أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حلبجة وكربلاء... قلبٌ واحد على ضفتي الحزن.















المزيد.....

حلبجة وكربلاء... قلبٌ واحد على ضفتي الحزن.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 11:55
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست كل المآسي تكتب بالحبر، فبعضها يكتبه الماء، وبعضها تنقشه الدموع على وجوه البشر، وبعضها يتحول إلى مرآة يرى فيها الوطن صورته الحقيقية، بعيداً عن ضجيج السياسة وصخب الشعارات. وما حدث مع الطفلة رقية لم يكن مجرد حادثة غرق مؤلمة، بل كان امتحاناً أخلاقياً للعراق كله، امتحاناً كشف أن الإنسان حين يخلص لإنسانيته يصبح أكبر من قوميته، وأسمى من مذهبه، وأوسع من كل الحدود التي رسمها المتخاصمون على خرائط القلوب.لقد بكى العراق كله مع رقية، لكن حلبجة لم تبكِ وحدها، بل احتضنت الحزن كما تحتضن الأم طفلها الأخير. لم تكن ترى في تلك الطفلة القادمة من كربلاء اسماً أو عنواناً أو انتماءً، بل كانت ترى فيها ابنةً ضلت طريقها إلى حضن أمها. وهنا تبدأ الحكايات التي تستحق أن تُروى، فالأوطان لا تُقاس بعدد البيانات الرسمية، بل بعدد القلوب التي تهرع لإنقاذ قلبٍ آخر، ولو كان غريباً عنها.
لقد بكيت كثيراً وأنا أتابع تلك الوجوه القادمة من حلبجة، وجوه الرجال والنساء والشباب والأطفال، وهي تبحث عن طفلة لا تعرفها، لكنها شعرت أنها ابنتها. لم يكن أحد منهم يسأل: من أين جاءت؟ وما اسم عشيرتها؟ وما قوميتها؟ وما مذهبها؟ وهل تتكلم العربية أم الكردية؟ لأن السؤال الوحيد الذي كان يملأ المكان هو: أين طفلتنا؟ وكيف نعيدها إلى أمها؟ وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة من الصفاء، فإنه يكون قد بلغ أرقى درجات الإيمان، لأن الرحمة لا تحتاج إلى ترجمة، والمحبة لا تحتاج إلى هوية، والدمعة لا تتحدث إلا لغة القلب.في تلك الساعات الطويلة، لم يكن أهل حلبجة يبحثون عن جثمان فحسب، بل كانوا ينتشلون العراق من قاع اليأس، ويعيدون إليه شيئاً من وجهه الذي غاب طويلاً بين صراعات السياسة، ويثبتون أن الوطن الحقيقي لا يعيش في قصور الحكومات، بل في صدور الناس الطيبين الذين يعرفون أن الإنسان أخو الإنسان مهما اختلف اسمه ولسانه.رقية... يا صغيرة العراق... يا ابنة كربلاء التي احتضنتها مياه حلبجة، لقد أصبحتِ دون أن تعلمي جسراً بين قلبين، وبين مدينتين، وبين لغتين، وبين قوميتين، وبين أمٍ تبكي في كربلاء، وأمٍ أخرى كانت تبكي معك في حلبجة وكأنك ابنتها أيضاً. لقد حملك الماء جسداً، لكنك حملتِ العراق كله روحاً، وكأن الله أراد أن يقول لهذا البلد المتعب: ما زالت فيكم حياة، وما زالت الرحمة قادرة على هزيمة الكراهية.وما أروع المشهد حين اصطف أهل حلبجة خلف نعشك الصغير. رجال لم يعرفوك من قبل، لكنهم ساروا خلفك وكأنهم يشيعون قطعة من أرواحهم. نساء رفعت أكفهن بالدعاء، وشباب أنهكتهم ساعات البحث فلم يتركوا المكان حتى أعادوك إلى أهلك. كان موكب التشييع أطول من الطريق، لأن المحبة حين تمشي لا تقاس بالأمتار، بل بما تحمله القلوب من وفاء.
