أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - سبايكر... حين سقط الوطن مرتين.














المزيد.....

سبايكر... حين سقط الوطن مرتين.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 11:16
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست جريمة سبايكر مجرد صفحة دامية في سجل العراق الحديث، بل هي مرآة كبيرة انكسرت فيها صورة الدولة كلها، وانعكست على شظاياها أسئلة ما زالت تبحث عن إجابات حتى اليوم. ففي ذلك الصيف الحارق من عام 2014 لم يُقتل أبناء العراق الذين سقطوا على ضفاف دجلة لأنهم كانوا مجرد جنود عزل فحسب، بل لأنهم وجدوا أنفسهم في قلب انهيار سياسي وأمني وأخلاقي سبق الرصاص بسنوات طويلة. كانت المجزرة لحظة انكشاف مرعبة لوطن ظن أبناؤه أن الجيوش تحميهم فإذا بها تتبخر أمام أول عاصفة، وظنوا أن المؤسسات وُجدت للدفاع عنهم فإذا بها تتحول إلى هياكل خاوية لا يسمع فيها سوى صدى الخطب والشعارات.لقد تحولت سبايكر إلى رمز وطني للألم العراقي، لأنها لم تكن مجرد عملية قتل جماعي نفذها تنظيم إرهابي متوحش، بل كانت أيضاً عنواناً لفشل منظومة كاملة يفترض أنها مسؤولة عن حماية أبنائها.ومن هنا يبدأ السؤال الذي لم يمت رغم مرور السنين: من الذي ترك هؤلاء الشباب لمصيرهم؟ ومن الذي سمح بانهيار المدن الواحدة تلو الأخرى؟ ومن الذي أوصل العراق إلى اللحظة التي أصبحت فيها المحافظات تتساقط كما تتساقط أوراق الخريف اليابسة؟ إن العدالة الحقيقية لا تكتمل بمعاقبة القاتل المباشر وحده، بل تمتد لتشمل كل من تسبب بالإهمال أو التقصير أو الفساد الذي مهد الطريق للجريمة.ولعل أكثر ما يؤلم العراقيين أن مأساة سبايكر، على فداحتها، لم تكن الجرح الوحيد في تلك السنوات السوداء. فالعراق كله كان ينزف من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب. كانت هناك الصقلاوية التي حملت وجع المفقودين والمغيبين، وكانت هناك بهرز ومساجدها التي تحولت إلى رماد، وكانت هناك سارية والإمام ويس وغيرها من المآسي التي فقد فيها العراقيون أبناءهم تحت عناوين مختلفة وأعلام مختلفة وذرائع مختلفة، لكن النتيجة كانت واحدة: مزيد من الدم العراقي ومزيد من الأمهات اللواتي ينتظرن أبناء لن يعودوا.لقد نجحت قوى التطرف والإرهاب، ومعها مشاريع الصراع الإقليمي والدولي، في تحويل العراق إلى ساحة تتقاطع فوقها المصالح وتتزاحم فوق أرضه الحسابات. ولم يكن المواطن العراقي البسيط سوى الضحية الدائمة لهذه اللعبة القاسية. فحين تتصارع المشاريع الكبرى غالباً ما يُدفع الفقراء إلى خطوط النار الأولى، وتُترك المدن لتدفع ثمن أخطاء السياسيين والعسكريين والمتنفذين. وهكذا وجد العراقي نفسه محاصراً بين إرهاب يقتل باسم الدين، وطائفية تقتل باسم المذهب، وفساد يقتل باسم الدولة، حتى بات الموت يتغير اسمه بينما يبقى الضحية هو الإنسان العراقي نفسه.والمأساة الأكبر أن كثيراً من هذه الجراح لم تُعالج بالعدالة بقدر ما عُولجت بالخطابات.فبدلاً من البحث الجاد عن الحقيقة الكاملة، انشغل الجميع باستثمار المأساة سياسياً. تحولت الدماء إلى شعارات انتخابية، وتحول الضحايا إلى أرقام تُستخدم عند الحاجة وتُنسى عند الحاجة أيضاً. وبين هذا وذاك بقيت آلاف العائلات تنتظر جواباً بسيطاً: من المسؤول؟ وأين الحقيقة؟ ولماذا لم يُحاسب الجميع وفق القانون مهما كانت مواقعهم أو انتماءاتهم؟
إن الأمم لا تنهض حين تحفظ أسماء الضحايا فقط، بل حين تحفظ أيضاً أسماء المقصرين والمتسببين بالكارثة.فالتاريخ لا يرحم الذين يهربون من المسؤولية، ولا يغفر للدول التي تكتفي بالبكاء على أبنائها دون أن تقتص لهم بالحق والقانون. ومن حق العراقيين جميعاً، دون تمييز، أن يعرفوا كيف سقطت الموصل، وكيف انهارت القطعات العسكرية، وكيف تمددت الجماعات الإرهابية بهذه السرعة، وكيف ضاعت المليارات التي قيل إنها صُرفت على بناء المؤسسات الأمنية، ثم اختفت عند أول اختبار حقيقي.لكن العراق، رغم كل شيء، لا يحتاج اليوم إلى ذاكرة انتقام بقدر ما يحتاج إلى ذاكرة عدالة. فالأحقاد لا تبني الأوطان، والطائفية لا تنتج إلا طائفية مضادة، والثأر لا يصنع دولة. إن دماء أبناء سبايكر ودماء ضحايا الصقلاوية وديالى والأنبار وصلاح الدين ونينوى وكل بقعة عراقية سالت فيها الدماء يجب أن تكون جسراً نحو الحقيقة لا وقوداً لحروب جديدة. فالموت لا يسأل الضحية عن مذهبه، والرصاصة لا تميز بين مدينة وأخرى، والقبور العراقية الممتدة على طول البلاد تشهد أن الألم كان عراقياً قبل أن يكون أي شيء آخر.إن أعظم وفاء لضحايا تلك السنوات ليس في تحويلهم إلى رايات للانقسام، بل في تحويل ذكراهم إلى مشروع وطني للمحاسبة والإصلاح. مشروع يعيد الاعتبار للدولة ويضع القانون فوق الجميع، ويكشف الحقائق كاملة مهما كانت مؤلمة، ويمنع تكرار الكارثة على يد أي جهة كانت. فالوطن الذي لا يحاسب المقصرين محكوم بتكرار مآسيه، والوطن الذي يدفن الحقيقة مع ضحاياه إنما يزرع بذور مأساة جديدة في مستقبل أبنائه.ستبقى سبايكر جرحاً مفتوحاً في الذاكرة العراقية، لكنها يجب أن تبقى أيضاً سؤالاً مفتوحاً أمام الضمير الوطني: كيف نحمي أبناءنا من تكرار المأساة؟ وكيف نبني دولة لا يُترك فيها الشباب لمصيرهم؟ وكيف نجعل دماء العراقيين جميعاً، من كل المدن والمكونات، أساساً لوطن يتسع للجميع ولا يضيع فيه حق إنسان بسبب اسمه أو منطقته أو انتمائه؟ عندها فقط يمكن للدم أن يتحول إلى درس، وللألم أن يتحول إلى حكمة، وللذاكرة أن تصبح طريقاً نحو وطن لا تتكرر فيه سبايكر أخرى، ولا صقلاوية أخرى، ولا أي مأساة جديدة تحمل اسم العراق. :::



