أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - لا تُصلحوا العراق... حرّروا الإنسان أولًا.














المزيد.....

لا تُصلحوا العراق... حرّروا الإنسان أولًا.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 16:16
المحور: قضايا ثقافية
    


كلما سُرق مليار جديد، امتلأت الشاشات باللعنات، وكلما خرج فاسد من باب المحكمة أو هرب من نافذة السياسة، ارتفعت الأكف إلى السماء بالدعاء، وكأن المشكلة تعيش في جيب السارق وحده، لا في العقول التي صنعت له عرشًا، ولا في الخوف الذي شيّد له القصور، ولا في الصمت الذي ظل سنوات ينسج له عباءة القداسة. لقد تعب العراقيون من البحث عن أسماء جديدة، لأن الوجوه تتبدل، أما اللعبة فتبقى هي نفسها، وكأن الوطن يعيد تمثيل المسرحية ذاتها، ويغيّر الممثلين فقط.الحقيقة التي يخشاها الجميع أن العراق لا يحتاج إلى بطل جديد، فهذه البلاد دفنت آلاف الأبطال، لكنها ما زالت تبحث عن مواطن حر. فالبطل قد يُقتل، وقد يُغتال، وقد يُشترى، أما الإنسان الحر فهو الفكرة التي لا تُغتال، وهو الجدار الذي تتحطم عليه إمبراطوريات الفساد. لهذا لم يكن أخطر ما فعله السارق أنه أخذ المال، بل أنه نجح في إقناع الناس بأنهم عاجزون عن استعادته، وأن السياسة قدر، والفساد قضاء، وأن الوطن لا يُبنى إلا بالطاعة العمياء.لقد زرعوا داخل الإنسان العراقي سجنًا أكبر من كل السجون، سجنًا لا تُرى قضبانه، لكنه يمنع صاحبه من أن يسأل، ويخيفه من أن يعترض، ويربكه كلما اقترب من الحقيقة. جعلوه يظن أن الوطن هو الأشخاص، وأن الاعتراض خيانة، وأن النقد مؤامرة، وأن السكوت حكمة، حتى أصبح يخشى الكلمة أكثر مما يخشى اللص الذي يسرق قوت أطفاله. وهكذا تحول الخوف إلى دين سياسي جديد، وأصبح المواطن يحرس السلسلة التي تقيده بيديه، ثم يتساءل لماذا لا يتحرك.لا أحد يستطيع أن يسرق وطنًا كاملًا إذا كان الشعب واقفًا على قدميه. السرقة الكبرى لا تبدأ من خزائن الدولة، بل تبدأ من سرقة العقل. فعندما يُصادر التفكير، يصبح نهب النفط أسهل من شرب الماء، ويغدو بيع المدن مجرد خبر عابر، وتتحول المليارات إلى أرقام بلا وجوه، لأن الإنسان الذي فقد حساسيته تجاه الظلم لن يهتز مهما ارتفع حجم الكارثة.لهذا فإن أول معركة يجب أن يخوضها العراقي ليست ضد الفاسد، بل ضد النسخة الخائفة من نفسه. تلك النسخة التي تنتظر الآخرين ليبدأوا، والتي تؤجل الحقيقة إلى وقت مناسب لن يأتي أبدًا، والتي تظن أن الدعاء يغني عن الفعل، وأن الأمنيات تصنع أوطانًا. السماء لا تبني الدول، وإنما تمنح الإنسان عقلًا ليبنيها، ومن يعطل عقله ثم ينتظر المعجزات، يشبه من يلقي البذور فوق الصخور ثم يغضب لأن الحقول لم تزهر.إن الوطن لا يحتاج إلى ثورة غضب عابرة، بل إلى ثورة وعي لا تنام. فالغضب يشتعل بسرعة ويخبو بسرعة، أما الوعي فإنه يعمل بصمت، لكنه يهدم إمبراطوريات كاملة. الوعي هو أن ترفض أن تمنح صوتك لمن يشتريك بشعار، وأن ترفض أن تُستعمل وقودًا في معارك لا علاقة لها بمستقبل أطفالك، وأن تسأل كل مسؤول: من أين لك هذا؟ وأن يكون السؤال أقوى من الرصاصة، لأن الرصاصة قد تقتل رجلًا، أما السؤال الصادق فيُسقط منظومة بأكملها.إن أكبر كذبة عاشها العراقيون أن الطائفة تحميهم، أو أن القومية تنقذهم، أو أن الحزب يمنحهم الكرامة.الكرامة لا يمنحها حزب، ولا يوزعها زعيم، ولا تُورثها طائفة. الكرامة تولد يوم يرفض الإنسان أن يبيع ضميره مهما كان الثمن. وما دام العراقي ينظر إلى السارق بعين الانتماء قبل عين العدالة، فسوف يبقى السارق مطمئنًا، لأنه يعلم أن هناك من سيدافع عنه قبل أن يسمع حجج ضحاياه.