أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - «تأملاتُ لصٍّ أمام الكعبة»














المزيد.....

«تأملاتُ لصٍّ أمام الكعبة»


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 16:47
المحور: قضايا ثقافية
    


في بلادٍ صار فيها الفسادُ أكبرَ من الخرائط، وأثقلَ من الجبال، وأكثرَ حضورًا من الكهرباء والماء والعدالة، ظهر نوعٌ جديدٌ من الزهّاد، لا يعرفه التاريخ ولا تعترف به كتبُ الفقه القديمة، زُهّادٌ يمدّون أيديهم إلى خزائن الناس طوال العام، ثم يرفعونها إلى السماء أيّام الحج وكأنهم لم يمدّوها أصلًا، وكأن المال الذي التصق بأصابعهم صار فجأةً مالًا طاهرًا بمجرد أن ارتدى صاحبه ثوبين أبيضين وردّد التلبية بين الحشود.إنها فلسفة عجيبة حقًا؛ فلسفة تقول إنك تستطيع أن تبتلع وطنًا كاملًا ثم تشرب فوقه كأسًا من ماء زمزم فيختفي الوطن من معدتك ويختفي الذنب من صحيفتك. وكأن الكعبة المشرفة تحوّلت في خيال البعض إلى مغسلةٍ عملاقة للضمائر المتسخة، يدخلها المرء محمّلًا بأوزار الناس وحقوقهم ودموعهم وآهاتهم، ثم يخرج منها وهو يتوقع أن الملائكة قد مزّقت الفواتير وأغلقت الملفات وأحرقت سجلات الحساب.
لكن السؤال الذي يطارد هؤلاء أينما ذهبوا ليس سؤال البشر بل سؤال العدالة نفسها: من قال لكم إن الله يُخدع بالمظاهر؟ ومن أوهمكم أن الطريق إلى السماء يمرّ فوق ظهور المظلومين؟ ومن أقنعكم أن المال المسروق إذا طاف سبعًا صار حلالًا بعد أن كان حرامًا؟.. إن النبي الكريم، عليه الصلاة والسلام، لم يترك بابًا للتأويل حين قال إن ابنته نفسها لو سرقت لأقام عليها الحد، لأن العدالة في جوهرها لا تعرف القرابة ولا المنصب ولا العمامة ولا ربطة العنق. العدالة لا تسأل عن اسمك بل عن فعلك، ولا تنظر إلى عدد مرات الحج بل إلى عدد القلوب التي كسرتها والأفواه التي جاعَت بسببك والحقوق التي ضاعت تحت توقيعك... ما أغرب هذا المشهد؛ رجلٌ يسرق قوت الأرامل ثم يوزع الابتسامات أمام الكاميرات وهو يلوّح بمسبحته، وآخر ينهب مشاريع الفقراء ثم يلتقط صورة بجوار الكعبة وكأنه اكتشف للتو طريق القداسة، وثالث يترك خلفه مدنًا منهكة ومدارس مهدّمة ومستشفيات متعبة ثم يعود بلقب "الحاج" منتظرًا من الناس أن ينسوا كل شيء لأن الصورة الجديدة أقوى من الذاكرة القديمة.إن بعضهم يتعامل مع الدين كما يتعامل الأطفال مع الممحاة، يكتب الخطيئة طول العام ثم يظن أن رحلةً واحدةً كافية لمسح كل السطور، ناسياً أن حقوق العباد ليست بقعة حبر على ورقة، بل أرواحٌ ودموعٌ وأعمار. وما أُخذ من الناس لا يُعاد بالدعاء وحده، بل بردّ المظالم والاعتراف بالخطأ وإعادة الحقوق إلى أصحابها.ولعل أكثر ما يثير السخرية أن اللص لا يخاف من السرقة بقدر ما يخاف من الفضيحة، ولا يخشى الحساب بقدر ما يخشى الكاميرا، فإذا وقف أمام بيت الله ارتجف من الصورة أكثر مما ارتجف من الذنب، واهتم بلقب "الحاج" أكثر من اهتمامه بلقب "الأمين". وهكذا تتحول العبادة عند بعضهم من رحلة تطهير للنفس إلى حملة علاقات عامة لتحسين السمعة.
