أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - جميل براهمة... وجهٌ حفظ ذاكرة الدراما الأردنية وتركها تسأل عن مبدعيها.














المزيد.....

جميل براهمة... وجهٌ حفظ ذاكرة الدراما الأردنية وتركها تسأل عن مبدعيها.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 04:56
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس كلُّ من يقف أمام الكاميرا ممثلاً، فالكاميرا لا تمنح الخلود، بل تفضح الزيف قبل أن تمنح الاعتراف، أما الفنان الحقيقي فإنه لا يؤدي الشخصية بقدر ما يسكنها حتى يصبح جزءًا من ذاكرتها، ولذلك فإن بعض الوجوه لا تغيب مهما غابت عن الشاشة، لأنها لم تكن وجهًا تلفزيونيًا عابرًا، بل كانت صفحة من الذاكرة العربية، ومن بين تلك الوجوه يقف الفنان الأردني القدير جميل براهمة بوصفه واحدًا من أولئك الذين آمنوا بأن الفن ليس طريقًا إلى الشهرة، وإنما رسالة طويلة من الصبر، تبدأ من مقاعد الدراسة ولا تنتهي عند تصفيق الجمهور، بل تمتد إلى اللحظة التي يجد فيها المشاهد نفسه يتذكر الشخصية أكثر مما يتذكر اسم الممثل، وتلك هي أعلى درجات النجاح التي لا تُشترى ولا تُمنح، وإنما تُنتزع بعرق الموهبة وصدق الإيمان بالفن.خرج جميل براهمة من جامعة اليرموك عام 1988 حاملاً شهادة في التمثيل والإخراج، لكنه كان يحمل قبلها موهبة لا تمنحها الجامعات، فقد جاءت الدراسة لتصقل ما كان يسكن روحه، ولم تكن الطريق ممهدة كما يظن البعض، فالفن الأردني لم يكن يومًا طريقًا مفروشًا بالنجوم، بل كان مليئًا بالانتظار والرهان على مستقبل مجهول، وكان الفنان الأردني يعرف منذ البداية أن عليه أن يقاتل مرتين؛ مرة ليقنع المنتج، ومرة ليصل إلى الجمهور العربي الذي كانت تتنازعه شاشات أكبر وإمكانات أوسع، ومع ذلك ظل الفنان الأردني يقاتل بالكلمة والصورة واللهجة والصدق، حتى صنع لنفسه مدرسة كاملة لا تزال حاضرة في الوجدان العربي.وحين أطل جميل براهمة في مطلع التسعينيات لم يكن يبحث عن بطولة سريعة، بل كان يبحث عن دور يعيش بعد انتهاء الحلقة الأخيرة، فجاء الجذور الطيبة ليعلن ميلاد ممثل يمتلك القدرة على أن يجعل الشخصية تتنفس خارج النص، ثم توالت الأعمال؛ التراب المر وأم الكروم ودائرة اللهب وبقايا الرماد ونهيل والسدرة وجرح الغزالة والهجير ووردة والجبل وغيرها من الأعمال التي لم تكن مجرد مسلسلات، بل كانت مرايا اجتماعية تحفظ تفاصيل الإنسان الأردني والعربي، وتعيد تقديم الريف والبادية والقرية والمدينة بوصفها فضاءات أخلاقية وإنسانية قبل أن تكون أماكن جغرافية.أما الدراما البدوية، فهي الحقل الذي أثبت فيه جميل براهمة أنه ابن تلك البيئة التي تعرف كيف تصنع الفارس من الصمت قبل أن تصنعه من السيف، فكانت أعمال مثل راعي الخير وصهيل الأصيل وأخو شامة والدرب البعيد والرمح والصخرة والسيف والوصية والعقاب والصقر وبيارق العربا وغيرها، تقدم البادية بصورتها الإنسانية النبيلة، لا بوصفها صحراء، وإنما بوصفها منظومة قيم؛ الشهامة، والكرم، والوفاء، والعهد، والكرامة. ولم يكن نجاح الدراما البدوية الأردنية مصادفة، بل لأنها خرجت من رحم البيئة الحقيقية، ومن لهجة بني صخر الأصيلة التي حملها ممثلون كبار مثل روحي الصفدي، وعبير عيسى، وياسر المصري، وداود جلاجل، ورفعت النجار، وزياد أبو سويلم، وجميل براهمة، فكانوا جميعًا وجوهًا صنعت هوية هذا اللون الدرامي الذي بقي عصيًا على التقليد، مهما حاولت تجارب عربية أخرى أن تستنسخه.المؤلم أن الفنان العربي كثيرًا ما يدفع ثمن إخلاصه للفن من عمره، بينما تحصد الأضواء أسماء أقل موهبة وأكثر ضجيجًا، ولذلك بقي جميل براهمة واحدًا من أولئك الذين منحوا الفن أعمارهم، ولم يمنحهم الفن إلا محبة الناس، وهي الجائزة التي قال عنها إنها أعظم الجوائز، وربما كان محقًا، لأن الجوائز المعدنية تصدأ، أما المحبة فتبقى تتناقلها الأجيال، وكلما أعيد عرض عمل من أعماله عاد اسمه حيًا كما لو أنه صُوِّر بالأمس.
