حامد الضبياني
الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 20:28
المحور:
قضايا ثقافية
سبع ناقلات نفط ظهرت في موانئ العراق، فاستيقظت في رأسي حكايتان كان ينبغي لهما أن تعيشا في كتب الطرائف لا في دفاتر الاقتصاد: حذاء أبي القاسم الطنبوري وحمار جحا. قلت في نفسي: لو أن الطنبوري عاش في العراق اليوم، لما احتاج إلى حذائه القديم؛ فبلاد الرافدين صنعت له أحذية من نوع آخر، أحذية لها موازنات ومناقصات وعقود ومشاريع ولجان، وكلما ظن الرجل أنه تخلص من واحد منها، عاد إليه في السنة التالية بثوب جديد واسم جديد ورقم جديد، حتى أصبح الحذاء مؤسسة، وأصبح التخلص منه مشروعاً استثمارياً، وأصبح المواطن هو الطنبوري الذي يركض خلف حذائه ولا يعرف لماذا يركض ولا إلى أين سيصل.والحكاية أكثر طرافة من ذلك؛ فالأخبار تتحدث عن ارتفاع عمليات تحميل النفط، وعن سبع ناقلات تحمل مجتمعة قرابة ثلاثة عشر مليون برميل في يوم واحد، بعدما كان المشهد خلال الأسابيع الماضية لا يتجاوز ناقلة أو ناقلتين في اليوم، بينما كان المعدل المعتاد قبل الحرب يقارب ست ناقلات موزعة على ثمانية أرصفة. وهنا بالضبط يبدأ الاقتصاد العراقي في ارتداء حذاء الطنبوري، لأن الرقم جميل جداً، والناقلة جميلة جداً، والبرميل أجمل، لكن المواطن العراقي يريد أن يعرف سؤالاً صغيراً لا تستطيع كل هذه الناقلات أن تجيب عنه: إذا كان النفط يخرج بهذا الوفرة، فلماذا لا تدخل الوفرة إلى حياته؟يا لها من معادلة عراقية عبقرية: سبع ناقلات في الميناء، وملايين البراميل في البحر، ومليارات الدولارات في الحسابات، وموازنة تزدحم بالأصفار، ثم تجد مواطناً يقف أمام باب دائرة حكومية يبحث عن توقيع صغير، أو يقف أمام مستشفى يبحث عن سرير، أو أمام فرصة عمل يبحث عن وظيفة، أو أمام بيته يبحث عن كهرباء، ثم يقال له بكل ثقة: اصبر، العراق بلد غني! فيضحك المواطن، لا لأنه اقتنع، بل لأنه اكتشف أن الغنى العراقي يشبه ذلك الرجل الذي يملك قصراً ولا يملك مفتاح غرفته.وهنا يظهر حذاء الطنبوري من جديد، لكن هذه المرة بحجم اقتصاد دولة. كان حذاء الطنبوري في الحكاية يعود إليه كلما حاول التخلص منه، أما حذاؤنا العراقي فيعود إلينا كلما حاولنا إصلاح الاقتصاد: نفط، ثم موازنة، ثم عجز، ثم اقتراض، ثم رواتب، ثم تضخم، ثم مشروع، ثم مشروع آخر، ثم لجنة لمتابعة المشروع، ثم لجنة لمراقبة اللجنة، ثم مؤتمر لمناقشة أسباب تعثر المشروع، ثم تصريح يقول إن المشروع سينجز قريباً، ثم انتخابات، ثم شعار جديد، ثم يعود الحذاء إلى مكانه الأول وكأن شيئاً لم يحدث. الفرق الوحيد أن حذاء الطنبوري كان يزعج صاحبه، أما حذاؤنا السياسي فقد صار صاحبه يصفق له.ولأن العراق بلد قادر على تحويل المأساة إلى نكتة، فقد قرر أن يجمع حذاء الطنبوري مع حمار جحا في عربة اقتصادية واحدة. جحا في الحكاية كان كلما حاول إرضاء الناس أوقع نفسه في ورطة؛ يركب الحمار فيلومونه، يمشي إلى جواره فيلومونه، يحمل الحمار فيسخرون منه، حتى صار الحمار أكثر حكمة من الذين حوله. ولو دخل جحا إلى السياسة العراقية اليوم، لوجد نفسه أمام مهمة أسهل بكثير: لا تحمل الحمار يا جحا، فقط اجعله ينتخب نفسه، ثم اطلب من الناس أن يصفقوا له.لقد تطورت الحكاية من حمار يحمل جحا إلى حمار يحمل برنامجاً انتخابياً، ومن برنامج انتخابي إلى موازنة، ومن موازنة إلى نفط، ومن النفط إلى ناقلة، ومن الناقلة إلى حساب، ومن الحساب إلى مشروع، ومن المشروع إلى صورة افتتاح، ومن الصورة إلى دعاية، ومن الدعاية إلى انتخابات، ثم يعود جحا إلى الحمار ويقول له: لقد أنجزنا الكثير! فينظر إليه الحمار نظرة فلسفية ويقول في سره: نعم، أنجزتم دورة كاملة وعدتم إلى نقطة البداية.