أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - «إيران... الساعة الأخيرة للإمبراطورية»














المزيد.....

«إيران... الساعة الأخيرة للإمبراطورية»


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 12:04
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست الحروب الكبرى سوى رسائل مؤجلة تكتبها الجغرافيا كلما ضاقت بها السياسة، وما نشهده اليوم ليس اشتباكًا عابرًا يمكن أن يُقرأ بعين الخبر العاجل، بل هو مخاض تاريخي طويل أخذ ينحت ملامحه منذ عقود، حتى وصل إلى لحظة تقف فيها إيران أمام أكثر مفترقاتها خطورة منذ قيام نظامها الحالي. فالدول العظمى لا تسحب سفاراتها من أجل الاحتياط وحده، ولا تعيد توزيع قواتها العسكرية على رقعة الشطرنج الدولية من أجل المناورات الإعلامية، بل إن العالم يقرأ المستقبل بلغة المصالح قبل أن تقرأه الشعوب بلغة الأمنيات.إن الشرق الأوسط لم يعد يحتمل المشاريع الإمبراطورية مهما تغيرت أسماؤها وألوانها وشعاراتها، وما فشل فيه السيف قد يفشل فيه النفط، وما لم تستطع تحقيقه العقائد قد تحققه المصالح الدولية الكبرى. فالدول لا تموت بسبب حروبها الخارجية فحسب، بل تموت أيضًا عندما تصبح أثقل من قدرتها على حمل نفسها، وعندما يتحول مشروعها السياسي إلى عبء اقتصادي وعسكري واجتماعي يفوق احتمالات البقاء.ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بسقوط إيران من عدمه، وإنما يتعلق بما بعد ذلك. فالسؤال الأخطر ليس من سيسقط، بل ماذا سيسقط معه؟ وهل سيسقط نظام سياسي وحده أم ستنهار معه خرائط النفوذ التي امتدت لعشرات السنين؟ وهل ستكون المنطقة أمام شرق أوسط جديد أم أمام فوضى جديدة أكثر اتساعًا من كل ما عرفناه سابقًا؟
إن الحديث عن احتمالات تقسيم إيران يبقى في إطار السيناريوهات السياسية والعسكرية المتداولة، وليس حقيقة مؤكدة، غير أن المتغيرات الكبرى في التاريخ كثيرًا ما بدأت بما كان يراه الناس مستحيلًا. فقبل سقوط الاتحاد السوفيتي كان الحديث عن تفككه أقرب إلى الخيال، وقبل سقوط بغداد كان كثيرون يرونه وهمًا سياسيًا، وقبل سقوط أنظمة عديدة كانت تبدو وكأنها خالدة فوق الزمن.ولو افترضنا أن إيران دخلت مرحلة إعادة تشكيل سياسية وجغرافية، فإن الشرق الأوسط سيستيقظ على أكبر عملية إعادة توزيع للقوة شهدها منذ عقود طويلة. فالعراق الذي ظل لعقود طويلة جزءًا من معادلات النفوذ الإيراني سيكون أول المتأثرين بما سيحدث، لا لأن بغداد كانت ساحة حرب، بل لأنها كانت أيضًا ساحة نفوذ سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي امتد عميقًا داخل تفاصيل المشهد العراقي.وسيجد العراق نفسه أمام فرصة تاريخية لبناء قراره الوطني بعيدًا عن مشاريع الخارج جميعها، لكنه سيجد نفسه أيضًا أمام أخطار جديدة، فغياب النفوذ لا يعني غياب الصراع على وراثته، بل ربما تبدأ معركة جديدة أكثر تعقيدًا عنوانها من سيملأ الفراغ القادم. ولذلك فإن الحكمة السياسية العراقية تقتضي الاستعداد للدولة لا للاحتفالات، وللمستقبل لا للثأر من الماضي.أما الخليج العربي فإنه سيكون أمام معادلة اقتصادية وأمنية جديدة تمامًا، لأن مضيق هرمز سيبقى أحد أهم مفاتيح السياسة الدولية مهما تغيرت خرائط المنطقة، ولأن العالم الذي يخشى إغلاق الممرات البحرية لا يسمح عادة بأن تبقى هذه الممرات رهينة لمعادلات عدم الاستقرار طويلًا.ولن تكون تركيا بعيدة عن هذه التحولات، فهي تدرك أكثر من غيرها أن أي تغيير في الجغرافيا السياسية الإيرانية ستكون له انعكاسات مباشرة على ملفات الأمن والاقتصاد والتوازنات الإقليمية. وكذلك الأمر بالنسبة للدول العربية التي ستجد نفسها أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة مفهوم الأمن العربي بعيدًا عن الحروب بالوكالة التي استنزفت الجميع.