أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حياء الأمم حين يضيع... كيف يتحول الوطن إلى سؤال بلا جواب؟














المزيد.....

حياء الأمم حين يضيع... كيف يتحول الوطن إلى سؤال بلا جواب؟


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 22:16
المحور: قضايا ثقافية
    


في الموروث الشعبي العراقي حكايات تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها في حقيقتها خزائن فلسفية عميقة تختصر تجارب قرون طويلة من التأمل في النفس البشرية. ومن تلك الحكايات قصة الشيخ الذي كان يرهق ضيوفه بالأسئلة حتى نفر الناس من مضيفه، ثم جاءه شاب ذكي فأجابه عن سؤال واحد حين قال: "شيخنا يستحي"، فسكت الشيخ وعدّ تلك الكلمة جواباً عن كل الأسئلة التي يمكن أن تُطرح. ولم يكن الشيخ يومها يبحث عن اسم شيخ العشيرة أو عدد رجالها أو حجم نفوذها، بل كان يبحث عن القيمة الكبرى التي تختصر الأخلاق جميعها، لأن الحياء ليس خُلُقاً واحداً بين الأخلاق، بل هو الجذر الذي تتفرع منه بقية الفضائل.ولو أسقطنا هذه الحكاية على العراق اليوم لوجدنا أننا لا نعاني في جوهر أزماتنا من نقص الأموال ولا من قلة الثروات ولا من ضعف الموارد، فالعراق بلد منحته الجغرافيا ما يكفي ليكون من أغنى بلدان المنطقة، ومنحته الحضارة ما يكفي ليكون منارة للعالم، ومنحته الطبيعة ما يكفي ليعيش أبناؤه بكرامة. لكن السؤال الفلسفي الحقيقي الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: أين ذهب الحياء؟
فالسياسي الذي يخرج على الناس كل يوم وهو يعدهم بالإصلاح بينما تتراكم ملفات الفساد أمامه، لو كان يستحي لما احتاج الشعب إلى لجان تحقيق ولا إلى تقارير رقابية ولا إلى محاكمات طويلة. والمسؤول الذي يرى المستشفى ينهار والمدرسة تتداعى والطرق تتحول إلى مصائد للموت ثم يتحدث عن الإنجازات الوهمية، لو كان يستحي لما استطاع أن ينظر في عيون الناس. والتاجر الذي يحتكر قوت الفقراء، والموظف الذي يبيع ضميره، والإعلامي الذي يبدل قناعاته كما يبدل ثيابه، والمثقف الذي يبرر الظلم من أجل مكسب عابر، جميعهم يشتركون في فقدان شيء واحد هو الحياء.
لقد أدرك الشيخ في الحكاية أن الإنسان إذا استحى استقام سلوكه تلقائياً، لأن الحياء رقابة داخلية لا تحتاج إلى كاميرات ولا إلى قوانين صارمة. فالذي يستحي لا يسرق حتى لو غابت أعين الناس، والذي يستحي لا يخون حتى لو أُغلقت الأبواب، والذي يستحي لا يكذب حتى لو ضمن الإفلات من العقاب. أما حين يموت الحياء فإن الإنسان يتحول إلى آلة للمصلحة المجردة، لا يرى في الوطن إلا غنيمة، ولا يرى في الدولة إلا خزينة، ولا يرى في الشعب إلا سلماً يصعد عليه نحو النفوذ.والمأساة العراقية الكبرى ليست في الفساد وحده، بل في اعتياد الفساد. ليست في الظلم وحده، بل في تحول الظلم إلى أمر مألوف. ليست في كثرة الأكاذيب، بل في تصديقها بعد تكرارها آلاف المرات. هنا يبدأ الانهيار الحقيقي؛ حين يفقد المجتمع حساسيته الأخلاقية ويعتاد القبح حتى يراه جمالاً، ويعتاد الخطأ حتى يراه حقاً، ويعتاد الكذب حتى يظنه حقيقة.عندها يصبح الوطن كله أشبه بمضيف كبير امتلأ بالأسئلة لكنه فقد الإجابات.ولعل أخطر ما أصاب العراق خلال العقود الأخيرة هو تآكل ذلك الحياء الجمعي الذي كان يشكل سوراً أخلاقياً للمجتمع. ففي الأزمنة الماضية كان الإنسان يخشى كلام الناس لأنه يخجل من نفسه أولاً، أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وصار بعض الناس يجاهرون بما كانوا يخفونه، ويتفاخرون بما كان يُعد عيباً، وكأن القيم القديمة أصبحت عبئاً على زمن يقدّس المنفعة ويحتقر الفضيلة.