أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - جمهورية الأغبياء النافعين.














المزيد.....

جمهورية الأغبياء النافعين.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 16:09
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست المآسي الكبرى في تاريخ الأمم تلك التي تصنعها الجيوش الغازية وحدها، فالغزاة يرحلون عاجلاً أو آجلاً، وتبقى الأمم قادرة على تضميد جراحها وإعادة بناء ما تهدم، لكن الكارثة الحقيقية تبدأ حين يتحول أبناء الوطن أنفسهم إلى وقود لمعارك لا تخصهم، وحين يصبح الإنسان جندياً في مشروع لا يعرف غايته، ومدافعاً عن مصالح لا تعود عليه إلا بالفقر والخراب والمقابر الجماعية. هنا تولد تلك الجمهورية الغريبة التي لم يرسم حدودها جغرافيون، ولم يعلن قيامها زعيم أو ملك، لكنها تمددت في أكثر من بلد عربي تحت اسم واحد يمكن أن نسميه بلا تردد: جمهورية الأغبياء النافعين.و"الأغبياء النافعون" ليسوا بالضرورة جهلة أو أميين، بل قد يكون بينهم أصحاب شهادات ومناصب ومنابر، لكنهم جميعاً يشتركون في سمة واحدة؛ أنهم يعتقدون أنهم يخوضون معركة من أجل الحق بينما يتحولون في الواقع إلى أدوات في يد من يجيد إدارة الصراع. إنهم أولئك الذين أقنعوا أنفسهم بأن الطائفة وطن، وأن المذهب دولة، وأن الزعيم عقيدة، وأن الكراهية فضيلة، وأن الجار المختلف عدو يجب التخلص منه، بينما كانت الأوطان كلها تنزف تحت أقدامهم وهم يهتفون منتشين بانتصارات لم تكن سوى هزائم مؤجلة.في العراق لم تبدأ المأساة يوم انفجرت السيارات المفخخة أو امتلأت الشوارع بالحواجز الكونكريتية، بل بدأت يوم نجح تجار السياسة في تحويل الإنسان من مواطن إلى رقم داخل قطيع طائفي. هناك صار الدم يُفرز بحسب الهوية، وصار الموت يحمل بطاقة تعريف مذهبية، وصارت المقابر أكثر ازدحاماً من المدارس والمكتبات. ملايين المهجرين لم يغادروا بيوتهم لأنهم أرادوا السفر، بل لأن جمهورية الأغبياء النافعين أقنعتهم أن الوطن لم يعد يتسع للجميع. آلاف القتلى لم يسقطوا لأنهم اختلفوا حول مشروع اقتصادي أو رؤية حضارية، بل لأن أحدهم نجح في إقناعهم أن الله منح مفاتيح الجنة لفئة واحدة وأغلقها بوجه الآخرين.والمفارقة الساخرة أن الذين حملوا رايات الكراهية كانوا يظنون أنهم يدافعون عن أنفسهم، بينما كانوا يهدمون الجدران التي تحميهم. كانوا يصفقون لمن يسرق مستقبل أبنائهم لأنه يتحدث بلهجتهم، ويهتفون لمن ينهب خزائن الدولة لأنه يشاركهم الانتماء ذاته، ويغفرون للفساد والظلم والعجز لأن الطائفة أصبحت معيار البراءة الوحيد. وهكذا تحولت الوطنية إلى تهمة، والكفاءة إلى تفصيل ثانوي، وصار السؤال الأهم ليس ماذا قدم هذا المسؤول للبلد، بل لأي معسكر ينتمي.ولم يكن العراق استثناءً في هذه الحكاية السوداء، فلبنان أيضاً وجد نفسه أسيراً لمعادلات الطوائف حتى أصبح الوطن أشبه بشركة مساهمة تتقاسمها الهويات الفرعية، وأصبحت الدولة مجرد ضيف ثقيل في بيت أمراء الطوائف. أما سوريا فقد دفعت ثمناً باهظاً حين تحولت مطالب الناس وآلامهم إلى ساحة صراع مفتوحة تتنازعها المشاريع والولاءات، بينما كان السوري البسيط يدفع فاتورة الدم والتهجير والخراب. وفي اليمن تمددت المأساة حتى صار الجوع شريكاً للحرب، وصار الطفل يبحث عن رغيف الخبز بين أنقاض الشعارات الكبرى. وفي ليبيا سال النفط مع الدم، وتنازعت البنادق على وطن كان يستحق حياة أفضل من حياة المتاريس والانقسامات.إن أخطر ما في جمهورية الأغبياء النافعين أنها لا تحتاج إلى قوة خارقة كي تستمر، فهي تعيش على الخوف، وتتغذى على الجهل، وتزدهر كلما تراجع العقل. إنها جمهورية لا تبني المصانع بل تبني المتاريس، ولا تنتج المعرفة بل تنتج الشائعات، ولا تزرع الأمل بل تزرع الأحقاد. وكلما حاول أحدهم أن يسأل عن المدارس المهدمة أو المستشفيات المعطلة أو الأموال المنهوبة، جاءه الجواب جاهزاً: اسكت، فالمعركة أكبر من ذلك. وهكذا يضيع الوطن بين لص يسرق باسمه ومتعصب يقتل دفاعاً عنه.