أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الإصلاح لا يرث الكراهية.














المزيد.....

الإصلاح لا يرث الكراهية.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 22:50
المحور: قضايا ثقافية
    


كل ثورة عظيمة تبدأ بفكرة، لكنها تموت حين تتحول الفكرة إلى طقس، وحين يصبح الإنسان أكثر ولاءً للمشهد من ولائه للمبدأ. وما أكثر الثورات التي انتصرت في لحظة ميلادها ثم هُزمت على أيدي من ادّعوا أنهم ورثتها، لأنهم حفظوا الدمعة ونسوا الرسالة، وأتقنوا البكاء وأهملوا الإصلاح، وأورثوا أبناءهم ذاكرةً مثقلة بالغضب بدل أن يورثوهم ضميرًا يرفض الظلم حيثما كان.إن المصلحين لا يخرجون ليصنعوا أممًا تعيش على الثأر، وإنما ليصنعوا أجيالًا تؤمن بأن العدالة أقوى من الانتقام، وأن الإنسان لا يُحاسب بجريرة غيره، وأن التاريخ ليس محكمةً أبدية يُقاد إليها الأبناء بسبب أفعال الآباء. ولو كانت الرسالات تُبنى على توريث الأحقاد لما بقي في الأرض شعبٌ واحد، ولتحولت الإنسانية كلها إلى سلاسل لا تنتهي من الانتقام، يقتل فيها الحاضر لأنه يشبه الماضي، ويُدان الأبرياء لأنهم وُلدوا بعد الجريمة بقرون.
إن أكثر ما يسيء إلى أي ثورة إصلاحية أن تُختزل في مظاهر الحزن، بينما تُهمل القيم التي قامت من أجلها. فما قيمة الدموع إذا كان الفساد يحكم؟ وما جدوى اللطم إذا كان الظالم يزداد قوة؟ وما معنى استذكار المأساة إذا كان المظلوم في حاضرنا لا يجد من ينصفه؟ إن الوفاء الحقيقي للمصلحين لا يكون بإعادة تمثيل مأساتهم، بل بمنع صناعة. مآسٍ جديدة، ولا يكون بتكرار الألم، بل بالقضاء على أسبابه.لقد أصبح بعض الناس يتقنون استدعاء التاريخ أكثر من مواجهة الواقع، فيصرخون بأسماء الأمس بينما يصمتون أمام ظلم اليوم، ويبحثون عن قتلة مضى عليهم أربعة عشر قرنًا، لكنهم يغضون الطرف عن كل من يسرق وطنًا أو يهدر كرامة إنسان أو يبدد ثروة شعب. وكأن المظلوم الذي مات قبل قرون أغلى من المظلوم الذي يقف اليوم في طابور الفقر، أو ينتظر علاجًا لا يأتي، أو ينام في بيتٍ بلا كهرباء ولا ماء ولا كرامة.أي تناقضٍ هذا الذي يجعل الإنسان يبكي على العدالة التاريخية، ثم يبرر الظلم السياسي؟ وأي وفاءٍ هذا الذي يرفع راية الإصلاح بينما يتسامح مع الفساد؟ إن المبادئ لا تتجزأ، فمن رفض الظلم بالأمس لا يجوز أن يقبل به اليوم، ومن أحب المصلحين حقًا لا يمكن أن يتحول إلى شريك في صناعة الخراب، بالصمت أو التبرير أو التقديس الأعمى.إن الأوطان لا تبنيها الذاكرة وحدها، وإنما يبنيها الضمير. والضمير لا يسأل الإنسان: إلى أي طائفة تنتمي؟ بل يسأله: هل أنصفت المظلوم؟ هل قاومت الفساد؟ هل حفظت المال العام؟ هل أطعمت الجائع؟ هل صنت كرامة الإنسان؟ تلك هي الأسئلة التي تصنع الحضارات، أما أسئلة الثأر فإنها لا تصنع إلا مقابر جديدة.وليس أعظم إساءة لأي رمز إصلاحي من تحويله إلى وسيلة لتمزيق المجتمع الذي أراد إصلاحه. فالثورات التي خرجت من أجل الكرامة لا يجوز أن تتحول إلى أدوات لإذلال الآخرين، والرموز التي أرادت جمع الناس على الحق لا ينبغي أن تُستعمل لإدامة الانقسام بينهم. فالحق لا يحتاج إلى الكراهية ليبقى حقًا، والعدل لا يحتاج إلى الانتقام ليكون عدلًا، والإصلاح لا يعيش في بيئة يحكمها الحقد.إن أخطر أنواع الهزيمة ليست أن يخسر المصلح معركة، وإنما أن ينتصر اسمه وتُهزم رسالته. وعندها يصبح الناس أوفياء للشعار، خائنين للفكرة، ويصبح الماضي معبودًا، بينما يُترك الحاضر للفاسدين يعبثون به كما يشاؤون.
