشعب، وعن صراعٍ طويل على المناصب والامتيازات، وعن أناسٍ لا يملكون في نهاية الشهر ثمن دوائهم، بينما تُناقش فوق رؤوسهم أرقامٌ لا يستطيعون حتى نطقها. وربما سيكتب المؤرخ في الهامش: كان الشعب ينتخب من يمثله، ثم صار يبحث عمن يمثل ألمه.وسيقف طويلاً أمام ظاهرةٍ عراقيةٍ لا تحتاج إلى مترجم: المواطن الذي يصفق لمن يشتكي منه. وسيقول: كيف يحدث هذا؟ وسيشرح له التاريخ أن الفقر والخوف والتعب والاعتماد على الوظيفة والحاجة إلى الدولة والخوف من المجهول قد تجعل الإنسان يصفق أحياناً لمن لا يستحق التصفيق، ليس حباً به، بل خوفاً من البديل، حتى أصبح التصفيق في بعض المشاهد أشبه بإجراءٍ بيروقراطي؛ تصفق أولاً، ثم تفكر لاحقاً، وإذا بقي لديك وقتٌ فابحث عن وطنك.وسيقرأ عن شوارعنا، فيبحث عن المدن التي كان يمكن أن تكون امتداداً حضارياً لبابل وبغداد، فيجد طرقاً متعبةً وحفراً ومجاري متعثرةً وأحياءً تكافح مع الخدمات، فيقول: أيعقل أن تكون هذه الأرض نفسها التي بنت المدن الأولى؟ وسيجيبه العراقي البسيط: نعم، لكنها اليوم تحتاج إلى واسطةٍ كي تصل إليها خدمةٌ من حقها أن تصل بلا واسطة. وهنا سيعرف المؤرخ أن المشكلة لم تكن في التراب، فالتراب العراقي لم يتغير، وإنما تغيرت علاقة الإنسان بالدولة.وسيجد أن العراقي كان يذهب إلى المستشفى وهو يحمل مرضه وقلقه ومحفظته، وأن بعض الأسر كانت تواجه أسعار العلاج بمدخولٍ لا يكفي الطعام، وأن الصحة التي ينبغي أن تكون حقاً أصبحت في بعض الحالات معركةً مع القدرة المالية، وسيقرأ عن الأم التي تسهر قرب طفلها، وعن الأب الذي يخفي وجعه كي لا يخيف أسرته، وعن المريض الذي يبحث عن دواءٍ قبل أن يبحث عن تشخيص، ثم سيعود إلى صفحات العراق القديم فيجد أن أطباءه القدماء كانوا يتركون وصفاتهم للأجيال، فيتساءل: كيف استطاع الذين كتبوا الطب على ألواح الطين أن يتركوا لنا علماً، ولم نستطع نحن أن نترك لكل مريضٍ حقه في العلاج؟ثم سيصل إلى الأطفال، وهناك لن تنفع السخرية كثيراً؛ لأن الطفل الذي يحمل علبةً يجمع بها ما يمكن بيعه ليس مادةً للضحك، وإنما صفعةٌ على وجه الدولة. الطفل الذي ينبغي أن يحمل كتاباً يحمل كيساً، والذي ينبغي أن يتعلم جدول الضرب يتعلم أسعار الخبز، والذي ينبغي أن يسأل معلمه عن النجوم يسأل المارة عن نقودٍ تسد جوعه. وحين يجد المؤرخ صورة طفلٍ عراقيٍ يتسول في شارعٍ بجوار بنايةٍ فخمة، سيفهم أن أعظم فضيحةٍ ليست أن يكون هناك فقير، وإنما أن يمر الغني بجانب فقره كل يوم حتى يصبح الفقر جزءاً من ديكور المدينة.وسيقرأ عن الأمهات اللواتي بقين يبحثن عن أبنائهن المغيبين، عن صورٍ علقت على الجدران، عن أسماءٍ لم تجد أجساداً، وعن قبورٍ لم تعرف أصحابها، وعن عائلاتٍ لم تحصل على إجابةٍ شافية، وسيعرف أن الوطن الذي لا يستطيع أن يجيب أمّاً عن مصير ولدها يحمل في قلبه جرحاً أكبر من كل الشعارات. فالأم لا تريد بياناً سياسياً، ولا خطاباً تلفزيونياً، ولا مؤتمراً صحفياً؛ تريد ابنها، أو تريد الحقيقة، والحقيقة وحدها أحياناً أرحم من ألف وعد. وسيجد في صفحاتنا أيضاً فصولاً عن العنف والسلاح والجريمة والخطف والإرهاب والفساد، وسيعرف أن العراقيين دفعوا ثمناً باهظاً من دمائهم، وأن سنواتٍ طويلةً جعلت الموت قريباً من البيت، وأن عائلاتٍ كثيرةً لم تعد تخاف على ممتلكاتها فقط، بل على أبنائها. وسيجد كيف أصبح السلاح في مراحل مختلفةٍ جزءاً من المشهد العام، وكيف يمكن للدولة أن تفقد هيبتها حين يشعر المواطن أن القانون ليس أقوى من البندقية، وعندها سيكتب المؤرخ جملةً لا تحتاج إلى شرح: حين تتعدد البنادق، يصبح الوطن هو الرصاصة التي لا يعرف أحد إلى أين ستذهب.