الكعبة لم تُبنَ لتكون ملجأً للفاسدين من العدالة الأخلاقية، ولم تُشرّع العبادات لتكون جسورًا للهرب من المسؤولية، ولم ينزل الدين ليمنح اللصوص شهادات غفران مجانية. فالله الذي أمر بالحج هو نفسه الذي أمر بالعدل، والذي دعا إلى التوبة هو نفسه الذي حرّم أكل أموال الناس بالباطل، والذي فتح باب الرحمة فتح معه باب الحساب أيضًا.ولهذا فإن المأساة ليست في أن يذهب المذنب إلى الحج، فكل إنسان محتاج إلى التوبة، بل المأساة أن يذهب وهو مصرّ على ذنبه، محتفظًا بالغنيمة، متشبثًا بالمال الحرام، معتقدًا أن الطريق إلى الجنة يمكن أن يُعبَّد بأموال الفقراء. تلك ليست توبة، بل محاولة لتزيين الخطيئة بثوب أبيض.وفي النهاية تبقى الحقيقة ساخرةً وقاسيةً في آنٍ واحد: إن الله لا يحتاج إلى رؤية جواز السفر المختوم بالحج، بل إلى رؤية قلبٍ نظيف ويدٍ نظيفة وذمةٍ نظيفة. أما من سرق الناس ثم ظن أن الطواف حول الكعبة يمحو حقوقهم، فهو يشبه رجلاً سرق بنكًا كاملًا ثم ذهب إلى محل العطور ليقنع نفسه أن الرائحة الجميلة أقوى من الجريمة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البلطجوقراطية الإعلامية: حين تُدار الحقيقة على إيقاع الضجيج.
- «جنرالاتُ النسيان: حين يُكافَأُ الوطنُ بمعاقبةِ حُرّاسه»
- الحمار الذي عاد إلى البرلمان .
- «لاهوتُ الكرةِ العراقية: كيف نصنعُ آلهتَنا ثم نبحثُ عن وطن؟»
- «خراب يبدأ من القاموس»
- لماذا سقط صدام والقذافي وبقيت إيران؟
- الدوثراكية العراقية: سيرةُ دولةٍ أضاعت الحصانَ واحتفظت بالصه ...
- أمام أنظار رئيس الوزراء العراقي.
- «الثراء الذي يقف في الطابور»
- العراق... مملكة الأصفار المفقودة.
- هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .
- جمهورية المرايا الكاذبة.
- ملف السجون السرية بعد 2003.
- كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟
- الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.
- العراق بين راعي الصخول وتفلة الملا... ..
- التخريب الذي لا يُرى.
- دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟
- الموت الأخلاقي للمثقف العربي .
- نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .


المزيد.....




- شاهد.. انفجار طائرة خاصة أثناء هبوطها في جمهورية الدومينيكان ...
- الجيش الأمريكي يكشف تفاصيل إنقاذ طاقم مروحية أباتشي سقطت قرب ...
- إيران زرعت الفتنة بين ترامب ونتنياهو - مقال في التلغراف
- جوزاف عون ب -الكيباه-.. غضب لا يهدأ على الرئيس اللبناني بسبب ...
- القبض على دب بعد تجواله في مدينة يابانية
- بداية فقدان التوازن؟ شقوق وتصدعات تهدد نفوذ دونالد ترامب
- فرنسا تمنع وزير المال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش من دخول أر ...
- ممرات إيرانية وعسكرة خفية.. الجزيرة توثق واقع الملاحة بمضيق ...
- طموح أنقرة الباليستي.. لماذا تبني تركيا برنامجا صاروخيا متطو ...
- هل ما زلت تثق بخيالك؟ -تاورمينا- يجمع نجوم هوليود في مواجهة ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - «تأملاتُ لصٍّ أمام الكعبة»