إن أكثر ما أخشاه ليس سقوط المشاريع السياسية، وإنما سقوط الإنسان معها.فالحروب لا تنتج إلا المقابر إذا لم تُنتج معها مشاريع للحياة. وما جرى في العراق وليبيا وسوريا يجب أن يتحول إلى درس إنساني وسياسي وأخلاقي عميق، لأن إسقاط الأنظمة لا يعني بالضرورة بناء الأوطان، ولأن الشعوب التي لا تستعد لليوم التالي تجد نفسها بعد سنوات طويلة ما زالت تبحث عن وطن ضاع منها في لحظة الانتصار.إن المنطقة اليوم لا تحتاج إلى إمبراطوريات جديدة، بل إلى دول وطنية كبيرة بأخلاقها وعدالتها واحترامها لإنسانها. لقد دفعت الشعوب العربية أثمانًا باهظة من دمائها ولقمة أطفالها بسبب المشاريع العابرة للحدود، ولم يعد لديها متسع من الوقت كي تعيش نسخة جديدة من المآسي القديمة.لقد علّمنا التاريخ أن الخرائط لا تتغير إلا مرتين؛ مرة على موائد السياسة، ومرة فوق أنقاض المدن، وما نخشاه أن يجتمع الأمران معًا في هذه اللحظة من عمر الشرق الأوسط. فالزلازل السياسية لا تتوقف عند حدود الجغرافيا، وإنما تمتد إلى الوعي والثقافة والاقتصاد والإنسان، ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس متى تسقط الدول، بل كيف نمنع سقوط الشعوب معها.قد تكون إيران أمام لحظتها الأصعب، وقد تكون المنطقة أمام ولادة جديدة لم تتضح ملامحها بعد، لكن ما يبدو واضحًا أن الشرق الأوسط الذي عرفناه طوال العقود الماضية يقف اليوم عند باب تاريخ آخر، وأن الخرائط القديمة بدأت تفقد قدرتها على البقاء. أما ما سيولد من رحم هذا المخاض، فذلك ما ستكتبه الأيام القادمة، لكن المؤكد أن زمنًا طويلًا يوشك أن يطوي صفحته الأخيرة، وأن ساعة الجغرافيا بدأت تدق بصوتٍ لا يشبه ما اعتدناه من قبل.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسائلُ رجلٍ أحمق... أو كيف انتصر القلبُ على العالم.
- اعترافاتُ دولةٍ تخافُ من المصباح.
- عندما صار المهدي حارساً لقصور اللصوص.
- بلاغ رقم.. وطنٍ مقتول-
- العراق.. موتُ المعنى في زمنِ الغرباءِ.
- العاهرات لا يسرقن الأوطان.
- الزيارة التي وضعت العراق أمام مرآة السؤال.
- هل تستطيع الدولة أن تستعيد نفسها؟.
- خُمس هرمز... أم خُمس الوهم؟ والشرق الأوسط على حافة السؤال ال ...
- جميل براهمة... وجهٌ حفظ ذاكرة الدراما الأردنية وتركها تسأل ع ...
- الحوار المتمدن... ذاكرة العقل العراقي ومنبر الثقافة العربية ...
- العراق على مفترق الخرائط... وزيارة الزيدي في زمن إعادة تشكيل ...
- براءةُ اللصوص.
- لو خُيِّرت بين النووي والحرامية.
- يلبسون الذهب... والشعب يموت جوعًا.
- الحزب الشيوعي... نزاهة الفكرة وارتباك الطريق.
- العشقُ الأوّل.
- وصية الأبواب التي لا تنحني.
- لقاء مكي... آخر الأصوات التي لم تغادر العراق.
- بلاغٌ ضدَّ وطنٍ يُباع.


المزيد.....




- أفران فحم منذ 150 عامًا.. هذه عاصمة البيتزا في أمريكا
- بعد تدوينة ترامب.. عراقجي يحذر من مصادرة الأصول الإيرانية
- إيران: ضربة أمريكية تستهدف مقرا للحرس الثوري على بحر قزوين
- تقرير أكسيوس -ترامب قريب من قرار هجوم ضخم على إيران- يلقى رو ...
- نتنياهو يخسر الصدارة: استطلاع يكشف تقدم غادي إيزنكوت وحزب -ي ...
- تصعيد متواصل في الخليج والبحر الأحمر.. ترامب يلوّح باستخدام ...
- غارات أميركية جديدة على إيران .. وطهران تحذر داعمي واشنطن
- حرائق الغابات.. إجلاءات واستنفار في أوروبا وشمال أفريقيا
- الدفاع الروسية تعلن إسقاط 571 مسيرة أوكرانية خلال الليلة الم ...
- غارات روسية بأسلحة دقيقة ومسيرات تطال بنى تحتية عسكرية بموان ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - «إيران... الساعة الأخيرة للإمبراطورية»