أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العراق ليس غرفة عمليات لأحد.















المزيد.....

العراق ليس غرفة عمليات لأحد.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 12:22
المحور: قضايا ثقافية
    


العراق لا يحتاج إلى من يذكّره بمن يكون؛ فهذا البلد الذي علّم الإنسان أول أبجدية، ووضع للمدينة قانونها، وشقّ من الطين طريقاً إلى الحضارة، لا يليق به أن يتحول إلى ممرّ للرسائل الإقليمية، ولا إلى غرفة انتظار تتلقى فيها العواصم أوامرها من خارج الحدود. وحين يأتي مسؤول أو قائد أجنبي برسالة إلى فصيل عراقي مفادها أن السلاح يجب أن يبقى خارج إرادة الدولة، فإن السؤال لا يعود عن السلاح وحده، بل عن معنى السيادة نفسها: من يقرر؟ بغداد أم العواصم الأخرى؟ ومن يرسم حدود القرار؟ مؤسسات الدولة أم غرف النفوذ؟..المفارقة الأكثر إيلاماً أن بعض الذين يرفعون شعار الدفاع عن العراق يتصرفون وكأن العراق يحتاج إلى وصاية، وكأن شعباً بهذا العمق التاريخي عاجز عن إدارة بيته. يريدون للعراقي أن يصدق أن السيادة شعار يُرفع في المناسبات، بينما القرار يمكن أن يسافر بجواز أجنبي ويعود إلى بغداد محمّلاً بالتوجيهات. وهذه كوميديا سياسية سوداء؛ دولة لها حكومة وبرلمان وجيش وأجهزة أمنية، ثم يظهر من يقول لها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة: اتركي لنا ما لا ينبغي أن يكون إلا بيدك!
السلاح الذي يحمي الدولة يصبح قوة وطنية عندما يكون تحت قرارها، أما السلاح الذي يستطيع أن يقول للدولة نعم أو لا وفق حسابات خارجية، فإنه يتحول من أداة دفاع إلى سؤال دائم عن صاحب السيادة. فالدولة لا تكون دولة كاملة إذا كان على مكتبها قرار، وعلى الطاولة المقابلة قرار آخر، وفي الشارع بندقية ثالثة تنتظر الإشارة.ومن حق العراق أن يقيم علاقات محترمة مع إيران، كما من حقه أن يقيم علاقات محترمة مع تركيا والعرب وأميركا وأوروبا وكل العالم، فالدبلوماسية ليست عداوة، والاستقلال ليس عزلة، وحسن الجوار لا يعني أن يتحول الجار إلى صاحب مفتاح البيت. العراق يستطيع أن يحب جيرانه جميعاً، لكنه لا يستطيع أن يمنح أحداً حق الجلوس في غرفة القرار العراقي نيابة عن العراقيين.والأغرب أن بعض الأصوات التي ترفع راية الانتماء المذهبي تتعامل مع المذهب وكأنه جواز سفر سياسي، فإذا انتقدت تدخلاً خارجياً قالوا لك: أنت ضد طائفتك! وما أضيق هذا المنطق؛ فالطائفة ليست سفارة لدولة، والمذهب ليس وزارة خارجية، والعراقي الشيعي أو السني أو المسيحي أو الإيزيدي أو الصابئي أو أي عراقي آخر لا يحتاج إلى شهادة ولاء من عاصمة أجنبية كي يثبت عراقيته. العراق أكبر من أن يُختصر في طائفة، وأكرم من أن تتحول مذاهبه إلى جسور عبور للنفوذ.لقد كان العراقيون، على اختلاف مشاربهم، في مقدمة الرافضين للاحتلال والتبعية، ووقفوا في ثوراتهم وانتفاضاتهم وحركاتهم الوطنية دفاعاً عن كرامة البلاد. وفي الناصرية والبصرة وبغداد وسائر المدن العراقية ظل سؤال الكرامة حاضراً، حتى عندما حاولت السياسة أن تضع فوقه طبقات من الشعارات. ومن الظلم أن يُختطف تاريخ العراقيين الشرفاء لمصلحة مشروع سياسي، أو أن تُستخدم أسماء المذهب لتبرير ما لا يقبله الوطن.
