أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - «الفأرُ الذي ابتلعَ دولةً: مذكّراتُ قارضٍ في وزارة المالية»














المزيد.....

«الفأرُ الذي ابتلعَ دولةً: مذكّراتُ قارضٍ في وزارة المالية»


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 21:05
المحور: قضايا ثقافية
    


في بلادٍ أنهكها الفقرُ حتى صار المواطنُ يحسبُ عددَ أرغفة الخبز كما يحسبُ الفلكيُّ عددَ النجوم، خرجت علينا فلسفةٌ سياسيةٌ جديدةٌ تستحق أن تُدرَّس في جامعات العالم لا في كليات الاقتصاد وحدها، بل في معاهد البيطرة أيضاً، لأن الفاعلَ الاقتصاديَّ الجديد لم يعد الإنسانَ ولا الدولةَ ولا الشركاتِ العابرةَ للقارات، وإنما الفأرُ العراقيُّ العبقريُّ الذي استطاع أن يحقق ما عجزت عنه أكبرُ العصابات المالية في التاريخ.لقد كنا نظنُّ أن الفأرَ مخلوقٌ بسيطٌ يبحث عن قطعة جبنٍ يابسةٍ خلف خزانةٍ مهترئة، فإذا بنا نكتشف أنه خبيرٌ استراتيجيٌّ في إدارة الثروات الوطنية، ومحللٌ ماليٌّ يمتلك من المهارات ما يجعله قادراً على التهام مئات التريليونات ثم الاختفاء دون أن يترك خلفه سوى ذيلٍ قصيرٍ وبعض آثار الأسنان على دفاتر الحسابات.أيُّ ظلمٍ تاريخيٍّ تعرضت له الفئران! لقد اتهمناها لعقودٍ بأنها تقرض الأكياسَ وتسرق الحبوب، بينما كانت في الحقيقة تديرُ اقتصاداتٍ كاملةً من وراء الجدران. ولو أن علماء الاقتصاد الكلاسيكيين عرفوا هذه الحقيقة لأعادوا كتابة نظرياتهم من جديد. آدم سميث كان سيتحدث عن «اليد الخفية»، أما نحن فقد اكتشفنا «القواطع الخفية» التي لا تنظف الخشب فقط، بل تنظف الخزائن أيضاً.تخيلوا المشهد العظيم: خزائنُ الدولة ممتلئة، والأرقامُ تتراقص فوق الشاشات، ثم تدخل فرقةٌ من الفئران الوطنية المسلحة بالإرادة والعزيمة، فتلتهم مئتي تريليون كما يلتهم طفلٌ قطعةَ حلوى، ثم تنسحب بهدوءٍ وانضباطٍ عسكريٍّ دون أن يلاحظها أحد. أيُّ انضباطٍ هذا؟ أيُّ تدريبٍ خارقٍ تلقتْه هذه القوارض؟ وأين كانت أجهزةُ الأمن وهي تراقب الحدود إذا كانت الفئران تعبرُ بين التريليونات كما يعبر السائحُ في نزهةٍ ربيعية؟.. ولأن المصائب في بلادنا لا تأتي فرادى، فإن بعض الأموال – كما يُقال – لم تأكلها الفئران أصلاً، بل اختفت وحدها. نعم، اختفت. يبدو أن النقودَ العراقية بلغت مرحلةً متقدمةً من الوعي الفلسفي، فقررت أن تمارس حريتها الشخصية وترحل. ربما سئمت من الجلوس في الخزائن وقررت السفرَ إلى جزرٍ بعيدةٍ بحثاً عن حياةٍ أفضل. وربما شعرت بالاختناق من كثرة الوعود والخطب، فهاجرت مثل ملايين البشر الذين سبقوها.يا لها من مأساةٍ وجودية! حتى الأموالُ نفسها لم تعد تحتمل العيش بيننا.إن الفلسفة السياسية الحديثة كانت تسأل: من يحكم العالم؟ أما فلسفتنا العراقية فتسأل: من أكل العالم؟ فإذا كانت الفئران قادرةً على ابتلاع التريليونات، فربما تكون هي التي تكتب الموازنات أيضاً، وربما هي التي تعين المسؤولين، وربما هي التي تظهر في المؤتمرات الصحفية مرتديةً ربطاتِ عنقٍ أنيقةً ثم تعود ليلاً إلى جحورها محملةً بأكياس النقد.والأغرب من كل ذلك أن المواطن المسكين يجلس أمام هذا المسرح العبثي كمتفرجٍ في سيركٍ كونيٍّ لا يعرف هل يضحك أم يبكي. فهو يسمع الأرقام التي تكفي لبناء مدنٍ جديدة، ثم يسمع الحكاية التي تصلح لفيلم رسومٍ متحركة، فيجد نفسه أمام معادلةٍ عجيبة: كلما كبرت الأرقامُ صغرت التفسيرات، وكلما تضخمت المأساةُ ازداد حجم النكتة.وهكذا تستمر الحياة في جمهوريتنا الفريدة؛ المواطنُ يبحث عن راتبٍ يكفيه لأيامٍ معدودة، والفأرُ – وفق الأسطورة الجديدة – يبحث عن تريليونٍ إضافيٍّ يكمل به وجبته المسائية. وبين الجوعين يبقى السؤال معلقاً فوق رؤوس الجميع: إذا كانت الفئران قد بلغت هذه الدرجة من العبقرية الاقتصادية، فلماذا لا نسلمها إدارة البلاد رسمياً؟ على الأقل سنعرف عندها أين ذهبت الأموال، لأنها ستعترف بكل بساطة: نعم، أكلناها... وكانت لذيذة!



