أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - القرآن ليس أداةً للإهانة السياسية.














المزيد.....

القرآن ليس أداةً للإهانة السياسية.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 19:51
المحور: قضايا ثقافية
    


لم تعد السياسة الحديثة تُدار بالكلمات وحدها، بل أصبحت تُدار أيضًا بالرموز، والإشارات، والصور، والبروتوكولات التي تبدو في ظاهرها مجرد تفاصيل تنظيمية، بينما تحمل في باطنها رسائل قد تكون أبلغ من الخطب الرسمية. فترتيب المقاعد، وطريقة الاستقبال، ومكان الوقوف، وحتى ما يُقرأ في المناسبات الرسمية، كلها تتحول إلى لغة سياسية قائمة بذاتها، لأن الدول تعلم أن العالم لا يقرأ النصوص فقط، بل يقرأ ما وراء النصوص أيضًا.وفي هذا السياق، أثارت الرواية المتداولة بشأن تخصيص آيات قرآنية مختلفة للوفود المشاركة في مراسم العزاء بإيران نقاشًا واسعًا، ليس بسبب الآيات نفسها، فهي كلام الله الذي يعلو على كل تأويل سياسي، وإنما بسبب ما رآه كثيرون من دلالات في اختيار كل آية لكل وفد. فقد تداولت وسائل إعلام ومنصات مختلفة أن الوفد السعودي استُقبل بتلاوة قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا... فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ﴾، بينما تُلي أمام وفد شيوخ العشائر العراقية قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، وأمام الوفد التركي قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ... عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾، وفي المقابل نُسب إلى وفدي حزب الله وحركة حماس اختيار آيات تحمل معاني الثناء والثبات والإيمان.وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية. فإذا كانت هذه الرواية صحيحة، فلماذا اختيرت هذه الآيات دون غيرها؟ وهل كان الاختيار مجرد مصادفة، أم أن البروتوكول أراد أن يتحدث بلغة الرمز؟ وإذا كان الأمر مجرد مصادفة، فلماذا جاءت الاختيارات على نحو فتح بابًا واسعًا أمام هذا الكم من التأويلات؟ أما إذا كانت مقصودة، فإن المشكلة لا تكمن في الآيات، بل في تحويل القرآن الكريم إلى وسيلة لإرسال رسائل سياسية بين الدول.إن القرآن لم ينزل ليكون قاموسًا للدبلوماسية، ولم يُنزَّل ليُستخدم في توصيف الحكومات أو الوفود أو الأنظمة السياسية. إنه كتاب هداية وعدل ورحمة، وكل محاولة لجرّه إلى ميدان الخصومات السياسية تُحمّله ما ليس من وظيفته. فالسياسة بطبيعتها متغيرة، أما النص المقدس فباقٍ، والسياسيون يذهبون، بينما تبقى الآيات تتلى إلى قيام الساعة، ولذلك فإن صيانة قدسية النصوص تقتضي ألا تُزج في صراعات المصالح والاصطفافات.إن أخطر ما في توظيف الرموز الدينية سياسيًا أنه لا يسيء إلى الخصم وحده، بل يفتح الباب أمام تحويل الدين إلى أداة للفرز السياسي، فيبدأ الناس بقراءة القرآن بعين الانقسام لا بعين الهداية. وعندئذٍ يصبح النص، الذي جاء ليجمع القلوب، مادةً جديدة للخلاف، ويُنظر إلى كل آية من زاوية الانتماء السياسي بدلًا من معناها الإيماني.