وسيقرأ عن التدخلات الخارجية، وعن العراق الذي صار في مراحل كثيرةٍ ساحةً تتقاطع فيها مصالح الآخرين، وعن دولٍ كبرى وإقليميةٍ أرادت من العراق ما يخدم حساباتها، وسيقرأ عن الولايات المتحدة وإيران وغيرهما، لكنه سيجد أيضاً أن المسؤولية لا يجوز أن تُرمى كلها على الخارج؛ فالأجنبي لا يدخل من بابٍ مغلق، وإنما يبحث عن بابٍ فتحه أهله، والسيادة لا تُستعاد بالشعارات وإنما بدولةٍ قويةٍ عادلةٍ لا تسمح بأن يتحول وطنها إلى طاولةٍ يجلس حولها الآخرون ويقررون أين يضع العراقي كرسيه.وسيجد أن بعض الناس يتحدثون عن العراق وكأنه ملكٌ خاص، مع أن العراق لا يملك صك ملكيةٍ شخصياً لأحد؛ لا لحزب، ولا لطائفة، ولا لعشيرة، ولا لزعيم، ولا لدولةٍ خارج حدوده. العراق أكبر من الجميع، ومن يظن نفسه أكبر من العراق سيكتشف متأخراً أن التاريخ يدفن الجبابرة في حفرةٍ صغيرة، بينما يضع الأوطان في كتبٍ لا تنتهي.أما الثقافة، فستكون الفاجعة الأكثر هدوءاً؛ لأن انهيار الثقافة لا يصدر صوتاً مثل انهيار بناية، لكنه يهدم الإنسان من الداخل. حين يتقدم المصفق على المبدع، والمتلون على الصادق، والواجهة على الكفاءة، والشهرة على الكتاب، والعلاقات على الموهبة، تصبح الثقافة سوقاً بلا ميزان، ويصبح السؤال ليس: ماذا كتبت؟ بل: من تعرف؟ وليس: ماذا أنجزت؟ بل: من يقف خلفك؟ وهنا يتحول المثقف من صاحب رسالة إلى طالب إذن، وتتحول المؤسسة الثقافية من بيتٍ للعقل إلى غرفة انتظارٍ طويلة.وسيسأل المؤرخ عن الإعلام، وسنكون أمام امتحانٍ صعب؛ لأن الإعلامي الحقيقي يعرف أن مهنته ليست أن يصفق للسلطة، بل أن يضع المرآة أمامها، وأن الصحافة ليست منشوراً إعلانياً، وإنما سلطة سؤالٍ ومهنة كشفٍ ومسؤولية أمام الناس. فإذا أصبح الإعلام تابعاً، تحولت الشاشة إلى ستارة، وإذا أصبحت الصحافة مأجورةً للنفوذ، تحول القلم إلى موظفٍ عند من يدفع، وعندها لا يعود الخبر خبراً، وإنما يصبح شيئاً يشبه فاتورةً تحمل عنواناً صحفياً.وسيقرأ المؤرخ عن الرقاصات والمشاهير وصناعة الشهرة السريعة، ولن تكون المشكلة في الفن ولا في المرأة ولا في الشهرة بحد ذاتها، بل في مجتمعٍ يستطيع أن يجعل صاحب الضجيج أكثر حضوراً من صاحب العلم، وأن يرفع المشاهدات فوق المعرفة، وأن يمنح من يرقص ساعاتٍ على الشاشة اهتماماً أكبر مما يمنحه لمن قضى عمره في المختبر أو المكتبة أو المدرسة. وسيسأل: هل مات العلماء؟ وسيقال له: لا، لكنهم اكتشفوا أن الطريق إلى الشاشة أطول من الطريق إلى المطار.وسيقرأ عن «التك تك» و«الفانشستات » والطرقات والأسواق والهواتف، وسيكتشف أن العراق دخل عصر التكنولوجيا بينما ظل جزءٌ من مواطنيه يصارعون من أجل لقمة العيش، وأن بعض أدوات العصر تحولت من وسيلةٍ للتقدم إلى وسيلةٍ لتعويض غياب الدولة، حتى صار الشاب يعمل ساعاتٍ طويلةً على مركبةٍ صغيرة كي يعيل بيتاً كبيراً، بينما يركب آخر سيارةً فارهةً لا يعرف سعرها إلا من خلال الحساب البنكي. يا لها من صورةٍ تصلح لأن تُعلّق في متحفٍ اسمه: العراق في زمن الوفرة والفاقة.