أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - التنور الذي فضح الوطن كيف أصبحت أموال الفقراء حطبًا لنار اللصوص؟..














المزيد.....

التنور الذي فضح الوطن كيف أصبحت أموال الفقراء حطبًا لنار اللصوص؟..


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 18:35
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس أكثر وجعًا من شعبٍ يحصي أرغفة الخبز، بينما يحصي اللصوص رزم الدولارات. وليس أكثر مرارة من أمٍّ تُخفي دمعتها عن أطفالها لأنها لا تملك ثمن الدواء، في الوقت الذي تتحول فيه الأموال المنهوبة إلى وقودٍ لنارٍ تلتهم الملايين داخل تنورٍ طيني، وكأن العراق لم يعد وطنًا، بل مزرعةً يتسلى فيها الفاسدون بحرق أعصاب الناس قبل أموالهم.وقفتُ طويلًا أمام هذا المشهد، ولم أعرف ماذا أكتب. هل أبكي؟ أم أصرخ؟ أم أصمت؟ لقد عجزت اللغة عن وصف جريمةٍ لا تشبه الجرائم، لأن الذي يُحرق هنا ليس مجرد أوراق نقدية، بل أعمارُ فقراء، ودموعُ أرامل، ودفاترُ طلاب، وعملياتُ مرضى، وبيوتُ شبابٍ ماتت أحلامهم على أبواب المصارف ومكاتب التعيين. إن النار التي تلتهم المال ليست نارًا عادية، بل هي النار التي أُشعلت في قلب العراق منذ سنوات طويلة.أيُّ استهزاءٍ هذا بالشعب؟ وأيُّ احتقارٍ للإنسان حتى يصل الأمر إلى أن تُخبَّأ الأموال داخل تنورٍ طيني، وكأنها أرغفةٌ تنتظر النضوج؟ هل أصبح الفقير العراقي مجرد رقمٍ لا يستحق حتى احترام عقله؟ أم أن اللصوص اطمأنوا إلى أن الشعب قد تعب حتى من الغضب، وأن الخوف صار أقوى من الكرامة، وأن الجوع قد شلَّ القدرة على الثورة؟.. إن أكثر ما يرعبني ليس منظر الأموال المحترقة، بل الهدوء الذي يحيط بالمشهد. كأن الوطن اعتاد الكارثة. كأن الناس فقدوا دهشتهم. وكأن السرقة أصبحت خبرًا يوميًا لا يوقظ ضميرًا ولا يهز شارعًا. وهذه أخطر مراحل انهيار الأمم؛ حين يصبح الفساد عادة، ويصبح اللص شخصيةً نافذة، ويصبح الشريف هو الغريب... أليس غريبًا أن يُطلب من المواطن أن يربط الحجر على بطنه، وأن يتحمل انقطاع الكهرباء، وأن يصبر على البطالة، وأن ينتظر راتبًا لا يكفي أسبوعًا، بينما هناك من يخبئ ملايين الدولارات كما يخبئ الفلاح أكياس الحنطة؟ أيُّ فلسفةٍ هذه التي تجعل الجائع متهمًا، والسارق محترمًا، والمفسد محاطًا بالحمايات والمواكب والامتيازات؟.. ثم يبدأ المسرح المعتاد؛ هذا ينفي، وذاك يتهم، وثالث يشكل لجنة، ورابع يعد بالتحقيق، وخامس يتحدث عن مؤامرة، حتى تضيع الحقيقة بين البيانات، ويضيع المال بين النفوذ، ويضيع الوطن بين اللجان التي لا تلد إلا النسيان... تخيلوا للحظة لو أن هذه الفضيحة وقعت في دولة أوروبية تحترم القانون. ماذا كان سيحدث؟ كانت الحكومة ستواجه مساءلة قاسية، وكانت الاستقالات ستتوالى، وكان القضاء سيتحرك بلا انتظار، وكانت وسائل الإعلام ستلاحق كل مسؤول حتى النهاية، وكان الشعب سيملأ الساحات مطالبًا بالمحاسبة، لأن المال العام هناك ليس ملكًا للحكومة، بل ملكٌ للمواطن. أما عندنا، فكلما كبرت السرقة، كبرت معها الحصانات، وازدادت الذرائع، حتى أصبح الفساد مؤسسةً كاملة، لا مجرد أفراد... إن المشكلة الحقيقية ليست في اللصوص وحدهم، فاللص سيبقى يسرق ما دام الباب مفتوحًا. المشكلة في المنظومة التي تحميه، وفي القوانين التي تُعطَّل عندما يصل التحقيق إلى "الرؤوس الكبيرة"، وفي ثقافة الإفلات من العقاب التي جعلت بعض الفاسدين يتصرفون وكأن العراق إرثٌ شخصي لهم... لقد آن لهذا الشعب أن يقول: كفى. ليس بالعنف الأعمى، ولا بالفوضى التي تزيد الجراح، وإنما بوعيٍ جماعي، وبإرادةٍ لا تسمح بتحويل الفساد إلى قدر. إن الشعوب التي تستعيد أوطانها تبدأ أولًا باستعادة صوتها، ثم تفرض القانون على الجميع، وتُسقط قداسة المناصب أمام قداسة العدالة. فلا دولة تقوم إذا بقيت الرؤوس الكبيرة بمنأى عن الحساب، بينما يُقدَّم الصغار قرابين لامتصاص غضب الناس.