أما أولئك الذين يظنون أن العراق يصبح أقوى كلما كثرت البنادق خارج مؤسسات الدولة، فعليهم أن يراجعوا تعريف القوة.القوة ليست في عدد الفصائل، ولا في ارتفاع صوت السلاح، ولا في كثرة الصور على التقاطعات؛ القوة أن يكون في العراق قرار واحد عندما يتعلق الأمر بالأمن والحرب والسلم والسيادة. القوة أن يستطيع رئيس الوزراء أن يقول: هذا قرار الدولة، فيصمت الجميع احتراماً للدستور، لا خوفاً من بندقية.وهنا تبدأ السخرية المريرة: لماذا لا نرى في شوارع طهران مظاهر مشابهة لما نراه في شوارع بغداد؟ لماذا لا يذهب عراقي ليضع رايته في قلب العاصمة الإيرانية ثم يعلن أن هذه المنطقة من نفوذه؟ لماذا لا نرى مسؤولاً عراقياً يوزع التعليمات على القيادات العسكرية الإيرانية؟ السؤال بسيط، والجواب أكثر بساطة: لأن الدول تعرف حدودها، ومن يعرف حدود وطنه لا يسمح للآخرين بأن يتعاملوا معه كحديقة خلفية.المطلوب من العراق ليس قطع العلاقة مع إيران، ولا تحويل الجغرافيا إلى خصومة، ولا صناعة عداوة جديدة في المنطقة؛ المطلوب علاقة متوازنة تحفظ مصالح الطرفين وتحترم السيادة. الجار المحترم لا يحتاج إلى أن يضع يده في جيب جاره كي يثبت صداقته، والصديق الحقيقي لا يطلب منك أن تتنازل عن قرارك كي يثبت أنه صديق.
العراق الذي تعاني مدنه من الحفر، وشبابه من البطالة، ومؤسساته من الترهل، وخدماته من العجز، لا يحتاج إلى المزيد من المعارك التي لا يعرف المواطن لماذا بدأت ولا متى تنتهي. المواطن يريد مدرسة لا ثكنة، ومستشفى لا خندقاً، وشارعاً لا متراساً، وفرصة عمل لا بندقية، ويريد أن يرى الدولة وهي تبني مستقبله بدلاً من أن يراه يضيع في حسابات المحاور.ومن يريد أن يحمل السلاح خارج العراق دفاعاً عن مشروع دولة أخرى، فليتذكر أن الأوطان لا تُدار بالوكالة، وأن العراقي الذي يموت من أجل بلده أولى بدمه من العراقي الذي يُطلب منه أن يموت في معركة لا علاقة لها بخبزه ومستقبل أطفاله. الوطنية ليست أن تسأل: من معنا؟ بل أن تسأل أولاً: أين العراق؟
لقد ملّ العراقي من أن يكون رقماً في دفاتر الآخرين، ومن أن تتحول أرضه إلى منصة لتبادل الرسائل، ومن أن يصبح أمنه جزءاً من لعبة أكبر منه. وما يحتاجه اليوم هو صحوة وطنية هادئة، لا طائفية فيها ولا كراهية، تقول للجميع: مرحباً بالعلاقات، أهلاً بالجوار، نعم للتعاون، لكن القرار العراقي للعراقيين.قاآني أو غيره، إيران أو غيرها، الفصائل أو الأحزاب أو الحكومات؛ كل الأسماء تصبح صغيرة أمام اسم العراق. فمن أراد للعراق الخير فليساعده على بناء دولة قوية، ومن أراد له السيادة فليحترم مؤسساته، ومن أراد له الاستقرار فليقبل بأن يكون السلاح تحت القانون.
