أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الانهيار كفنٍّ للحكم..














المزيد.....

الانهيار كفنٍّ للحكم..


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 18:14
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يعد السؤال في العراق: لماذا تراجعت الدولة؟ لأن هذا السؤال يفترض أن ما جرى كان خطأً عابرًا أو نتيجة أزمة مؤقتة، بينما الواقع يكشف أن الانحدار لم يعد حادثًا استثنائيًا، بل تحول إلى أسلوب إدارة، وإلى فلسفة حكم، وإلى نظامٍ يعيد إنتاج نفسه كلما ازداد فشلًا. فالسلطة التي لا تتعلم من أخطائها لا تعيش أزمة، وإنما تؤسس لعقيدة سياسية ترى في الخراب وسيلةً للبقاء، لأن الدولة القوية تفرض القانون، أما الدولة الضعيفة فتمنح النفوذ، والدولة الناجحة تصنع مواطنًا، أما الدولة الفاشلة فتصنع تابعًا ينتظر ما يُمنح له بدل أن يحصل على ما يستحقه.ليست المأساة أن يحتل العراق مراتب متأخرة في التعليم، أو الصحة، أو حرية التعبير، أو الديمقراطية، أو الأمن، أو الصناعة، أو الزراعة، أو الاستقرار المالي، أو أن يكون من أكثر دول العالم معاناة من التلوث والإجهاد المائي، فهذه ليست أرقامًا منفصلة، وإنما وجهٌ واحد لحقيقة واحدة؛ وهي أن الدولة فقدت بوصلتها. التعليم الذي يحتل ذيل التصنيفات العالمية لا يعني مدارس سيئة فحسب، بل يعني أن المستقبل يُدار بعقلٍ لا يؤمن بالمستقبل أصلًا، والصحة المتراجعة لا تعني نقص الدواء فقط، بل تعني أن قيمة الإنسان أصبحت أقل من قيمة الصفقات، والفساد الذي يضع البلاد في المراتب المتأخرة ليس انحرافًا فرديًا، بل اقتصادٌ كامل يعيش على بقاء المؤسسات ضعيفة، لأن قوة الدولة تعني نهاية الامتيازات غير المشروعة.خلال أكثر من عشرين عامًا لم يكن ينقص العراق المال، ولا الموارد، ولا الطاقات البشرية، بل كان ينقصه شيء واحد فقط؛ فكرة الدولة. فالثروة حين تقع في يد إدارة عاجزة تتحول إلى لعنة، والمؤسسات حين تُبنى على المحاصصة تصبح هياكل بلا روح، والدستور حين يُفسر وفق المصالح يتحول إلى ورقة تفاوض، والقانون حين يُطبق على الضعيف ويُعطل أمام القوي يفقد معناه الأخلاقي قبل أن يفقد هيبته القانونية.الأخطر من الفساد أن يصبح الفساد لغةً طبيعية، والأخطر من الفشل أن يتحول الفشل إلى واقعٍ معتاد، والأخطر من انهيار الخدمات أن يعتاد المواطن انقطاع الكهرباء، ورداءة التعليم، وتدهور المستشفيات، وسوء الطرق، حتى يصبح كل ذلك جزءًا من الحياة اليومية لا يثير الغضب. عندها لا تكون الدولة قد خسرت مشاريعها فقط، بل خسرت قدرة المجتمع على رفض الانهيار، لأن الإنسان حين يتصالح مع الخراب يصبح شريكًا في استمراره وإن لم يكن مسؤولًا عنه.
ولذلك فإن التقارير الدولية ليست إهانة للعراق، بل هي مرآة تكشف ما تحاول الخطابات السياسية إخفاءه. فلا يمكن لأي خطاب أن يقنع العالم بنجاح تجربةٍ تتراجع في معظم مؤشرات التنمية، ولا يمكن تحويل الفشل إلى إنجاز عبر الشعارات، لأن لغة الأرقام أكثر نزاهة من لغة المنابر. فحين يحتل التعليم مراتب متأخرة، والصحة تتراجع، وحرية التعبير تضيق، والديمقراطية توصف بأنها نظام هجين أو استبدادي، والأمن يتراجع، والصناعة تكاد تختفي خارج النفط، والزراعة تنكمش، والمياه تتناقص، والاستقرار المالي يترنح، فإن القضية لم تعد قضية حكومة، بل قضية نموذج حكم أثبت عجزه عن إنتاج دولة حديثة.لقد نجحت السلطة في صناعة شيء واحد بإتقان؛ وهو إنتاج الأعذار. فكل إخفاق يجد له تفسيرًا، وكل أزمة تجد من يبررها، وكل فشل يُلقى على الماضي، أو المؤامرات، أو الظروف، وكأن الزمن وحده هو من يحكم البلاد. غير أن الأمم لا تسقط بسبب المؤامرات بقدر ما تسقط حين تصبح عاجزة عن مواجهة نفسها. فالاعتراف بالحقيقة هو بداية الإصلاح، أما إنكارها فهو بداية الانهيار الطويل.