أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الجوع ليس قدرًا... بل امتيازات الآخرين














المزيد.....

الجوع ليس قدرًا... بل امتيازات الآخرين


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 19:44
المحور: قضايا ثقافية
    


في البلاد التي يسبق فيها راتب المسؤول أحلام المواطن بعشرات السنين، لا يعود السؤال: لماذا تأخر سلم الرواتب؟ بل يصبح السؤال الأكثر إيلامًا: من الذي صنع هذا السلم المكسور أصلًا؟ ومن الذي وضع الشعب في أسفله وجلس فوق قمته يحصي الامتيازات والمخصصات والرواتب المتناسلة كالأرانب في حقول الفساد؟.. كلما ارتفعت أصوات الناس المطالبة بالعدالة، خرج علينا من يحدثنا عن العقبات والتشريعات والإجراءات واللجان والدراسات والاشتراطات وكأننا أمام مشروع لإعادة بناء الكون لا أمام قانون يضمن للموظف حقه في العيش الكريم.يقولون إن هناك عشرات التشريعات التي يجب أن تسبق إقرار سلم الرواتب، وكأن هذه التشريعات ألواح مقدسة نزلت من السماء لا يجوز الاقتراب منها أو تعديلها أو إلغاؤها.والحقيقة التي يعرفها الجميع أن أغلب هذه التعقيدات لم يصنعها الشعب، ولم يطلبها الفقير، ولم يكتبها الموظف الذي يقف في طوابير الحياة الطويلة، بل صنعتها منظومة المصالح نفسها التي تتغذى على الفوضى وتعيش عليها كما يعيش الطفيل على جسد مضيفه.إن الدولة حين تريد شيئًا تفعله، وحين لا تريد شيئًا تكتشف ألف سبب للتأجيل. هذه قاعدة سياسية قديمة بقدم السلطة نفسها. فالقرارات التي تمس مصالح الطبقة النافذة تمر أحيانًا بسرعة الضوء، أما القرارات التي تمس معاناة الناس فتدخل متاهات اللجان والدراسات والتفسيرات والاجتهادات حتى يشيخ الموضوع قبل أن يولد.والمفارقة الساخرة أن الذين يتحدثون عن صعوبة الإصلاح هم أنفسهم الذين صنعوا هذا التعقيد. فهم المهندسون الحقيقيون لهذه المتاهة، ثم يقفون عند بابها ليخبروا الضحايا أن الطريق طويل. يشبه الأمر رجلًا أشعل النار في البيت ثم أخذ يشرح للناس أسباب الحريق بلغة الخبراء.إن جوهر المشكلة ليس في عدد التشريعات، بل في تضارب المصالح.فحين يصبح القانون تهديدًا لشبكة الامتيازات، يتحول فجأة إلى قضية معقدة تحتاج سنوات. وحين يقترب من الرواتب المتعددة والمخصصات الاستثنائية والتقاعد المترهل والامتيازات التي لا تشبه أوضاع الشعوب الفقيرة، يبدأ الصمت الثقيل ويبدأ البحث عن المخارج والتبريرات.والشعوب لا تثور بسبب الفقر وحده، بل بسبب شعورها بأن الفقر أصبح سياسة. فالجوع يمكن احتماله حين يكون قدرًا عابرًا، لكنه يصبح مهينًا حين يرى الإنسان ثروة بلاده تمر أمامه كل يوم وهو عاجز عن لمس فتاتها. يصبح الألم مضاعفًا حين يدرك المواطن أن المشكلة ليست في قلة الموارد بل في طريقة توزيعها، وأن ما يكفي الجميع يذهب إلى جيوب القلة.وليس أخطر على الأوطان من اعتياد الظلم. فالظلم في بدايته صدمة، ثم يتحول إلى خبر يومي، ثم يصبح جزءًا من المشهد، ثم يتحول إلى عادة اجتماعية يتعايش معها الناس. وعند هذه النقطة تحديدًا يبدأ الخراب الحقيقي؛ لأن الشعوب لا تموت عندما تُظلم، بل عندما تتوقف عن استنكار الظلم.