ولعل السخرية الأكثر مرارة أن كثيراً من الذين احترقوا بنار هذه الصراعات لم يكتشفوا الحقيقة إلا بعد فوات الأوان. اكتشفوا أن أبناء السياسيين يدرسون في الخارج بينما أبناؤهم يرقدون في المقابر. اكتشفوا أن قادة الفتنة يتصافحون في القصور بينما الأتباع يتقاتلون في الأزقة. اكتشفوا أن الذين كانوا يوزعون الكراهية على المنابر كانوا يتقاسمون المنافع خلف الأبواب المغلقة. واكتشفوا أخيراً أن الوطن الذي ضحوا به كان أثمن من كل الشعارات التي مزقته.إن الخروج من هذه الجمهورية لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى لحظة وعي. لحظة يدرك فيها الإنسان أن كرامته لا تُقاس بطائفته بل بمواطنته، وأن العدالة لا تحمل هوية مذهبية، وأن الفساد لا يصبح شريفاً إذا ارتدى عباءة العقيدة، وأن القاتل يبقى قاتلاً مهما كانت الراية التي يرفعها. عندها فقط تبدأ نهاية جمهورية الأغبياء النافعين، ويبدأ ميلاد جمهورية المواطنين.فالأوطان لا تموت حين يكثر أعداؤها، بل حين يقتنع أبناؤها أن الانقسام قدر، وأن الكراهية هوية، وأن الموت المشترك انتصار. أما حين ينتصر العقل على الغريزة، والوطن على الطائفة، والإنسان على أوهام التعصب، فإن التاريخ يفتح صفحة جديدة، وتبدأ الشعوب أخيراً بكتابة سيرة نجاتها بعد أعوام طويلة من العيش داخل أكبر جمهورية لم تعلن قيامها رسمياً قط، لكنها حكمت العقول قبل أن تحكم الخرائط: جمهورية الأغبياء النافعين.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «الفأرُ الذي ابتلعَ دولةً: مذكّراتُ قارضٍ في وزارة المالية»
- «تأملاتُ لصٍّ أمام الكعبة»
- البلطجوقراطية الإعلامية: حين تُدار الحقيقة على إيقاع الضجيج.
- «جنرالاتُ النسيان: حين يُكافَأُ الوطنُ بمعاقبةِ حُرّاسه»
- الحمار الذي عاد إلى البرلمان .
- «لاهوتُ الكرةِ العراقية: كيف نصنعُ آلهتَنا ثم نبحثُ عن وطن؟»
- «خراب يبدأ من القاموس»
- لماذا سقط صدام والقذافي وبقيت إيران؟
- الدوثراكية العراقية: سيرةُ دولةٍ أضاعت الحصانَ واحتفظت بالصه ...
- أمام أنظار رئيس الوزراء العراقي.
- «الثراء الذي يقف في الطابور»
- العراق... مملكة الأصفار المفقودة.
- هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .
- جمهورية المرايا الكاذبة.
- ملف السجون السرية بعد 2003.
- كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟
- الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.
- العراق بين راعي الصخول وتفلة الملا... ..
- التخريب الذي لا يُرى.
- دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟


المزيد.....




- بعد هطول أمطار شهر في ساعات.. خزان غاز يطفو في مياه الفيضانا ...
- كيف تبدو الحياة في أكثر دول العالم أمناً واستقراراً؟
- مقتل 1 وفقدان 2 في ضربة صاروخية على ناقلة قرب عمان
- قتله الجيش الإسرائيلي.. والد رضيع فلسطيني يتمسك بمواصلة السع ...
- -ضربات على المناطق الحدودية-.. باكستان تشن ضربات جوية جديدة ...
- في جلسة مغلقة داخل الكابيتول.. الكونغرس يحقق مع بيل غيتس حول ...
- خطوة غير مسبوقة في العراق: بغداد تعلن تسلّمها بيانات أسلحة و ...
- اشتباكات دامية في كينيا خلال احتجاجات على مركز حجر صحي أميرك ...
- الجيش الإسرائيلي يوسع القصف على لبنان وسقوط 12 قتيلا على الأ ...
- هجرة الأدمغة في نيوزيلندا تتصاعد.. لماذا يغادر الشباب إلى أس ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - جمهورية الأغبياء النافعين.