في تلك اللحظة، لم تعد رقية ابنة كربلاء فقط، بل أصبحت ابنة حلبجة أيضاً، وابنة زاخو، وأربيل، والسليمانية، والموصل، والبصرة، والنجف، والناصرية، والأنبار، وديالى، وصلاح الدين، وكركوك، وكل شبر من هذا الوطن الذي تعب كثيراً من الذين أرادوا تقسيمه، بينما كانت طفلة صغيرة توحده بصمتها أكثر مما فعلت آلاف الخطب والمنابر.لقد حاولت السياسة سنوات طويلة أن تقنع العراقيين بأنهم شعوب متفرقة، فجاءت طفلة غارقة لتكذب كل تلك الأكاذيب. حاولت الطائفية أن تزرع الخوف، فجاءت دموع أهل كردستان لتغسل ذلك الخوف. حاولت القومية أن تصنع أسواراً عالية، فجاء رجال حلبجة ليكسروا تلك الأسوار بأيديهم وهم يقلبون الصخور ويغيرون مجرى المياه بحثاً عن طفلة عربية، لأن الإنسانية حين تتكلم تصمت كل اللغات الأخرى.إن الذي فعله أبناء حلبجة لم يكن واجباً قانونياً، بل كان واجباً أخلاقياً، والفرق بين الاثنين أن القانون ينتهي عند حدود النص، أما الأخلاق فلا تنتهي إلا حين يطمئن القلب أن صاحبه أدى ما يمليه عليه ضميره. ولهذا سيبقى هذا الموقف واحداً من أنبل المواقف التي سيسجلها التاريخ العراقي، لأنه لم يكن انتصاراً للكرد ولا للعرب، بل كان انتصاراً للإنسان.كل الشكر والعرفان لأهل كردستان عامة، ولأهل حلبجة خاصة، وللسيدة محافظ حلبجة، ولرجال الدفاع المدني، وللغواصين، وللفرق التطوعية، ولكل من حمل حجراً، أو أزاح غصناً، أو دعا بدعوة، أو ذرف دمعة، أو وقف مواسياً لعائلة رقية. لقد كتبتم درساً لن ينساه العراق، وأثبتم أن البطولة ليست دائماً في ساحات القتال، بل قد تكون في يد تمتد لإنقاذ غريب، أو في قلب يحزن لطفلة لم يعرفها قط.إن أجمل الأوطان ليست تلك التي تخلو من المآسي، وإنما تلك التي يتحول فيها الحزن إلى جسور محبة، والدموع إلى بذور سلام، والخسارة إلى ولادة جديدة للأخوة. وها هي حلبجة، المدينة التي عرفت الألم أكثر من كثير من المدن، تقدم اليوم للعراق درساً آخر في معنى الحياة. فالذين ذاقوا مرارة الفقد، كانوا الأقدر على مواساة المفجوعين، والذين عرفوا قسوة الموت، كانوا الأسرع إلى احتضان أهل الميت.ولعل الفلسفة الأعمق في هذه الحادثة أن الله يرسل إلينا أحياناً رسائل مؤلمة، لا ليزيد أحزاننا، بل ليوقظ ما مات في أرواحنا. فقد استطاعت طفلة صغيرة أن تفعل ما لم تستطعه مؤتمرات ومفاوضات وبيانات سياسية لا تعد ولا تحصى. وحدت القلوب لأنها لم تحمل راية سوى البراءة، ولم تعرف سوى الابتسامة، ولم تترك بعد رحيلها سوى سؤال واحد: لماذا نعجز نحن الكبار عن أن نحب بعضنا كما أحبتنا هذه الطفلة بصمتها؟. أيها العراقيون... تمسكوا بهذا المشهد، واحفظوه في ذاكرتكم كما تحفظون أجمل آيات الرحمة. علموا أبناءكم أن رجلاً كردياً بكى على طفلة عربية، وأن امرأة في حلبجة دعت لابنة كربلاء كما تدعو لابنتها، وأن الغواص الذي نزل إلى الماء لم يكن يسأل عن الهوية، بل كان يبحث عن إنسان. فهذه هي الصورة التي تستحق أن تبقى، أما أصوات الفتنة والكراهية فإنها ستذوب كما يذوب الزبد، ولن يبقى إلا ما ينفع الناس.