أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - البلطجوقراطية الإعلامية: حين تُدار الحقيقة على إيقاع الضجيج.














المزيد.....

البلطجوقراطية الإعلامية: حين تُدار الحقيقة على إيقاع الضجيج.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8730 - 2026 / 6 / 8 - 17:29
المحور: قضايا ثقافية
    


في هذا العصر الذي لم تعد فيه الحقيقة تُقاس بصلابتها، بل بقدرتها على الصراخ، تتشكل سلطة غريبة لا تحتاج إلى برلمان ولا إلى دساتير، بل يكفيها ميكروفونٌ مفتوح، ومنصةٌ متوترة، وذاكرة جماعية مرهقة من كثرة ما يُلقى عليها من روايات متناقضة. إنها “البلطجوقراطية الإعلامية”، حيث لا يعلو صوت القانون، بل يعلو صوت من يُجيد إدارة الفوضى، وتحويلها إلى مشهد يومي مألوف، حتى يغدو الاستثناء قاعدة، والاشتباه يقينًا مؤقتًا.في هذا النمط من الحكم، لا تُصنع السلطة في المؤسسات، بل تُصنع في الفضاء الرمادي بين الخبر والتسريب، بين الاتهام والنفي، بين ما يُقال وما يُلمح إليه دون أن يُقال. هنا تتحول السياسة إلى ساحة استعراض مفتوحة، لا ينتصر فيها الأكثر دقة، بل الأكثر قدرة على إشعال موجة جديدة من الغبار. فكل تصريح هو طلقة، وكل تسريب هو قذيفة معنوية، وكل نفي لا يُطفئ النار بل يوزعها على مساحات أوسع من الإدراك.تتراجع الدولة في هذا المشهد خطوةً إلى الخلف، لا لأنها غائبة، بل لأنها محاصَرة بكثرة من يتحدث باسمها، حتى تكاد تفقد ملامحها بين الأصوات المتداخلة. فالحقيقة لم تعد تُبحث في الوثائق، بل في ردود الأفعال؛ ولم تعد تُقاس بما هو ثابت، بل بما هو قابل للاشتعال. وهكذا يُعاد تشكيل الوعي العام ليصبح أشبه بمرآة مهشمة، كل قطعة فيها تعكس جزءًا من الصورة، دون أن تمنح الصورة كاملة أبدًا.في “البلطجوقراطية الإعلامية” لا يعود الفاعل السياسي مجرد صاحب قرار، بل يتحول إلى راوٍ ضمن روايات أكبر منه، يضطر إلى مطاردة الأحداث بدل صناعتها، وإلى تبرير نفسه في كل لحظة بدل تقديم مشروعه. أما الجمهور، فيُدفع تدريجيًا إلى موقع المتفرج القَلِق، الذي لا يملك رفاهية التصديق الكامل ولا حتى الكفر الكامل، بل يعيش في منطقة رمادية من الشك المستمر، كأن الحقيقة نفسها فقدت قدرتها على الاستقرار.
وما بين التسريبات والبيانات، تتشكل طبقة سميكة من الضباب، تُخفي أكثر مما تُظهر، وتُربك أكثر مما تُفسر. فكل معلومة تُولد وفي داخلها نقيضها، وكل اتهام يحمل في طياته احتمال البراءة، وكل براءة لا تعيش طويلًا قبل أن تُستبدل باتهام جديد. وهكذا يتحول المشهد إلى دورة مغلقة من إنتاج الشك، لا تسمح لأي يقين أن ينجو طويلًا.الأخطر في هذه المنظومة أنها لا تكتفي بإعادة تشكيل السياسة، بل تعيد تشكيل الوعي نفسه. فالمجتمع الذي يعتاد على الضجيج يفقد تدريجيًا قدرته على الإصغاء، والمجتمع الذي يُغمر بالتسريبات يفقد حسّ التمييز بين المهم والعابر، والمجتمع الذي يُربّى على الصدمة يفقد تدريجيًا إحساسه بالدهشة. وحين تفقد الشعوب دهشتها، تصبح أكثر قابلية لتصديق كل شيء، وأقل قدرة على مساءلة أي شيء.وفي لحظة ما، لا يعود السؤال: من يقول الحقيقة؟ بل يصبح السؤال: من يصرخ أكثر؟ ومن يملك القدرة على فرض صوته داخل هذا الفضاء المكتظ بالأصوات المتعارضة؟ وهنا بالضبط تتجلى“البلطجوقراطية” كمنطق خفي للحكم، حيث القوة ليست في الدليل، بل في الضجيج، وحيث النفوذ لا يُقاس بالقرار، بل بسرعة الانتشار.ومع مرور الوقت، تتآكل المسافة بين الحقيقة وتمثيلها، حتى يغدو الفرق بينهما مجرد تفصيل لغوي لا أثر له في الواقع. فكل شيء قابل لإعادة السرد، وكل سرد قابل لإعادة التوجيه، وكل توجيه قابل لأن يتحول إلى “حقيقة مؤقتة” تنتهي صلاحيتها مع أول تسريب جديد.وهكذا تستمر اللعبة، لا منتصر فيها ولا مهزوم، بل خاسر واحد فقط: الحقيقة نفسها، وهي تتآكل ببطء تحت أقدام الضجيج، حتى تصبح مجرد أثر بعيد في ذاكرة مجتمعٍ أنهكته كثرة الروايات، فلم يعد يعرف أيها كان البداية، وأيها كان النهاية.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «جنرالاتُ النسيان: حين يُكافَأُ الوطنُ بمعاقبةِ حُرّاسه»
- الحمار الذي عاد إلى البرلمان .
- «لاهوتُ الكرةِ العراقية: كيف نصنعُ آلهتَنا ثم نبحثُ عن وطن؟»
- «خراب يبدأ من القاموس»
- لماذا سقط صدام والقذافي وبقيت إيران؟
- الدوثراكية العراقية: سيرةُ دولةٍ أضاعت الحصانَ واحتفظت بالصه ...
- أمام أنظار رئيس الوزراء العراقي.
- «الثراء الذي يقف في الطابور»
- العراق... مملكة الأصفار المفقودة.
- هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .
- جمهورية المرايا الكاذبة.
- ملف السجون السرية بعد 2003.
- كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟
- الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.
- العراق بين راعي الصخول وتفلة الملا... ..
- التخريب الذي لا يُرى.
- دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟
- الموت الأخلاقي للمثقف العربي .
- نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .
- منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.


المزيد.....




- السعودية.. إصابة شخصين وأضرار بمبانٍ ومركبات جراء سقوط شظايا ...
- مندل: على زيلينسكي قبول شروط روسيا لتجنب كارثة في أوكرانيا
- شعبية ماكرون ورئيس وزرائه تنهار بعد أعمال الشغب في 17 أكتوبر ...
- بقائي: واشنطن تعرقل المفاوضات مع إيران بمطالب أحادية الجانب ...
- -الأغبى في التاريخ-.. ترامب يهاجم اتفاق أوباما مجددا
- وزير خارجية الإمارات: محاربة الإرهاب دون التطرف كمن يسقي الب ...
- عراقجي: لن يعود هرمز لوضعه قبل الحرب
- الجيش الإسرائيلي يواصل عمليته في الخليل
- دميترييف: أوروبا تدمر نفسها ومسؤوليها البيروقراطيين يلقون ال ...
- بيلاروس تحث مواطنيها على تجنب السفر إلى ست دول أوروبية تشهد ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - البلطجوقراطية الإعلامية: حين تُدار الحقيقة على إيقاع الضجيج.