أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - شموخ الجبال لا يُقاس بالارتفاع.














المزيد.....

شموخ الجبال لا يُقاس بالارتفاع.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8749 - 2026 / 6 / 27 - 18:14
المحور: قضايا ثقافية
    


هناك أممٌ تُعرَف من ضجيجها، وأممٌ تُعرَف من أفعالها، وأممٌ لا تحتاج إلى أن تتحدث عن نفسها كثيرًا لأن أخلاقها تتكلم نيابة عنها في الأسواق والطرقات والحقول والجبال، وحين أتأمل تجربتي التي امتدت أكثر من عقدٍ من الزمن بين أبناء الشعب الكردي، أجدني أمام حقيقة لا يمكن للمجاملات أن تصنعها، ولا للدعايات أن تفرضها، ولا للسياسة أن تزينها، وهي أن الإنسان لا يُعرف من الشعارات التي يرفعها، بل من السلوك الذي يمارسه حين لا يراقبه أحد.لقد رأيت رجالًا يتركون أعمالهم عند سماع الأذان، لا لأن أحدًا يجبرهم على ذلك، بل لأن في داخلهم يقينًا بأن ما عند الله أكبر من كل مكاسب الدنيا، ورأيت كبار السن يحملون وقار العمر كما يحمل الجبل ثلجه، لا يتذمرون من التعب، ولا يشتكون من مشقة الحياة، بل يمضون في أعمالهم بصمت الذين تعلموا أن الكرامة ليست كلمة تُقال بل حياة تُعاش. ورأيت في كثير من وجوه الناس هناك صفاءً يشبه مياه الينابيع التي تنحدر من أعالي كردستان، ماءً لم تلوثه ضوضاء المدن الكبرى ولا صخب المصالح العابرة.ولعل أكثر ما يلفت النظر أن المجتمع حين يحترم نفسه ينعكس ذلك على تفاصيله الصغيرة قبل الكبيرة، فلا يكون الشرف شعارًا للمناسبات، بل ثقافة يومية، ولا تكون الأخلاق زينة للكلام، بل منهجًا في التعامل. ومن هنا تبدو المرأة الكردية صورة مختلفة من صور الاعتزاز بالنفس، فهي لا تستجدي الاحترام لأنها تفرضه بحضورها الواثق، ولا تبحث عن قيمتها في أعين الآخرين لأنها تعرف قيمتها في داخلها. تمشي وكأنها تحمل تاريخًا طويلًا من الكبرياء النبيل، وتتحدث بثقة من يعرف مكانه في الحياة، فلا تحتاج إلى ضجيج المظاهر كي تثبت جمالها، لأن الجمال الحقيقي يبدأ من احترام الإنسان لذاته قبل أن يبدأ من ملامحه.إن المجتمعات التي تبني أبناءها على الثقة بالنفس لا تحتاج إلى كثير من الأقنعة، أما المجتمعات التي تفرغت للمظاهر فقد أضاعت الجوهر وهي تطارد الصورة. ولذلك فإنك حين ترى تلك الوجوه الخارجة من أحضان الجبال والسهول والينابيع تشعر أن الطبيعة تركت أثرها فيها؛ فكما أن الجبل لا ينحني للعواصف، كذلك الإنسان الذي تربى في حضرته يتعلم معنى الثبات، وكما أن الينبوع يمنح الماء للجميع دون تمييز، كذلك الكرم يصبح جزءًا من تكوينه الروحي.ولست أكتب هذا من باب العاطفة العابرة أو الانبهار المؤقت، بل من تجربة طويلة علمتني أن الحكم على الشعوب من بعيد ظلمٌ لها، وأن أكثر الناس قسوة في أحكامهم هم أولئك الذين لم يعيشوا بين من يتحدثون عنهم. فالإنسان لا يعرف مجتمعًا من الأخبار، ولا من الشائعات، ولا من الخطابات المتشنجة، بل يعرفه حين يشاركه خبزه اليومي، ويجلس معه على مائدة واحدة، ويمشي معه في دروب الحياة، عندها فقط تسقط الصور المسبقة وتظهر الحقائق.إن الذين يحاولون التقليل من شأن الشعب الكردي إنما يخطئون حين يختزلون أمة كاملة في تصورات ضيقة أو خصومات عابرة، لأن الشعوب أكبر من السياسة، وأبقى من الخلافات، وأعمق من الأحكام السريعة. والشعب الكردي ليس مجرد جماعة بشرية تسكن الجبال، بل هو تاريخ طويل من الصبر والكفاح والوفاء للأرض، وهو جزء أصيل من نسيج العراق، مثلما تكون الجبال جزءًا من ملامح الأفق لا يمكن اقتلاعها أو تجاهلها.