إن الشعوب التي تريد الحياة لا تعيش في المقابر، ولا تجعل التاريخ وطنًا دائمًا، بل تجعل منه مرآةً ترى فيها أخطاءها كي لا تكررها. أما الذين يحولون التاريخ إلى وقود للكراهية، فإنهم لا يحيون ذكرى المصلحين، بل يقتلون مشروعهم كل يوم وهم يظنون أنهم يدافعون عنه.ولذلك فإن أعظم وفاء لأي ثائر من أجل العدالة ليس أن نبقى نبكيه، بل أن نجعل وجود الظالم مستحيلاً، وأعظم عزاء لأي شهيد ليس كثرة الدموع، بل قلة المظلومين. أما إذا بقي الظلم يحكم، والفساد يسرق، والفقر ينتشر، ثم اكتفينا بترديد أسماء العظماء، فإننا لم نكن أوفياء لهم، بل اكتفينا بتحويل رسالاتهم الخالدة إلى طقوس، بينما بقي الإصلاح الذي ضحوا من أجله غريبًا يبحث عن وطن.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حياء الأمم حين يضيع... كيف يتحول الوطن إلى سؤال بلا جواب؟
- البعبع الذي لا يموت .
- فقه الكرش الممتلئ.. حين يُطلب من الجائع أن يزهد في رغيفه.
- سبايكر... حين سقط الوطن مرتين.
- جمهورية الأغبياء النافعين.
- «الفأرُ الذي ابتلعَ دولةً: مذكّراتُ قارضٍ في وزارة المالية»
- «تأملاتُ لصٍّ أمام الكعبة»
- البلطجوقراطية الإعلامية: حين تُدار الحقيقة على إيقاع الضجيج.
- «جنرالاتُ النسيان: حين يُكافَأُ الوطنُ بمعاقبةِ حُرّاسه»
- الحمار الذي عاد إلى البرلمان .
- «لاهوتُ الكرةِ العراقية: كيف نصنعُ آلهتَنا ثم نبحثُ عن وطن؟»
- «خراب يبدأ من القاموس»
- لماذا سقط صدام والقذافي وبقيت إيران؟
- الدوثراكية العراقية: سيرةُ دولةٍ أضاعت الحصانَ واحتفظت بالصه ...
- أمام أنظار رئيس الوزراء العراقي.
- «الثراء الذي يقف في الطابور»
- العراق... مملكة الأصفار المفقودة.
- هيأة التقاعد.. جمهورية الأرقام التي لا تنام .
- جمهورية المرايا الكاذبة.
- ملف السجون السرية بعد 2003.


المزيد.....




- المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني يصدر -بيانا للشعب- عقب إ ...
- ترامب يشيد بدور بوتين وشي في تسهيل التوصل إلى تسوية مع إيران ...
- بيان مشترك لأربع دول أوروبية تؤكد استعدادها لرفع العقوبات عن ...
- جمهورية الكونغو الديمقراطية.. وفاة 181 شخصا وإصابة 782 بفيرو ...
- صور غامضة حذفت في لمح البصر.. مع من التقى ترامب في البيت الأ ...
- لماذا القضاء الفرنسي ضد فلسطين؟
- ترحيب واسع.. ماذا قالوا عن اتفاق أمريكا وإيران؟
- من الضاحية إلى جنيف.. ماذا نعرف عن اتفاق أمريكا وإيران وكوال ...
- ترامب: مضيق هرمز يفتح الجمعة مع توقيع اتفاق السلام
- ترامب يصعد الضغوط على إيران قبيل المفاوضات النهائية


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الإصلاح لا يرث الكراهية.