الدول العظيمة لا تُقاس بعدد الخطب، ولا بعدد اللافتات، ولا بحجم الشعارات، وإنما تُقاس بقدرتها على تحويل الضرائب إلى خدمات، والثروات إلى تنمية، والسلطة إلى مسؤولية، والقانون إلى عدالة، والتعليم إلى قوة، والجامعة إلى مصنع للعقول، والمستشفى إلى مكان يحفظ كرامة الإنسان، والطريق إلى دليل على احترام المواطن. أما حين تتحول السياسة إلى سوق للمغانم، فإن كل وزارة تصبح جزيرة معزولة، وكل مؤسسة تتحول إلى ملكية خاصة، وكل منصب يصبح استثمارًا لا مسؤولية.إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي بلد ليس الفقر، فالفقر يمكن هزيمته، وليس قلة الموارد، فالعديد من الدول الفقيرة أصبحت من أكثر دول العالم تقدمًا، وإنما الكارثة الحقيقية هي أن تتحول السلطة إلى مشروع دائم لإنتاج الفشل، وأن يُدار الانهيار بوصفه حالة مستقرة، وأن يصبح الخراب جزءًا من آلية الحكم نفسها. عندها لا يكون السؤال: لماذا تأخرنا؟ بل يصبح السؤال الأكثر إيلامًا: كم جيلًا آخر سيدفع ثمن هذا النموذج الذي أثبت، عامًا بعد آخر، أن بقاءه أهم عند أصحابه من بقاء الدولة نفسها؟
إن التاريخ لا يحاكم الدول على حجم ثرواتها، بل على كيفية إدارتها، ولا يسأل كم امتلكت من النفط، بل ماذا صنعت به، ولا يتذكر عدد الحكومات، بل يتذكر ما إذا كانت قد بنت وطنًا أم أدارت انهياره. وبين البناء والانهيار لا تفصلنا المسافات، بل تفصلنا الإرادة السياسية، لأن الدولة لا تسقط في يوم واحد، وإنما تسقط كل يوم حين يُكافأ الفشل، ويُحمى الفاسد، ويُهمَّش الكفوء، ويُترك المواطن وحيدًا يواجه وطنًا كان يفترض أن يحميه، فإذا به يطالبه، كل صباح، أن يتعايش مع الانهيار وكأنه قدر لا يمكن تغييره.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حلبجة وكربلاء... قلبٌ واحد على ضفتي الحزن.
- سلالةُ الوجع.
- هل أنا عراقي حقًا؟.
- ميزانٌ يختلُّ حين يُصبح الوفاءُ عبئًا.
- الجنازات التي لا تنتهي عند المقابر.
- ثروةٌ تذوب..، وشعبٌ ينتظر.
- الدين الذي لا يخاف السؤال.
- الفن لا يُحاكم بالهتاف.
- الكلمة صنعت وطنًا من الحبر.
- الدولة التي كبرت فيها الرواتب وصغر فيها الإنسان.
- وهم الانتصار… حين تُدار الهزائم بلغة النصر.
- الإصلاح لا يرث الكراهية.
- حياء الأمم حين يضيع... كيف يتحول الوطن إلى سؤال بلا جواب؟
- البعبع الذي لا يموت .
- فقه الكرش الممتلئ.. حين يُطلب من الجائع أن يزهد في رغيفه.
- سبايكر... حين سقط الوطن مرتين.
- جمهورية الأغبياء النافعين.
- «الفأرُ الذي ابتلعَ دولةً: مذكّراتُ قارضٍ في وزارة المالية»
- «تأملاتُ لصٍّ أمام الكعبة»
- البلطجوقراطية الإعلامية: حين تُدار الحقيقة على إيقاع الضجيج.


المزيد.....




- رضائي: واشنطن تتحمل مسؤولية استفزازات إسرائيل في لبنان وسنحا ...
- قاليباف ينشر صورة من مواجهة إيران وإسبانيا: هكذا نحمي أرضنا ...
- الخارجية الروسية: ألمانيا لن تستطيع التهرب من الاعتراف بإباد ...
- بعد 13 عاما في المعارضة والمهجر.. جهاد مقدسي يعود للدبلوماسي ...
- الدفاعات الجوية تسقط 9 طائرات مسيرة كانت متجهة نحو موسكو
- ترامب يهدد بإضافة اتهامات جديدة لدعواه ضد -نيويورك تايمز- وي ...
- ضبط أكبر شحنة كوكايين في تاريخ أستراليا
- انطلاق محادثات سويسرا بين واشنطن وطهران وسط خلافات بشأن مضيق ...
- ارتباك في محادثات أمريكا وإيران بسويسرا بعد تهديدات ترامب.. ...
- غروشكو: دول الناتو تستعد فعليا لمواجهة عسكرية مع روسيا بحلول ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الانهيار كفنٍّ للحكم..