الدول القوية لا تحتاج إلى الإيحاء بالإهانة كي تثبت حضورها، كما أن احترام الضيف لا يكون فقط بحسن الاستقبال، بل أيضًا بتجنب كل ما قد يُفهم على أنه رسالة ازدراء أو تصنيف. والدبلوماسية الراقية تقوم على الوضوح والاحترام، لا على الرموز التي تحتمل عشرات القراءات. ولهذا فإن أي بروتوكول رسمي يتضمن رموزًا دينية ينبغي أن يُصاغ بعناية بالغة، لأن أثره لا يقف عند حدود المناسبة، بل يمتد إلى صورة الدولة نفسها وإلى نظرة الآخرين إليها.إن القضية في جوهرها ليست آية من هنا أو آية من هناك، وإنما حدود العلاقة بين المقدس والسياسي. فحين يُستخدم النص الديني ليؤدي وظيفة سياسية، فإن الخاسر الأول هو هيبة النص، والخاسر الثاني هو السياسة نفسها، لأنها تستبدل الحوار بالإشارة، والوضوح بالإيحاء، والاحترام بالتأويل. وما أحوج منطقتنا اليوم إلى خطاب يعلي من قيمة الإنسان، ويصون قدسية الدين، ويجعل العلاقات بين الدول قائمة على المصارحة والاحترام، لا على رسائل رمزية قابلة للتفسير المتناقض.
إن القرآن أكبر من أن يُختزل في بروتوكول، وأسمى من أن يُستدعى ليحسم خصومة سياسية أو ليُفهم على أنه يصف هذا الوفد أو ذاك. وإذا كان من درس يمكن استخلاصه من هذا الجدل، فهو أن النصوص المقدسة ينبغي أن تبقى فوق النزاعات، لأن قدسيتها لا تكتمل إلا حين تبقى بعيدة عن تقلبات السياسة ومصالح الحكومات، ولأن احترام القرآن يبدأ من الامتناع عن توظيفه في كل ما يثير الفرقة والالتباس بين المسلمين.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هاتف الثلج... الرجل الذي أنقذ الذاكرة من النسيان، ومضى إلى ب ...
- الأستاذ الدكتور ياس خضير البياتي... الرجل الذي جعل من الإعلا ...
- رسالة مفتوحة إلى دولة رئيس مجلس الوزراء.
- لا تُعلّقوا الوطن على باب اللص.
- اضرب جذور الفساد لينهض الوطن.
- شموخ الجبال لا يُقاس بالارتفاع.
- الجوع ليس قدرًا... بل امتيازات الآخرين
- الحسين الذي ضاع بين الهتاف والغنيمة.
- الحسين .
- أيها العراقيون... تذكّروا من أنتم.
- مات لأن اللصوص كانوا أكثر جوعًا منه.
- ثلاثة وعشرون عاماً من الانتظار على أبواب العدالة.
- التنور الذي فضح الوطن كيف أصبحت أموال الفقراء حطبًا لنار الل ...
- لا تُصلحوا العراق... حرّروا الإنسان أولًا.
- الانهيار كفنٍّ للحكم..
- حلبجة وكربلاء... قلبٌ واحد على ضفتي الحزن.
- سلالةُ الوجع.
- هل أنا عراقي حقًا؟.
- ميزانٌ يختلُّ حين يُصبح الوفاءُ عبئًا.
- الجنازات التي لا تنتهي عند المقابر.


المزيد.....




- وفد حزب الله لجنازة خامنئي يتلقى رسالة دعم إيرانية وتأكيد عل ...
- -منذ 23 عاما وأنتم تحاولون قتلي-.. تصريحات نارية لرونالدو قب ...
- تفاهم طهران واشنطن.. تل أبيب تعرقل بلبنان
- ما هي الثقافات التي بدأت بالمقارنة بين الآلهة والديانات ولما ...
- سرب من سفن أسطول المحيط الهادئ تصل إلى ميناء تشينغداو للمشار ...
- لقطات لإطلاق صواريخ مجنحة من على متن المدمرة الكورية الشمالي ...
- فرنسا.. غرق سفينتين جراء حريق هائل بميناء مرسيليا
- فرنسا.. نشوب نحو 20 حريقا كبيرا على خلفية موجة الحر
- ترامب يعتزم الاتصال ببوتين بعد لقائه زيلينسكي في تركيا
- تصعيد جديد في لبنان يشعل غضب الجامعة العربية


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - القرآن ليس أداةً للإهانة السياسية.