المشكلة في الاقتصاد العراقي ليست أن النفط لا يخرج؛ النفط يخرج. وليست أن العراق لا يملك المال؛ العراق يملك ثروة هائلة.وليست أن العالم لا يريد النفط العراقي؛ العالم يعرف قيمة هذا النفط ويشتريه.المشكلة أن الدولة العراقية ما زالت تتعامل مع النفط كما يتعامل شخص مفلس مع راتب مفاجئ: يفرح بوصوله، ثم يبدأ بتوزيعه قبل أن يسأل نفسه ماذا سيفعل غداً. ولذلك أصبح النفط عندنا أشبه بمرتب أبدي ننتظره آخر الشهر، لا بثروة ينبغي أن تتحول إلى إنتاج ومصانع وزراعة ومعرفة وتكنولوجيا وفرص عمل.وهنا يصبح حذاء الطنبوري أكثر ذكاءً من بعض النظريات الاقتصادية التي مرت على العراق؛ لأن الحذاء يعرف أن المشكلة ليست في وجود المال فقط، وإنما في الطريق الذي يسلكه المال.فالمال إذا دخل اقتصاداً منتجاً صار مصنعاً، وإذا دخل التعليم صار معرفة، وإذا دخل الزراعة صار غذاءً، وإذا دخل الصناعة صار استقلالاً، وإذا دخل الفساد صار قصراً وسيارة ومنصباً وحساباً لا يعرف المواطن اسمه. وفي هذه الحالة لا يختفي المال؛ بل يختفي أثره من حياة الناس.ولذلك لا ينبغي أن نسأل فقط: كم برميلاً صدر العراق؟ بل ينبغي أن نسأل: كم وظيفة خلق هذا البرميل؟ كم مصنعاً أنشأ؟ كم جامعة طوّر؟ كم مستشفى حسّن؟ كم فلاحاً أعان؟ كم طريقاً شق؟ كم طفلاً أعطاه مدرسة محترمة؟ وكم عراقياً جعله يشعر للمرة الأولى أن النفط الذي يراه في الأخبار ليس نفطاً يخص شخصاً آخر يعيش في بلد آخر؟فالاقتصاد ليس مجموعة أرقام تتحرك على شاشة التلفزيون.الاقتصاد هو الفرق بين أن يفتح المواطن صنبور الماء فيخرج الماء، وأن يفتح جيبه فلا يجد شيئاً.الاقتصاد هو أن يدخل الشاب الجامعة وهو يفكر في اختراع، لا في الواسطة. الاقتصاد هو أن يذهب المريض إلى المستشفى وهو مطمئن، لا وهو يبحث عن قريب يعرف طبيباً. الاقتصاد هو أن تصبح الدولة منتجاً لا موزعاً للرواتب، وأن يصبح المواطن منتجاً لا متلقياً دائماً لصدقة سياسية مغلفة بشعار انتخابي.لكن لدينا فلسفة أخرى: فلسفة الكذب السياسي، وهي فلسفة لا تحتاج إلى أرسطو ولا أفلاطون؛ يكفيها ميكروفون وكاميرا وذاكرة شعب قصيرة.السياسي لا يكذب دائماً بالكذبة الكاملة؛ أحياناً يكذب بنصف الحقيقة، ونصف الحقيقة أخطر من الكذب الصريح لأنها تدخل العقل من الباب الأمامي وهي تحمل وثيقة رسمية. يقول لك: صادرات النفط ارتفعت. صحيح. لكنه لا يقول لك إن الاقتصاد ما زال شديد الاعتماد على النفط. يقول لك: لدينا مشاريع. صحيح. لكنه لا يسألك كم مشروعاً اكتمل وكم مشروعاً صار قبراً إسمنتياً للمال. يقول لك: نحارب الفساد. جميل. لكنه لا يخبرك لماذا يستطيع الفساد أن يعود بعد كل حملة وكأنه يملك إقامة دائمة في الدولة.وهنا يضحك جحا.يضحك لأنه يعرف أن الحمار ليس أغبى من الإنسان دائماً؛ أحياناً الحمار فقط لا يدخل الانتخابات.الحمار يأكل عندما يجوع، ويشرب عندما يعطش، ويتوقف عندما يتعب، ولا يطلب من أحد أن ينتخبه كي يستمر في أكل العلف. أما الإنسان السياسي فيحتاج إلى ملايين الكلمات ليقنعك بأنه جاء من أجل مصلحتك، ثم يحتاج بعد أربع سنوات إلى ملايين الكلمات نفسها كي يقنعك بأنك لم تفهمه جيداً في المرة السابقة.أما المواطن، فيبقى واقفاً في المنتصف، مثل جحا الذي لا يعرف هل يركب الحمار أم يمشي خلفه أم يحمله، بينما الحذاء القديم يلاحقه من شارع إلى شارع، والناقلة تمضي إلى البحر، والبرميل يمضي إلى السوق، والدولار يمضي إلى الميزانية، والوعود تمضي إلى الانتخابات، وحدها حياة المواطن تمشي ببطء شديد.