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «تأملاتُ لصٍّ أمام الكعبة»
- البلطجوقراطية الإعلامية: حين تُدار الحقيقة على إيقاع الضجيج.
- «جنرالاتُ النسيان: حين يُكافَأُ الوطنُ بمعاقبةِ حُرّاسه»
- الحمار الذي عاد إلى البرلمان .
- «لاهوتُ الكرةِ العراقية: كيف نصنعُ آلهتَنا ثم نبحثُ عن وطن؟»
- «خراب يبدأ من القاموس»
- لماذا سقط صدام والقذافي وبقيت إيران؟
- الدوثراكية العراقية: سيرةُ دولةٍ أضاعت الحصانَ واحتفظت بالصه ...
- أمام أنظار رئيس الوزراء العراقي.
- «الثراء الذي يقف في الطابور»
- العراق... مملكة الأصفار المفقودة.
- هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .
- جمهورية المرايا الكاذبة.
- ملف السجون السرية بعد 2003.
- كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟
- الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.
- العراق بين راعي الصخول وتفلة الملا... ..
- التخريب الذي لا يُرى.
- دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟
- الموت الأخلاقي للمثقف العربي .


المزيد.....




- إيران تُعلن مقتل 3 أشخاص خلال هجوم إسرائيل الأخير
- متوعدًا بالرد.. ترامب: إيران أسقطت مروحية -الأباتشي- خلال دو ...
- سبع حيل بسيطة تساعدك على تناول طعام صحي
- إسبانيا: آلاف يتجمعون مع وصول البابا ليون 14 إلى برشلونة
- ترامب يتهم إيران بإسقاط مروحية أمريكية ويتوعد بالرد
- تقرير السلام: هكذا يُقَوِّض-أمراء الحرب الجدد- النظام الدولي ...
- تصعيد جديد.. ترمب يتهم إيران بإسقاط مروحية أمريكية ويتوعد با ...
- نافذة من لبنان.. تصعيد إسرائيلي واسع في لبنان
- مدينة صور.. الحرب تعيد رسم المشهد خلال دقائق من إنذار الإخلا ...
- كاميرا الجزيرة ترصد حركة الملاحة بمضيق هرمز


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - «الفأرُ الذي ابتلعَ دولةً: مذكّراتُ قارضٍ في وزارة المالية»