إن الحياء في معناه الفلسفي ليس ضعفاً كما يظنه البعض، بل هو أعلى درجات القوة. لأن الإنسان القادر على كبح رغباته وجشعه وأنانيته أقوى من الإنسان الذي يطلق غرائزه بلا قيود. والحياء ليس خوفاً من الناس، بل احترام للنفس، وإدراك عميق بأن للكرامة الإنسانية حدوداً لا يجوز تجاوزها. ولهذا كانت الحضارات العظيمة تُبنى بالأخلاق قبل أن تُبنى بالحجارة، وتنهار أخلاقياً قبل أن تنهار سياسياً أو اقتصادياً.حين نتأمل واقع العراق اليوم نجد أن معظم أوجاعه يمكن اختصارها بتلك الكلمة التي قالها الشاب للشيخ: "يستحي". فلو استحى الفاسد لما سرق، ولو استحى المسؤول لما أهمل، ولو استحى التابع لما باع وطنه، ولو استحى المتطرف لما سفك الدماء، ولو استحى المنافق لما زيّف الحقائق، ولو استحى الجميع قليلاً لوفروا على العراق سنوات طويلة من النزيف والخراب.ولذلك فإن خلاص الأوطان لا يبدأ دائماً من صناديق الاقتراع ولا من المؤتمرات السياسية ولا من الخطط الاقتصادية، بل يبدأ من إعادة بناء الضمير الإنساني. فالدولة التي تفقد أخلاقها تشبه سفينة ضخمة فقدت بوصلتها؛ قد تستمر بالإبحار زمناً، لكنها تتجه حتماً نحو الاصطدام.وإذا كانت الحكاية الشعبية قد انتهت بكلمة واحدة جمعت كل الفضائل، فإن العراق اليوم يحتاج إلى أن يستعيد المعنى العميق لتلك الكلمة. ليس حياء الخوف أو الانكسار، بل حياء المسؤولية، وحياء الضمير، وحياء الإنسان من الله ومن التاريخ ومن الأجيال القادمة. فحين يعود الحياء يعود العدل، وحين يعود العدل يعود الأمل، وحين يعود الأمل يستعيد الوطن روحه التي أرهقتها الحروب والانقسامات والخيبات.سلامٌ على كل إنسان ما زال يستحي، لأن الأمم لا تموت بفقرها، ولا تهلك بقلة مواردها، وإنما تموت يوم تفقد ذلك النور الخفي الذي يسكن الضمير، وتصبح فيه الوقاحة فضيلة، والفساد مهارة، والخيانة وجهة نظر.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البعبع الذي لا يموت .
- فقه الكرش الممتلئ.. حين يُطلب من الجائع أن يزهد في رغيفه.
- سبايكر... حين سقط الوطن مرتين.
- جمهورية الأغبياء النافعين.
- «الفأرُ الذي ابتلعَ دولةً: مذكّراتُ قارضٍ في وزارة المالية»
- «تأملاتُ لصٍّ أمام الكعبة»
- البلطجوقراطية الإعلامية: حين تُدار الحقيقة على إيقاع الضجيج.
- «جنرالاتُ النسيان: حين يُكافَأُ الوطنُ بمعاقبةِ حُرّاسه»
- الحمار الذي عاد إلى البرلمان .
- «لاهوتُ الكرةِ العراقية: كيف نصنعُ آلهتَنا ثم نبحثُ عن وطن؟»
- «خراب يبدأ من القاموس»
- لماذا سقط صدام والقذافي وبقيت إيران؟
- الدوثراكية العراقية: سيرةُ دولةٍ أضاعت الحصانَ واحتفظت بالصه ...
- أمام أنظار رئيس الوزراء العراقي.
- «الثراء الذي يقف في الطابور»
- العراق... مملكة الأصفار المفقودة.
- هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .
- جمهورية المرايا الكاذبة.
- ملف السجون السرية بعد 2003.
- كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟


المزيد.....




- -300 مليار دولار-.. كيف تحولتُ لمشكلة أمام ترامب في الاتفاق ...
- -البحث عن مخرج-.. كيف تغلبت إدارة ترامب على شكوك إيران للتوص ...
- غوتيريس يطلب الصفح من ضحايا العصابات في هايتي ويأسف لعجزه عن ...
- مجلس الشيوخ يحبط المحاولة التاسعة لكبح صلاحيات ترمب الحربية ...
- فانس في كتابه الجديد: الفجوة بين أوكرانيا وروسيا في القدرات ...
- رشوان: الرفض المصري لتهجير الفلسطينيين أسس لموقف عربي وإقليم ...
- موظف مسلح يطلق النار داخل مستشفى أمريكي ويصيب شخصين
- مكوّنة من 14 نقطة.. وكالة -بلومبيرغ- تنشر مسودة مذكرة التفاه ...
- صحيفة -يونغه فيلت-: المشاركون في قمة مجموعة السبع مستعدون لت ...
- ترامب يكشف ملامح اتفاق مع إيران يمنعها من امتلاك سلاح نووي و ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حياء الأمم حين يضيع... كيف يتحول الوطن إلى سؤال بلا جواب؟