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جمهورية الأغبياء النافعين.
- «الفأرُ الذي ابتلعَ دولةً: مذكّراتُ قارضٍ في وزارة المالية»
- «تأملاتُ لصٍّ أمام الكعبة»
- البلطجوقراطية الإعلامية: حين تُدار الحقيقة على إيقاع الضجيج.
- «جنرالاتُ النسيان: حين يُكافَأُ الوطنُ بمعاقبةِ حُرّاسه»
- الحمار الذي عاد إلى البرلمان .
- «لاهوتُ الكرةِ العراقية: كيف نصنعُ آلهتَنا ثم نبحثُ عن وطن؟»
- «خراب يبدأ من القاموس»
- لماذا سقط صدام والقذافي وبقيت إيران؟
- الدوثراكية العراقية: سيرةُ دولةٍ أضاعت الحصانَ واحتفظت بالصه ...
- أمام أنظار رئيس الوزراء العراقي.
- «الثراء الذي يقف في الطابور»
- العراق... مملكة الأصفار المفقودة.
- هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .
- جمهورية المرايا الكاذبة.
- ملف السجون السرية بعد 2003.
- كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟
- الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.
- العراق بين راعي الصخول وتفلة الملا... ..
- التخريب الذي لا يُرى.


المزيد.....




- شاهد.. عواصف شديدة تُلحق دماراً واسعاً في الغرب الأوسط الأمر ...
- إعلام إيراني: أمريكا تستهدف سفينة بضائع كانت متجهة من عُمان ...
- إيران تحذّر دولًا إقليمية وتؤكد وضع هذه الدول بـ-صف المعتدين ...
- تصعيد إقليمي جديد.. تبادل ضربات بين واشنطن وطهران وغارات مكث ...
- هل يخرج التصعيد عن السيطرة؟ تحذيرات من مواجهة أمريكية إيراني ...
- من الركام إلى الجدران.. سكان غزة يطحنون الإسمنت المتحجر لإعا ...
- مجلس السلام يستبعد نزع السلاح في غزة.. وملف إعادة الإعمار -م ...
- بقيمة 350 مليون دولار.. إسرائيل تصوّت على تمويل 61 بؤرة استي ...
- الأردن والبحرين يعلنان اعتراض وتدمير صواريخ إيرانية
- طهران: وقف النار -منعدم الجدوى- وسنعمل على ضرب مصادر الهجمات ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - سبايكر... حين سقط الوطن مرتين.