ولعل أكثر ما يؤلم في سيرة الفنان الأردني أنه ينتمي إلى دراما كانت يومًا تقود المشهد العربي، ثم تعرضت لانتكاسات بسبب ضعف الإنتاج وتراجع الدعم، حتى وجد كثير من المبدعين أنفسهم يقفون على أرصفة الانتظار، لا لأنهم فقدوا موهبتهم، بل لأن المؤسسات فقدت إيمانها بقيمة الفن.والحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها أن الأردن لم يكن يفتقر إلى الفنانين، بل كان يفتقر إلى المشروع الثقافي الذي يحميهم، فلو وجد هؤلاء المبدعون ما وجدته تجارب عربية أخرى من احتضان واستثمار وإنتاج مستدام، لتحولت الدراما الأردنية إلى واحدة من أهم الصناعات الثقافية في المنطقة، لأنها تمتلك الإنسان قبل أن تمتلك الحكاية.إن جميل براهمة ليس مجرد ممثل أدى أكثر من ثلاثة وأربعين عملًا تلفزيونيًا وعددًا من المسرحيات والأفلام والبرامج الإذاعية، بل هو شاهد على مرحلة كاملة من تاريخ الفن الأردني، مرحلة كانت الكلمة فيها أهم من المؤثرات، وكان الأداء أهم من عدد المتابعين، وكان الفنان يقف أمام الكاميرا ليقدم إنسانًا لا ليستعرض نفسه. ولهذا بقي حضوره هادئًا، لكنه عميق، وبقي أثره ممتدًا في ذاكرة من أحبوا الدراما وهي تتكلم بلهجة الأرض، لا بلهجة السوق.ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بحزن: أين جميل براهمة اليوم؟ وأين كثير من أولئك الذين صنعوا وجداننا العربي؟ ولماذا أصبح المبدع العربي يتوارى في الظل بينما تتصدر المشهد أسماء صنعتها الخوارزميات أكثر مما صنعتها الموهبة؟ إن الأمم التي تنسى فنانيها إنما تنسى جزءًا من ذاكرتها، لأن الفنان لا يمثل المجتمع، بل يحفظ روحه من النسيان.
سلامٌ إلى جميل براهمة، وإلى جيل كامل حمل الدراما الأردنية فوق كتفيه، وسار بها إلى كل بيت عربي دون ضجيج. وسلامٌ إلى الفن الأردني الذي أثبت، رغم قلة الإمكانات، أن الإبداع لا يُقاس بحجم الميزانية، وإنما بحجم الإنسان الذي يقف أمام الكاميرا مؤمنًا بأن الفن رسالة، وأن الأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُبنى أيضًا بالمسرح، وبالمسلسل، وبالكلمة الصادقة، وبالممثل الذي يترك في القلب أثرًا لا تمحوه السنوات.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحوار المتمدن... ذاكرة العقل العراقي ومنبر الثقافة العربية ...
- العراق على مفترق الخرائط... وزيارة الزيدي في زمن إعادة تشكيل ...
- براءةُ اللصوص.
- لو خُيِّرت بين النووي والحرامية.
- يلبسون الذهب... والشعب يموت جوعًا.
- الحزب الشيوعي... نزاهة الفكرة وارتباك الطريق.
- العشقُ الأوّل.
- وصية الأبواب التي لا تنحني.
- لقاء مكي... آخر الأصوات التي لم تغادر العراق.
- بلاغٌ ضدَّ وطنٍ يُباع.
- عندما تسقط الإنسانية قبل أن يسقط الإنسان.
- خرائبُ النحو.
- حين يتحول الموت إلى لغة السياسة.
- أنا الذي لا يبيع ظله.
- القرآن ليس أداةً للإهانة السياسية.
- هاتف الثلج... الرجل الذي أنقذ الذاكرة من النسيان، ومضى إلى ب ...
- الأستاذ الدكتور ياس خضير البياتي... الرجل الذي جعل من الإعلا ...
- رسالة مفتوحة إلى دولة رئيس مجلس الوزراء.
- لا تُعلّقوا الوطن على باب اللص.
- اضرب جذور الفساد لينهض الوطن.


المزيد.....




- دولة عربية بين أكبر 10 بلدان مصدّرة للسلع عالميًا في 2025.. ...
- طابق سري في فندق بإستونيا يكشف عالم التجسس والمؤامرات للمخاب ...
- من قلب الصين.. رحالة لبنانية تستكشف أعجوبة هندسية تمتد لآلاف ...
- شاهد.. قائد -أبراهام لينكولن- يشرح كيف فرضت أمريكا حصارا بحر ...
- إيران تكشف مصير صادراتها النفطية بعد إعادة فرض العقوبات الأم ...
- زهور وفرق جنائية في حانة بانكوك حيث حريق قاتل أودى بحياة 27 ...
- مصادر RT: لبنان يطرح 3 نقاط أساسية في جولة مفاوضات روما
- إسقاط 288 مسيرة أوكرانية خلال الليل وسلطات مناطق روسية تبلغ ...
- بري: الجو بالمنطقة -سلبي وقاتم- وأحذر من توريط الجيش اللبنان ...
- رودريغيز تعين رئيس البعثة الدبلوماسية لفنزويلا في واشنطن وزي ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - جميل براهمة... وجهٌ حفظ ذاكرة الدراما الأردنية وتركها تسأل عن مبدعيها.