الحل ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى قضاءٍ مستقل لا يخضع للهاتف السياسي، وإلى أجهزة رقابية تملك الشجاعة قبل الصلاحيات، وإلى قوانين تُسترد بها الأموال المنهوبة، وتُمنع بها الحصانات التي تحولت إلى دروعٍ للفاسدين، وإلى إعلامٍ حر لا يخاف كشف الحقيقة، وإلى مواطنٍ يدرك أن صوته في الانتخابات، وموقفه في الشارع السلمي، ورقابته على المال العام، هي أدوات حماية الدولة.إن الأمم لا تموت حين تُسرق خزائنها، بل تموت حين يقتنع أبناؤها أن السرقة قدرٌ لا يُقاوم. والخوف، مهما طال، لا يمكن أن يكون أساسًا لوطن. وإذا وصل المواطن إلى أن ينام مرتعبًا، ويأكل من القمامة، بينما يرى أمواله تُحرق أو تُدفن أو تُخبأ في التنانير، فإن الخلل لم يعد اقتصاديًا فقط، بل أخلاقيًا وسياسيًا وإنسانيًا.أما عقوبة السارق، فإنها في الدولة العادلة ليست انتقامًا، بل عدالة رادعة: استرداد المال العام كاملًا، ومحاكمة علنية عادلة، وعقوبات يحددها القانون وتُطبق على الجميع بلا استثناء، كبيرًا كان أم صغيرًا. فالمساواة أمام القانون هي التي تحمي الدولة، لا الانتقائية في المحاسبة.سيأتي يوم يسأل فيه التاريخ: كيف لوطنٍ يطفو على الثروات أن يُجوِّع أبناءه؟ وكيف استطاع حفنةٌ من الفاسدين أن يسرقوا أحلام الملايين؟ وعندها لن يتذكر أحد أسماء اللصوص إلا بوصفهم وصمةً سوداء، لكن التاريخ سيتذكر أيضًا إن كان الشعب قد وقف يومًا وقال: لن يكون المال العام حطبًا لنيران الفساد بعد اليوم، ولن يكون العراق تنورًا تُخبز فيه ثروات الفقراء على أيدي السراق.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا تُصلحوا العراق... حرّروا الإنسان أولًا.
- الانهيار كفنٍّ للحكم..
- حلبجة وكربلاء... قلبٌ واحد على ضفتي الحزن.
- سلالةُ الوجع.
- هل أنا عراقي حقًا؟.
- ميزانٌ يختلُّ حين يُصبح الوفاءُ عبئًا.
- الجنازات التي لا تنتهي عند المقابر.
- ثروةٌ تذوب..، وشعبٌ ينتظر.
- الدين الذي لا يخاف السؤال.
- الفن لا يُحاكم بالهتاف.
- الكلمة صنعت وطنًا من الحبر.
- الدولة التي كبرت فيها الرواتب وصغر فيها الإنسان.
- وهم الانتصار… حين تُدار الهزائم بلغة النصر.
- الإصلاح لا يرث الكراهية.
- حياء الأمم حين يضيع... كيف يتحول الوطن إلى سؤال بلا جواب؟
- البعبع الذي لا يموت .
- فقه الكرش الممتلئ.. حين يُطلب من الجائع أن يزهد في رغيفه.
- سبايكر... حين سقط الوطن مرتين.
- جمهورية الأغبياء النافعين.
- «الفأرُ الذي ابتلعَ دولةً: مذكّراتُ قارضٍ في وزارة المالية»


المزيد.....




- فرنسا تقيّد شرب الكحول في الأماكن العامة بظل معاناة أوروبا م ...
- تركي آل الشيخ يشكر وزير الداخلية المصري على دعم مسلسل -الأمي ...
- لغز -قنديل البحر- في سماء إيران.. طيار أمريكي يروي ما رآه قب ...
- كيف تمكّنت إيران من الصمود في وجه الولايات المتحدة؟
- لماذا تعجز الولايات المتحدة وإيران عن إرساء سلام دائم؟
- أوروبا تستعد لحرب جديدة مع روسيا
- لماذا يحتاج زيلينسكي إلى مهاجمة بيلاروس؟
- وزير الخارجية اللبناني: نطالب بدعم عربي لاستقلالية مسارنا ال ...
- المينا الهندي: الطائر -الرومانسي الشرير- الذي يهدّد البيئة و ...
- -10 سنوات على بريكست، والوعود لم تتحقق- – ديلي إكسبريس


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - التنور الذي فضح الوطن كيف أصبحت أموال الفقراء حطبًا لنار اللصوص؟..