إن السلطة مهما امتلكت من قوة لا تستطيع أن تستمر طويلًا إذا فقدت إحساسها بالناس. والتاريخ ليس سجلًا للمنتصرين كما يظن البعض، بل هو مقبرة للأوهام السياسية التي اعتقد أصحابها أن الشعوب يمكن أن تنام إلى الأبد. فما من قوة بقيت، وما من امتياز دام، وما من نفوذ استطاع أن يهزم قانون الزمن الذي يعيد الحقوق إلى أصحابها ولو بعد حين.والمؤلم أن العراق لا ينقصه المال، ولا تنقصه الثروات، ولا تنقصه الطاقات البشرية، بل ينقصه شيء واحد فقط: العدالة. تلك الكلمة الصغيرة التي تختصر كل أزمات البلاد. فحين تغيب العدالة يصبح القانون أداة انتقائية، وتصبح الثروة حكرًا، وتصبح الوظيفة امتيازًا، ويصبح الوطن مشروعًا خاصًا بدل أن يكون بيتًا عامًا للجميع.إن المواطن العراقي لا يطلب المستحيل، ولا يحلم بالقصور، ولا يريد امتيازات استثنائية. إنه يريد فقط أن يشعر بأن الدولة تنظر إليه بوصفه إنسانًا لا رقمًا في قوائم الانتظار. يريد أن يصدق أن هناك مستقبلًا أفضل من هذا الدوران الأبدي حول الوعود نفسها والشعارات نفسها والذرائع نفسها.ويبقى السؤال معلقًا فوق رؤوس الجميع كجرس إنذار لا يتوقف عن الرنين: إذا كانت التشريعات التي تعيق العدالة قد وضعها البشر، فلماذا لا يغيرها البشر؟ وإذا كانت الامتيازات سببًا في تعطيل الإنصاف، فلماذا لا تُلغى؟ وإذا كان الشعب هو مصدر الشرعية، فلماذا يبدو دائمًا آخر من تصل إليه ثمار وطنه؟..لعل المشكلة ليست في القوانين ولا في النصوص، بل في الإرادة التي تخاف أن تخسر ما اعتادت عليه. وحين يصبح الحفاظ على الامتيازات أهم من الحفاظ على كرامة الناس، فإن السؤال لم يعد متى يُشرَّع سلم الرواتب، بل متى يستيقظ الضمير قبل أن يستيقظ الجوع.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحسين الذي ضاع بين الهتاف والغنيمة.
- الحسين .
- أيها العراقيون... تذكّروا من أنتم.
- مات لأن اللصوص كانوا أكثر جوعًا منه.
- ثلاثة وعشرون عاماً من الانتظار على أبواب العدالة.
- التنور الذي فضح الوطن كيف أصبحت أموال الفقراء حطبًا لنار الل ...
- لا تُصلحوا العراق... حرّروا الإنسان أولًا.
- الانهيار كفنٍّ للحكم..
- حلبجة وكربلاء... قلبٌ واحد على ضفتي الحزن.
- سلالةُ الوجع.
- هل أنا عراقي حقًا؟.
- ميزانٌ يختلُّ حين يُصبح الوفاءُ عبئًا.
- الجنازات التي لا تنتهي عند المقابر.
- ثروةٌ تذوب..، وشعبٌ ينتظر.
- الدين الذي لا يخاف السؤال.
- الفن لا يُحاكم بالهتاف.
- الكلمة صنعت وطنًا من الحبر.
- الدولة التي كبرت فيها الرواتب وصغر فيها الإنسان.
- وهم الانتصار… حين تُدار الهزائم بلغة النصر.
- الإصلاح لا يرث الكراهية.


المزيد.....




- هل سيُقام حفل زفاف تايلور سويفت في ماديسون سكوير جاردن؟
- مصر.. زيادة المعاشات تتجاوز متوسط معدل التضخم المتوقع لأول م ...
- نتنياهو عن السلام بين إسرائيل و-جزء من أعدائها-: القوي هو من ...
- الجزائر تثمن التفاهم الأمريكي الإيراني
- -Welt- تنشر تقريرا عن السيناريو الأسوأ في ألمانيا مع اقتراب ...
- إسبانيا.. موجة الحر تحصد أرواح أكثر من 200 شخص خلال 4 أيام
- -الأسوأ بين جميع الجولات-.. مفاوضات إسرائيلية - لبنانية صعبة ...
- ميرتس يدعو لتجميد خط الجبهة وبدء مفاوضات سلام في أوكرانيا 
- مباحثات عسكرية رفيعة بين مصر وتركيا
- 70 مليار يورو لتسليح أوكرانيا.. -بوليتيكو-: جدل حاد حول تعهد ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الجوع ليس قدرًا... بل امتيازات الآخرين