فالهيبة الحقيقية لا تصنعها البنادق، وإنما تصنعها دولة يستطيع فيها المواطن أن ينام آمناً، ويعمل بكرامة، ويختلف دون خوف، ويحاسب المسؤول دون أن يخشى الفصيل، ويرى حدود وطنه واضحة في الخرائط كما هي واضحة في القرار.العراق لا يريد أن يطرد أحداً من قلبه، لكنه يريد أن يستعيد قلبه من الجميع. لا يريد حرباً مع أحد، بل يريد نهاية الحرب التي تجري داخل معنى الدولة نفسها. ولا يريد أن يكون تابعاً لمحور، بل أن يكون محوراً لذاته.وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لا تستطيع كل الخطب السياسية دفنه: هل نريد عراقاً تديره مؤسسات الدولة، أم عراقاً تتقاسم قراره البنادق والولاءات؟ إذا كان الجواب عراقاً حراً، فالبداية واضحة: دولة واحدة، قانون واحد، قرار واحد، وسلاح لا يعلو على سلطة الوطن.وهذه ليست خصومة مع شعب، ولا حرباً على مذهب، ولا عداءً لجار؛ إنها ببساطة محاولة لإعادة العراق إلى مكانه الطبيعي: وطناً لا يأخذ أوامره من أحد، ولا يعطي قراره لأحد.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جمهورية الحمار المقدّس.
- أقذر القاذورات .
- العراق المخطوف بالشعارات والسلاح.
- دولة «ماكو فلوس» ومملكة القوّادين .
- شرف الكلمة حين يسقط أصحابها.
- السوداني... حكاية رجل دخل بمفتاح النزاهة وترك خلفه أبواباً ك ...
- احذروا... فالكلمة الطائفية أخطر من الرصاصة.
- الحرب التي لا تسأل عن العرب.
- الذي مشى إلى العراق سيرة وطن في جسد رجل.
- عندما تستيقظ الثكنات... من يسبق الآخر، الدولة أم الفوضى؟ .
- أنا... ما تبقّى من وطن .
- سُجودٌ عند أعتاب كسرى.
- اغتصاب العدالة... قبل اغتصاب الجسد.
- وطنٌ لا يخطئ... لأن الخطأ هاجر منه!.
- حَسَنَةُ مُلْص.. القديسة التي سرقت وطنًا.
- عندما يصفّق السجين لمفتاح قيده.
- «إيران... الساعة الأخيرة للإمبراطورية»
- رسائلُ رجلٍ أحمق... أو كيف انتصر القلبُ على العالم.
- اعترافاتُ دولةٍ تخافُ من المصباح.
- عندما صار المهدي حارساً لقصور اللصوص.


المزيد.....




- سوريا تعلن عقد اجتماع -رفيع المستوى- مع إسرائيل.. ماذا جرى ف ...
- وزير: بيلاروس ستوقع قريبا اتفاقية إلغاء التأشيرات مع كوريا ا ...
- لقاء إسرائيلي سوري في الأردن بعد دعوة الشيباني لاغتنام -فرصة ...
- سعيد وتبون يبحثان مزيدا من تعزيز العلاقات بين تونس والجزائر ...
- من خلف القضبان إلى حضن الحياة.. ولادة توأم من نطفة مهربة لأس ...
- تعارضت مع موقف الرئيس.. مبعوث ترامب يتراجع عن تصريحاته بشأن ...
- ماكرون: زيارة ولي العهد السعودي إلى فرنسا تمثل علامة فارقة ( ...
- العراق يقدم مقترحا إلى إيران والسعودية لإنشاء مجلس تنسيقي مو ...
- البطريرك كيريل: قصف كنيسة في جمهورية دونيتسك خلال القداس يؤك ...
- هجوم وحشي على دير سفياتوغورسك بأوكرانيا يودي بحياة راهب ويصي ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العراق ليس غرفة عمليات لأحد.