أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - المادة السابعة عشرة... عندما يتحول التعويض إلى امتياز ويصبح التقاعد امتحاناً للفقر.















المزيد.....

المادة السابعة عشرة... عندما يتحول التعويض إلى امتياز ويصبح التقاعد امتحاناً للفقر.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 12:07
المحور: قضايا ثقافية
    


القانون الذي يُشرَّع لإنصاف المظلوم لا يجوز أن يتحول، مع مرور الزمن، إلى أداة جديدة لصناعة مظلومين آخرين، والعدالة التي تُرمّم جرحاً قديماً لا يحق لها أن تفتح في جسد المجتمع جرحاً جديداً باسم الإنصاف. ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية مع المادة السابعة عشرة من قانون مؤسسة السجناء السياسيين رقم (4) لسنة 2006 وتعديلاته، تلك المادة التي وضعت تعويضاً للسجين والمعتقل السياسي عن تقييد حريته وما فاته من كسب، ثم ربطت الحد الأدنى للراتب بما لا يقل عن ثلاثة أمثال الحد الأدنى للراتب التقاعدي، مع زيادات مرتبطة بسنوات السجن الفعلية.السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم بلا خوف ولا مجاملة هو: هل ما زال تطبيق هذه المادة بصيغتها الحالية يحقق العدالة الاجتماعية، أم أن الزمن كشف فيها اختلالاً يحتاج إلى إصلاح تشريعي شجاع؟ نحن لا نتحدث عن إلغاء حق من ثبتت مظلوميته، ولا عن إنكار ما تعرض له من سجن أو اعتقال أو تعذيب أو حرمان، فالدولة العادلة لا تنكر جراح مواطنيها، وإنما نتحدث عن شيء آخر تماماً: عن ضرورة أن يكون التعويض منضبطاً بمبدأ المساواة، وأن لا تتحول معالجة مظلومية تاريخية إلى تفاوت دائم بين مواطنين أفنوا أعمارهم في خدمة العراق ثم وجدوا أنفسهم في آخر سلم الاهتمام.لقد دفع المتقاعد العراقي من عمره ما لا يمكن إعادته، ودفع من صحته وطاقته وأعصابه وكرامته، وعمل في مؤسسة الدولة سنوات طويلة، وفي الجيش والشرطة والتعليم والصحة والإدارة والزراعة والنفط والنقل والثقافة وسائر مؤسسات العراق، وبعضهم حمل السلاح دفاعاً عن الوطن، وبعضهم عاش الحروب والحصار والإرهاب، وبعضهم عاد إلى بيته بعد سنوات الخدمة لا يحمل معه إلا ملفاً تقاعدياً وراتباً لا يكاد يطابق ثقل السنين التي أمضاها واقفاً في خدمة بلده. هؤلاء أيضاً أصحاب حقوق، وليسوا مواطنين من الدرجة الثانية.المشكلة التي تستحق أن تُفتح على الطاولة التشريعية ليست في وجود تعويض للسجين السياسي من حيث المبدأ، وإنما في اختلال فلسفة توزيع الحقوق عندما يصبح بعض التعويضات مرتبطاً بمعادلات تجعل الفارق بين متقاعد وآخر واسعاً إلى درجة تجرح معنى المواطنة نفسها. فإذا كان المتقاعد العادي قد خدم العراق ثلاثين أو أربعين عاماً، فلماذا يكون راتبه التقاعدي أسيراً لسلم لا يستطيع أن يواكب الغلاء وتغير قيمة العملة، بينما يستطيع نص تشريعي آخر أن يمنح فئة محددة راتباً أعلى بكثير؟ وإذا كانت الدولة تقول إن الجميع مواطنون متساوون أمام القانون، فأين تظهر هذه المساواة عندما يعيش أحد المتقاعدين على حافة الحاجة، بينما يحصل آخر على استحقاقات تفوق قدرته على تصورها؟