وربما لم تدرك رقية، وهي تخطو خطواتها الأخيرة فوق ضفاف الماء، أنها ستغدو بعد رحيلها رسالةً سماوية تمشي بين العراقيين، وأنها ستجمع ببراءتها ما عجزت عنه سنواتٌ طويلة من الخطابات والشعارات. لقد رحلت طفلة، لكن الذي بقي هو ضمير وطن، وبقيت حلبجة واقفةً أمام التاريخ، لا بوصفها مدينةً جريحة فحسب، بل بوصفها مدينةً داوت جراح الآخرين وهي تحمل جراحها. وهذا هو المعنى الحقيقي للأمم الكبيرة؛ أنها تمنح من وجعها أملاً، ومن دموعها عزاءً، ومن ذاكرتها المثقلة بالمآسي نوراً يهدي القلوب.رحم الله رقية رحمةً واسعة، وجعلها زهرةً من زهور الجنة، وألهم ذويها الصبر الجميل، وحفظ الله أهل كردستان جميعاً، وأهل حلبجة خاصة، وكل من شارك في البحث والإنقاذ والتشييع والمواساة. وسيبقى هذا الموقف محفوراً في ذاكرة العراق، لا لأنه موقف إنساني عابر، بل لأنه أعاد إلينا إيماننا بأن هذا الوطن، مهما أرهقته الانقسامات، ما زال قادراً على أن يجتمع حول دمعة طفل، وأن يتوحد حول جنازة بريئة، وأن يثبت للعالم كله أن الإنسان، إذا صدق مع قلبه، كان أكبر من كل الأسماء، وأسمى من كل الرايات، وأبقى من كل خلاف.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلالةُ الوجع.
- هل أنا عراقي حقًا؟.
- ميزانٌ يختلُّ حين يُصبح الوفاءُ عبئًا.
- الجنازات التي لا تنتهي عند المقابر.
- ثروةٌ تذوب..، وشعبٌ ينتظر.
- الدين الذي لا يخاف السؤال.
- الفن لا يُحاكم بالهتاف.
- الكلمة صنعت وطنًا من الحبر.
- الدولة التي كبرت فيها الرواتب وصغر فيها الإنسان.
- وهم الانتصار… حين تُدار الهزائم بلغة النصر.
- الإصلاح لا يرث الكراهية.
- حياء الأمم حين يضيع... كيف يتحول الوطن إلى سؤال بلا جواب؟
- البعبع الذي لا يموت .
- فقه الكرش الممتلئ.. حين يُطلب من الجائع أن يزهد في رغيفه.
- سبايكر... حين سقط الوطن مرتين.
- جمهورية الأغبياء النافعين.
- «الفأرُ الذي ابتلعَ دولةً: مذكّراتُ قارضٍ في وزارة المالية»
- «تأملاتُ لصٍّ أمام الكعبة»
- البلطجوقراطية الإعلامية: حين تُدار الحقيقة على إيقاع الضجيج.
- «جنرالاتُ النسيان: حين يُكافَأُ الوطنُ بمعاقبةِ حُرّاسه»


المزيد.....




- حركة الملاحة في مضيق هرمز ترتفع مع استمرار المفاوضات
- مسؤول أمريكي: مناقشات عسكرية وسياسية بين لبنان وإسرائيل في ج ...
- حزب -التراث- البريطاني: لم نحقق الاستقلال الكامل رغم مرور 10 ...
- كم مرة ينبغي أن تمشّطي شعرك؟
- تدريبات يابانية أمريكية مشتركة على استطلاع السفن ليلا بواسطة ...
- واشنطن تستضيف جولة جديدة من المفاوضات بين إسرائيل ولبنان
- إيران وأمريكا تشكّلان 4 مجموعات عمل عقب محادثات سويسرا
- السعودية تؤكد دعمها لسوريا وتوجه نداء باسم العرب
- استعدادات المعارضة بين حسابات الفوز بالسلطة ومصالح الشعب
- ما بين الشوطين: ما هو مستقبل المقاومة في لبنان؟


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حلبجة وكربلاء... قلبٌ واحد على ضفتي الحزن.