إن القانون ليس كتابًا يُقرأ في الجامعات، بل هو الشعور الذي يجعل الوزير يخاف من توقيع ورقة ظالمة، ويجعل المسؤول يرتجف قبل أن يمد يده إلى المال العام، ويجعل المواطن واثقًا أن حقه لا يحتاج إلى واسطة ولا إلى سلاح. فإذا غاب هذا الشعور، تحولت الدولة إلى سوق كبيرة، يباع فيها كل شيء، حتى الإنسان نفسه.العراق لا ينقصه النفط، ولا الماء، ولا العقول، ولا التاريخ. الذي ينقصه أن يقتنع أبناؤه بأنهم أصحاب هذا البيت، لا ضيوف فيه. فالضيف يصمت إذا تهدم السقف، أما صاحب الدار فإنه يرممه بيديه. والمشكلة أن كثيرين تعاملوا مع الوطن كأنه فندق مؤقت، يأخذون منه ما استطاعوا ثم يرحلون، بينما الأوطان لا تعيش إلا بمن يعتبرها امتدادًا لكرامته الشخصية.لن يسقط الفساد لأن سياسيًا وعد بذلك، ولن ينتهي لأن خطابًا حماسيًا أُلقي فوق منصة، ولن يختفي لأننا كتبنا آلاف المقالات. الفساد يسقط يوم يشعر الفاسد أن الناس لم يعودوا يخافونه، وأن الحصانة الوحيدة هي العدالة، وأن المنصب لا يحمي صاحبه إذا خان الأمانة. في تلك اللحظة فقط، ستعود السياسة إلى معناها الحقيقي، وستعود الدولة بيتًا للجميع، لا غنيمة يتقاسمها المنتصرون.الحل ليس أن نبحث عن منقذ جديد، فهذه البلاد أُرهقت من صناعة المنقذين. الحل أن يتوقف العراقي عن صناعة الأصنام، وأن يبدأ بصناعة المواطن. فالأمم التي تعبد الأشخاص تموت معهم، أما الأمم التي تؤمن بالإنسان، فإنها تبقى واقفة حتى لو سقطت كل التماثيل. وعندما يتحرر العقل من الخوف، ويتحرر الضمير من التبعية، ويتحرر القانون من النفوذ، سيكتشف العراقي أن الطريق إلى إنقاذ الوطن لم يكن بعيدًا، بل كان يبدأ من الخطوة التي تأخر في اتخاذها سنوات طويلة؛ خطوة أن يقول للباطل: لا، وأن يقول للوطن: نعم، بالفعل لا بالشعار، وبالموقف لا بالتصفيق، وبالعدالة لا بالولاء.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانهيار كفنٍّ للحكم..
- حلبجة وكربلاء... قلبٌ واحد على ضفتي الحزن.
- سلالةُ الوجع.
- هل أنا عراقي حقًا؟.
- ميزانٌ يختلُّ حين يُصبح الوفاءُ عبئًا.
- الجنازات التي لا تنتهي عند المقابر.
- ثروةٌ تذوب..، وشعبٌ ينتظر.
- الدين الذي لا يخاف السؤال.
- الفن لا يُحاكم بالهتاف.
- الكلمة صنعت وطنًا من الحبر.
- الدولة التي كبرت فيها الرواتب وصغر فيها الإنسان.
- وهم الانتصار… حين تُدار الهزائم بلغة النصر.
- الإصلاح لا يرث الكراهية.
- حياء الأمم حين يضيع... كيف يتحول الوطن إلى سؤال بلا جواب؟
- البعبع الذي لا يموت .
- فقه الكرش الممتلئ.. حين يُطلب من الجائع أن يزهد في رغيفه.
- سبايكر... حين سقط الوطن مرتين.
- جمهورية الأغبياء النافعين.
- «الفأرُ الذي ابتلعَ دولةً: مذكّراتُ قارضٍ في وزارة المالية»
- «تأملاتُ لصٍّ أمام الكعبة»


المزيد.....




- بعد اختتام محادثات سويسرا.. هل عادت حركة الملاحة إلى مضيق هر ...
- متري: موقف الشرع من لبنان محل تقدير كبير في بيروت
- دور الألياف في الوقاية من الإصابة بالكبد الدهني
- الكرملين: بوتين سيبحث مع لوكاشينكو تهديدات زيلينسكي لبيلاروس ...
- -بريطانيا ليست عصية على الحكم... قادتها فقط لا يعرفون كيف يح ...
- -هآرتس-: -الشاباك- يحذر من عملية برية تستهدف إيلات من جهة ال ...
- -واشنطن بوست-: ارتفاع قياسي في إقبال الديمقراطيين على التصوي ...
- تحذيرات.. مئات تطبيقات iOS المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تكش ...
- لاري القط يتفوق على ستة رؤساء وزراء بريطانيين ويواصل البقاء ...
- موسكو.. غرس 27 مليون شجرة بدعم من -حديقة الذاكرة-


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - لا تُصلحوا العراق... حرّروا الإنسان أولًا.