وحين أقف أمام جبال كردستان الشامخة أشعر أن الطبيعة نفسها تلقي درسًا في الفلسفة؛ فكلما ارتفع الجبل ازداد تواضعًا أمام السماء، وكلما اشتدت الرياح عليه ازداد رسوخًا في الأرض، وكأنها تقول للإنسان إن القوة الحقيقية ليست في الصراخ بل في الثبات، وليست في ادعاء الفضائل بل في ممارستها. وربما لهذا السبب خرج من تلك الربوع أناس يحملون شيئًا من صبر الصخور ونقاء الينابيع وهدوء الغابات.إن أجمل ما يمكن أن يقال عن أي شعب ليس أنه كامل، فالكمال ليس من صفات البشر، بل أن ميزان الخير فيه راجح، وأن قيم الكرم والوفاء والشهامة والاحترام ما زالت حية في تفاصيل حياته اليومية. وما وجدته بين كثير من أبناء الشعب الكردي كان صورة لهذه المعاني التي بدأت تختفي في أماكن كثيرة من عالمنا المضطرب، حتى أصبح الإنسان يفتش عن الصدق كما يفتش العطشان عن الماء في الصحراء.ولذلك فإن الإنصاف يقتضي أن نتعلم قبل أن نحكم، وأن نعيش بين الناس قبل أن نصدر الأحكام عليهم، وأن ندرك أن الأمم لا تُعرف من أصوات الكارهين لها، بل من أخلاق أبنائها. ومن عاش بين الكرد وعرف كرمهم وتسامحهم ونبل معاشرتهم واحترامهم للآخر، سيدرك أن بعض الجبال لا تُقاس بارتفاعها عن سطح الأرض، بل بما تزرعه في أرواح أبنائها من شموخ، وأن بعض الشعوب لا تحتاج إلى من يدافع عنها، لأن أخلاقها هي أعظم دفاع عنها، وأبلغ شهادة لها.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجوع ليس قدرًا... بل امتيازات الآخرين
- الحسين الذي ضاع بين الهتاف والغنيمة.
- الحسين .
- أيها العراقيون... تذكّروا من أنتم.
- مات لأن اللصوص كانوا أكثر جوعًا منه.
- ثلاثة وعشرون عاماً من الانتظار على أبواب العدالة.
- التنور الذي فضح الوطن كيف أصبحت أموال الفقراء حطبًا لنار الل ...
- لا تُصلحوا العراق... حرّروا الإنسان أولًا.
- الانهيار كفنٍّ للحكم..
- حلبجة وكربلاء... قلبٌ واحد على ضفتي الحزن.
- سلالةُ الوجع.
- هل أنا عراقي حقًا؟.
- ميزانٌ يختلُّ حين يُصبح الوفاءُ عبئًا.
- الجنازات التي لا تنتهي عند المقابر.
- ثروةٌ تذوب..، وشعبٌ ينتظر.
- الدين الذي لا يخاف السؤال.
- الفن لا يُحاكم بالهتاف.
- الكلمة صنعت وطنًا من الحبر.
- الدولة التي كبرت فيها الرواتب وصغر فيها الإنسان.
- وهم الانتصار… حين تُدار الهزائم بلغة النصر.


المزيد.....




- كيف ربح ترامب 1.4 مليار دولار من عملته المشفرة -$TRUMP- بينم ...
- داخل -شاحنات الحرية-.. كيف تروي إدارة ترامب تاريخ أمريكا للأ ...
- أول رحلة جوية مباشرة تربط مسقط بسوتشي.. 150 راكبا يدشنون خطا ...
- إيران تتوعد الولايات المتحدة وإسرائيل برد -قاسٍ- على أي هجوم ...
- بعد أيام من أحداث عابدين.. قوات إسرائيلية تنفذ توغلًا جديدًا ...
- وزير خارجية إيران يؤكد تقارير عن خطة إسرائيل لاستهداف مفاوضي ...
- استهدف مقهى شعبيًا وسط العاصمة.. ارتفاع حصيلة تفجير دمشق إلى ...
- أكثر من 640 ألف نازح لبناني عادوا إلى منازلهم.. والقرى الحدو ...
- أكثر من ألفي حالة وفاة إضافية في فرنسا خلال ذروة موجة الحر، ...
- صحيفة: نتائج فحوصات -إيجابية- لمنشطات لدى لاعبين في منتخب تو ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - شموخ الجبال لا يُقاس بالارتفاع.