هنا ينبغي أن نكون دقيقين في الحديث حتى لا تتحول المطالبة بالإصلاح إلى ظلم جديد. السجين السياسي المثبت قانوناً ليس هو نفسه السجين الجنائي، ولا يجوز الخلط بين الاثنين، كما أن مجرد وجود مستفيدين من القانون لا يعني أنهم جميعاً سياسيون بالمعنى الذي يتصوره الرأي العام. ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ من تدقيق الاستحقاق نفسه، ومن مراجعة الملفات والوثائق والأحكام والقرارات التي تأسست عليها الحقوق، حتى لا يُساوى من ثبتت مظلوميته السياسية بمن دخل السجن لأسباب جنائية عادية، وحتى لا يتحول التعويض من حق لمن يستحقه إلى باب مفتوح للتوسع في الامتيازات.أما أن يُقال إن كل من استفاد من المادة السابعة عشرة سياسي، أو إن كل مستفيد منها لا يستحق، فذلك تعميم غير عادل. القضية أكبر من الأشخاص وأعمق من الأسماء؛ القضية قضية تشريع وفلسفة دولة.
الدولة الحديثة لا تبني عدالتها على سؤال: من يأخذ أكثر؟ وإنما على سؤال: كيف نضمن ألا يسحق أحد تحت عجلات الحاجة؟ولهذا فإن تعديل المادة السابعة عشرة يجب ألا يكون شعاراً انتخابياً ولا حملة غضب مؤقتة، بل مشروعاً تشريعياً واضحاً يعيد ترتيب العلاقة بين التعويض والراتب التقاعدي. ويمكن أن يقوم الإصلاح على مبدأ جوهري: لا امتياز مالي يتوسع على حساب الحد الأدنى اللائق لحياة بقية المتقاعدين. فإذا كان القانون يمنح تعويضاً لمن ثبتت مظلوميته، فليكن ذلك التعويض محفوظاً، ولكن ضمن سقوف وضوابط عادلة، وبما لا يؤدي إلى اتساع الفجوة بين فئات المتقاعدين إلى حد يجعل المواطن يشعر أن تاريخ خدمته للعراق أقل قيمة من تاريخ مواطن آخر.
ونحن هنا نطالب بأن يكون أقل راتب تقاعدي عراقي لائقاً بكرامة الإنسان، وأن تُراجع الرواتب وفق التضخم وارتفاع الأسعار وانخفاض القوة الشرائية للدينار، لا وفق الحسابات السياسية. فالراتب التقاعدي ليس منّة من أحد، وليس هدية تقدمها الحكومة للمتقاعد؛ إنه حصيلة سنوات من العمل والاستقطاع والخدمة. المواطن الذي دفع من راتبه طوال حياته ليستحق معاشاً في شيخوخته لا ينبغي أن يُترك يبحث عن الدواء والطعام والإيجار، ثم يسمع في الوقت نفسه عن فروق هائلة في الاستحقاقات المالية بين فئات تحمل الجنسية العراقية نفسها.
ومن هنا فإن مطلبنا واضح: إعادة النظر في المادة السابعة عشرة وتعديلها تشريعياً، ومراجعة جميع القوانين التي صنعت تفاوتاً غير مبرر في الرواتب التقاعدية، ووضع قاعدة وطنية واحدة تحفظ الحقوق المشروعة لمن يستحق التعويض، وتضمن في الوقت ذاته الحد الأدنى الكريم لكل متقاعد عراقي.
نحن لا نطالب بأخذ حق من مظلوم، بل نطالب بألا يتحول حق مظلوم إلى ذريعة لإهمال ملايين المتقاعدين. ولا نريد أن يُقال للمتقاعد العراقي: اصبر، بينما تُفتح أبواب الزيادة لغيره. فالعدالة لا تكون انتقائية، والوطن لا يقسم مواطنيه إلى من يستحق الحياة الكريمة ومن عليه أن يتعلم كيف يعيش بالفُتات.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في الدولة هو أن تتحول القوانين التي وُضعت لمعالجة المظالم إلى طبقات جديدة من الامتياز الاجتماعي. عندها لا يعود القانون ميزاناً، وإنما يصبح الميزان نفسه بحاجة إلى ميزان.
ولذلك نطالب مجلس النواب والحكومة والجهات المختصة بأن تفتح ملف المادة السابعة عشرة علناً، وأن تستمع إلى المتقاعدين، وأن تنشر الأرقام والمعايير والاستحقاقات بشفافية، وأن تراجع ملفات الاستفادة وفق القانون، وأن تضع صيغة جديدة لا تهدم حقاً ثابتاً ولا تسمح بتضخم الامتياز، وتعيد الاعتبار إلى مبدأ المواطنة المتساوية.العراقي الذي خدم العراق ليس أقل عراقية من العراقي الذي منح القانون تعويضاً، والمتقاعد الذي أفنى عمره في الوظيفة العامة ليس مواطناً من الدرجة الثانية.