وفي نهاية سجله سيجد المؤرخ مفارقةً ربما تكون أقسى من كل ما سبق: العراق بلدٌ غني، لكن العراقي ليس بالضرورة غنياً؛ العراق بلدٌ عريق، لكن العراقي قد يشعر أحياناً أنه غريبٌ في وطنه؛ العراق بلدٌ سيادي، لكن السيادة بقيت سؤالاً ثقيلاً في مراحل عديدة؛ العراق بلدٌ ديمقراطي في الدستور، لكن المواطن قد يسأل عن مقدار الديمقراطية التي تدخل إلى جيبه ومستشفاه ومدرسته وشارعه؛ العراق بلدٌ نفطي، لكن الكهرباء ظلت في أزمنةٍ طويلةٍ ضيفاً موسمياً؛ العراق بلدُ الأنهار، لكن الماء يمكن أن يصبح أزمة؛ العراق بلدُ الثقافة، لكن المثقف قد يبحث عن مؤسسةٍ تسمعه؛ العراق بلدُ القانون، لكن المواطن لا يريد قانوناً مكتوباً فقط، بل يريد قانوناً يُطبّق على الكبير قبل الصغير.وهنا سيغلق المؤرخ كتابه قليلاً، وينظر من نافذة المستقبل، ثم يقول: كان لهم ماضٍ يستحق أن يُحفظ، لكن هل كان لهم حاضرٌ يستحق أن يُذكر؟وأنا لا أخاف من أن يكتب التاريخ أخطاءنا؛ فالخطأ يمكن الاعتراف به وإصلاحه، وإنما أخاف أن يكتب أننا عرفنا الحقيقة ثم اخترنا الهروب منها، وأننا رأينا الفساد وسكتنا، ورأينا الفقر وصفقنا، ورأينا العالم يهاجر ولم نسأل لماذا، ورأينا المصنع يموت ولم نبحث عن قاتله، ورأينا الطفل يتسول ومررنا بجانبه، ورأينا الأم تنتظر ابنها وقلنا لها: اصبري، ورأينا المثقف يُهمّش فقلنا: هذه هي الدنيا، ورأينا الإعلام يصفق فقلنا: دعه يصفق، وكأن الوطن لعبةٌ يمكن أن نخسرها ثم نشتري نسخةً أخرى من السوق.لقد قال المتنبي: «وما الدهرُ إلا من رواةِ قصائدي»، ونحن اليوم أمام امتحانٍ معكوس؛ فليست قصائدنا وحدها التي ستروي العراق، وإنما شوارعنا ومصانعنا ومدارسنا ومستشفياتنا وكتبنا ومؤسساتنا وأخلاقنا هي التي ستروي من كنا. وقد قال الشاعر أبو الطيب أيضاً: «إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ»، والعراق الذي أنجب هذه اللغة لا يليق به أن يقنع بما دون حقه.إننا لا نحتاج إلى مزيدٍ من البكاء على بابل، بل إلى أن نمنع بغداد من أن تصبح أطلالاً جديدة؛ ولا نحتاج إلى أن نرفع صورة بيت الحكمة كل عام، بل إلى أن نبني بيوتاً جديدةً للحكمة؛ ولا يكفي أن نفتخر بالرازي وابن سينا وعلماء الماضي، بل علينا أن نصنع للعلماء في حاضرنا مختبراتٍ لا منافذ هجرة؛ ولا يكفي أن نذكر السياب ونازك والجواهري والرصافي، بل علينا أن نمنح شاعر اليوم حقه في أن يكون صوتاً لا زينةً على هامش احتفال؛ ولا يكفي أن نروي للعالم أن العراق مهد الحضارة، بل ينبغي أن يرى العالم حضارةً عراقيةً معاصرةً تمشي على قدميها.فبعد ألف عام، لن تنفعنا عبارة «كان لدينا»؛ لأن «كان» مقبرةٌ جميلة للماضي، والوطن لا يعيش في المقابر. الذي سينفعنا أن يقال: كان لديهم تاريخٌ عظيم، فاستحقوا أن يصنعوا تاريخاً عظيماً آخر. أما أن نبقى نبيع للمستقبل صور الماضي، فذلك يشبه رجلاً فقيراً يملك مفتاح خزينةٍ قديمة ويظل يلمع المفتاح كل صباح، بينما الخزينة نفسها فارغة.