وهذا هو الجانب الذي يجعل السخرية تتحول فجأة إلى مأساة.نضحك من حذاء الطنبوري، ثم نتذكر أن هناك عراقيين لا يملكون حذاءً أصلاً.نضحك من حمار جحا، ثم نتذكر أن هناك من يحمل أثقال دولة كاملة على ظهره.نضحك من السياسي الذي يقول إن الاقتصاد بخير، ثم نعود إلى البيوت فنرى أسعاراً لا تعرف معنى "بخير".نضحك من سبع ناقلات تحمل ملايين البراميل، ثم نتساءل: لماذا لا تحمل معها شيئاً من الطمأنينة إلى هذا الشعب؟المصيبة أن العراق لا يفتقر إلى الثروة، وإنما يفتقر إلى فلسفة عادلة للثروة. لا يحتاج إلى من يكرر أمامه أنه بلد غني؛ يحتاج إلى من يجعل المواطن يرى الغنى في حياته. فالثروة التي لا تصل آثارها إلى الإنسان تتحول من نعمة اقتصادية إلى سؤال أخلاقي.والأخطر من السارق الذي يسرق المال هو السارق الذي يسرق معنى الوطن من الناس. ذاك الذي يقنع العراقي بأن حقه يأتي من الحزب، أو من الزعيم، أو من الطائفة، أو من العشيرة، أو من الواسطة، لا من الدولة. هذا السارق لا يحتاج إلى فتح خزينة؛ يكفيه أن يجعل المواطن ينسى أن المال ماله وأن الدولة دولته وأن النفط الذي تحت الأرض ليس ملكاً لشخص ولا حزب ولا جماعة.أما التبعية، فهي الحذاء الذي لم نستطع خلعه حتى الآن. كلما حاول العراق أن يمشي بقدميه وجد من يطلب منه أن يستعير حذاء غيره. القرار السياسي مستعار، والموقف مستعار، والاصطفاف مستعار، وأحياناً حتى الوطنية تصبح بطاقة تعريف تُستخرج من خارج الحدود. ولعن الله التبعية التي جعلت بعض الذين يتحدثون باسم العراق يسألون أولاً: ماذا يريد الآخرون؟ ثم يتذكرون، بعد فوات الأوان، أن هناك شعباً اسمه الشعب العراقي.العراق لا يحتاج إلى وصاية أحد. يحتاج إلى دولة تعرف أن النفط وسيلة لا عقيدة، وأن الانتخابات وسيلة للمحاسبة لا جهازاً لإعادة تدوير الوجوه، وأن المواطن ليس حماراً انتخابياً يحمل فوق ظهره كل شيء ثم يطلبون منه أن يشكر من وضع الحمل عليه.وفي النهاية، ستستمر الناقلات في الحركة، وستستمر البراميل في الخروج، وستستمر التصريحات في الصعود والهبوط، وستستمر الأحزاب في اكتشاف أن الشعب هو مصدر كل الشرعية، خصوصاً قبل الانتخابات بأيام. وسيظل حذاء الطنبوري ينتظرنا عند باب كل موازنة، وسيظل حمار جحا واقفاً عند صندوق الاقتراع، ينظر إلينا باستغراب ويسأل: هل أنتم فعلاً ستنتخبونني مرة أخرى؟
وعندها قد نكتشف أن أذكى شخصية في الحكاية كلها لم تكن الطنبوري ولا جحا، بل الحمار؛ لأنه على الأقل لم يصدق الوعود.أما نحن، فقد صدقناها حتى صار لدينا بلد يبيع النفط، ويستورد ما يأكله، ويستورد ما يلبسه، ويستورد كثيراً مما يحتاجه، ثم يصدّر شبابه وأحلامه إلى المنافي، وبعد ذلك يقف مسؤول أمام الكاميرا ليعلن أن الاقتصاد يسير في الاتجاه الصحيح.أي اتجاه يا جحا؟..إلى الأمام؟..إلى الخلف؟أم في دائرة الحذاء نفسه؟ربما كانت الإجابة عند أبي القاسم الطنبوري، الذي لو عاد اليوم ورأى العراق، لترك حذاءه على عتبة البصرة، وركب حمار جحا، وقال له: اهرب يا صاحبي... فهذا الحذاء لم يعد يطارد صاحبه؛ لقد أصبح دولة.وحينها سيضحك جحا.ثم نبكي نحن.لأننا سنكتشف أن أكثر ما يخيف في العراق ليس أن يكون حذاء الطنبوري كبيراً، ولا أن يكون حمار جحا عنيداً، بل أن يكون الشعب قد تعوّد على الحذاء والحمار حتى صار يظنهما جزءاً طبيعياً من الاقتصاد.
#حامد_الضبياني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