هذه ليست معركة ضد السجين السياسي، ولا ضد عائلته، ولا ضد مظلومية حقيقية؛ إنها معركة من أجل أن تبقى العدالة عدالة، وأن يبقى التعويض تعويضاً، وأن يبقى التقاعد حقاً، لا عقوبة على من عاش عمره موظفاً وجندياً ومعلماً وطبيباً وعاملاً وفلاحاً وصانعاً وشرطياً ومثقفاً في هذا البلد.
العراق لا يحتاج قانوناً ينتصر فيه مواطن على مواطن، بل يحتاج قانوناً ينتصر فيه الإنسان العراقي على الفقر.وإذا كانت الدولة قادرة على أن ترفع راتب فئة إلى أكثر من مليون دينار فوق ما يتقاضاه متقاعد آخر، فالسؤال الذي يجب أن يطرق أبواب البرلمان بلا توقف هو: لماذا لا تستطيع أن تجعل للمتقاعد العراقي كله راتباً يليق بسنوات خدمته، وبالأسعار التي يواجهها كل صباح؟
لقد آن أوان مراجعة المادة السابعة عشرة، لا بروح الانتقام، وإنما بروح العدالة؛ لا لإسقاط حق مستحق، وإنما لمنع صناعة حقوق متفاوتة بلا نهاية؛ لا لتقسيم العراقيين، وإنما لإعادتهم إلى قاعدة واحدة: عراقيون في الكرامة، متساوون في الحق، ولا يجوز أن يكون الفقر نصيب من خدم وطنه.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إن كنتم لا تستطيعون تنفيذ قراراتكم... فارحلوا! المتقاعد يموت ...
- كاتب قبل اسمه دال.. وهو زمال .
- تشرين... الثورة التي أخافت الجبناء بعد أن فجّرها الشجعان .
- الفنان الذي يحمل الوطن لا الطائفة .
- الثقافة التي تستعيد صوتها من ركام المؤسسات.
- ‏عندما يصغر النقد: هاتف الثلج في مواجهة عجز الثقافة. ‏
- مملكة القطيع... عندما يصبح الحمار صاحب القرار ويُذبح الشعب ك ...
- إيران على حافة الانهيار الاستراتيجي: عندما يتحول هرمز من سلا ...
- الطاووس الذي علّم العراق فنَّ الاعوجاج .
- حذاء الطنبوري يركب حمار جحا ويشحن النفط من البصرة.
- «رائف أمير إسماعيل... العقل الذي يفاوض الكون»
- بغداد في مرآة النظام العالمي: قراءة صادقة في كتاب هنري كيسنج ...
- عَرُوبَتِي لا أستعيرها… وعِرَاقِيَّتِي لا أساوم عليها.
- التوقيع الذي يصنعه التاريخ.
- عمر الفاروق... الرجل الذي هزَّ عرش كسرى ولم تهزّه الدنيا.
- «قاتلٌ وطني وضحيةٌ متهم»
- الذين يهددون ويتوعدون… لا يخيفون الحقيقة .
- من يحب إيران فليخرج من العراق .
- العراق ليس غرفة عمليات لأحد.
- جمهورية الحمار المقدّس.


المزيد.....




- من زنوبيا إلى الزي الدمشقي.. أصالة نصري تحتفي بتراث سوريا في ...
- بالأرقام.. مدى شعبية ترامب قبيل أسابيع من الانتخابات النصفية ...
- إيران تعلن استهداف سفن قرب هرمز وتوسّع -منطقة الحظر-، وتقاري ...
- ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر .. هل بدأت الذاكرة تخفت؟
- تضرر مقاتلات أمريكية في ضربات إيرانية استهدفت قاعدة جوية في ...
- تقرير دولي يوثق 23 واقعة استخدام إسرائيل للفوسفور الأبيض في ...
- الحصانة الدبلوماسية تقي 49 أجنبيا من الملاحقة في كوريا الجنو ...
- خيانة خلف أسوار السفارة.. حارس السفير البريطاني في موسكو يسل ...
- مرصد كوبرنيكوس للمناخ... شهر أغسطس 2026 الأكثر حرا على الإطل ...
- مصادر أمريكية: إيران استخدمت صواريخ متطورة والحرب قد تمتد حت ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - المادة السابعة عشرة... عندما يتحول التعويض إلى امتياز ويصبح التقاعد امتحاناً للفقر.