يا عراق، لا أريد أن يكون نصيبك من القرن الحادي والعشرين صفحةً سوداء في آخر كتابٍ أبيض، ولا أريد أن يقرأك القادمون كما نقرأ نحن حضارةً انطفأت، ولا أريد أن يقال إن أحفاد الذين كتبوا أول حرفٍ على الطين نسوا كيف يكتبون مستقبلهم؛ أريد أن يأتي ذلك القارئ بعد ألف عام، فيفتح الكتاب، فيجد أن العراق مرّ بأشد مراحله قسوةً، لكنه لم يستسلم، وأن شعبه اكتشف متأخراً أن الوطن ليس قصراً للحاكم، ولا مزرعةً للحزب، ولا غنيمةً للفاسد، ولا ورقةً في يد الخارج، وإنما هو بيتٌ كبيرٌ اسمه العراق، إذا احترق طرفٌ منه احترقت بقية الأطراف، وإذا نهضت مدينةٌ منه نهضت المدن كلها. وعندها فقط سيكون لنا الحق أن نقول إننا لم نخن الأمانة التي حملناها من السومري الذي ترك لنا لوحه، ومن البابلي الذي ترك لنا مدينته، ومن العالم الذي ترك لنا كتابه، ومن الشاعر الذي ترك لنا قصيدته، ومن العامل الذي ترك لنا مصنعه، ومن الجندي الذي دفع دمه دفاعاً عن الأرض، ومن الأم التي دفنت أبناءها وهي تقول: سيبقى العراق؛ لأن التاريخ لا يطلب منا أن نكون أعظم من أسلافنا، لكنه يطلب منا ألا نكون أصغر من الأمانة التي تركوها في أيدينا.بعد ألف عام، سيبحث التاريخ عنّا؛ فإما أن يجد شعباً أنقذ وطنه في اللحظة الأخيرة، وإما أن يجد ورثةً جلسوا فوق كنزٍ عمره آلاف السنين، ثم اختلفوا على مفتاح الخزينة حتى سرق الآخرون ما فيها. وحينها لن ينفعنا أن نقول: كنا نملك أعظم حضارة؛ لأن السؤال الذي سيقتلنا أمام التاريخ سيكون أبسط من كل الفلسفة: ماذا فعلتم بها؟تلك هي الصفحة التي لم تُكتب بعد... ونحن وحدنا من يملك القلم.
#حامد_الضبياني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المادة السابعة عشرة... عندما يتحول التعويض إلى امتياز ويصبح
...
-
إن كنتم لا تستطيعون تنفيذ قراراتكم... فارحلوا! المتقاعد يموت
...
-
كاتب قبل اسمه دال.. وهو زمال .
-
تشرين... الثورة التي أخافت الجبناء بعد أن فجّرها الشجعان .
-
الفنان الذي يحمل الوطن لا الطائفة .
-
الثقافة التي تستعيد صوتها من ركام المؤسسات.
-
عندما يصغر النقد: هاتف الثلج في مواجهة عجز الثقافة.
-
مملكة القطيع... عندما يصبح الحمار صاحب القرار ويُذبح الشعب ك
...
-
إيران على حافة الانهيار الاستراتيجي: عندما يتحول هرمز من سلا
...
-
الطاووس الذي علّم العراق فنَّ الاعوجاج .
-
حذاء الطنبوري يركب حمار جحا ويشحن النفط من البصرة.
-
«رائف أمير إسماعيل... العقل الذي يفاوض الكون»
-
بغداد في مرآة النظام العالمي: قراءة صادقة في كتاب هنري كيسنج
...
-
عَرُوبَتِي لا أستعيرها… وعِرَاقِيَّتِي لا أساوم عليها.
-
التوقيع الذي يصنعه التاريخ.
-
عمر الفاروق... الرجل الذي هزَّ عرش كسرى ولم تهزّه الدنيا.
-
«قاتلٌ وطني وضحيةٌ متهم»
-
الذين يهددون ويتوعدون… لا يخيفون الحقيقة .
-
من يحب إيران فليخرج من العراق .
-
العراق ليس غرفة عمليات لأحد.
المزيد.....
-
مع تصاعد التوترات بالشرق الأوسط.. قفزة جديدة بأسعار الوقود ف
...
-
سوريا.. إلى أين ملف السويداء عقب تفعيل الاتفاق الثلاثي في عم
...
-
الكرملين يطرح الإمارات مكانا محتملا للمفاوضات الروسية الأوكر
...
-
هجوم بالمسيّرات على الخرطوم.. والجيش السوداني يعلن التصدي له
...
-
افتتاح معرض -نايت- لماوريتسيو كاتيلان في برلين
-
عاجل: الجزائر تقطع علاقاتها مع الإمارات وتتّهمها بتصرفات -اس
...
-
الجزائر تعلن قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات
-
القطيعة الكبرى.. ما وراء قرار الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماس
...
-
بولندا تعرض 5 مواقع على واشنطن لإقامة قاعدة عسكرية دائمة على
...
-
موسكو: مخطط كييف لاستهداف دبلوماسيين بريطانيين -استفزاز جديد
...
المزيد.....
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|