أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - مات لأن اللصوص كانوا أكثر جوعًا منه.














المزيد.....

مات لأن اللصوص كانوا أكثر جوعًا منه.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 12:21
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس أكثر قسوةً من أن يتحول الإنسان، في آخر العمر، إلى جسدٍ يبحث عن مكانٍ يضع فيه تعبه، فلا يجد سوى عربةٍ صدئة تتكئ على رصيفٍ بارد، بينما الأرض التي يحمل جنسيتها تغفو فوق بحارٍ من النفط، وجبالٍ من الذهب الأسود، وثرواتٍ تكفي لأن تُشبع أممًا بأكملها. لكن المفارقة التي لا يستطيع العقل أن يغفرها، أن الجوع لم يكن يومًا ابن الفقر، بل ابن السرقة، وأن البؤس لم يكن قضاءً سماويًا، بل قرارًا أرضيًا اتخذه الذين جعلوا من الوطن غنيمة، ومن الشعب حطامًا يُترك على الأرصفة.هذه الصورة ليست لرجلٍ نام من شدة التعب... إنها آخر صفحة في كتاب وطنٍ أنهكه الفساد، حتى صار أبناؤه يموتون على قارعة الطريق، فيما تُحصى المليارات في حسابات الذين أقسموا يومًا أنهم سيخدمون الناس، فإذا بهم يخدمون جشعهم وحده.هذا الشيخ لم يكن مجرد رجلٍ فقير، بل كان وطنًا كاملًا يلفظ أنفاسه الأخيرة. كانت تجاعيد وجهه خرائط لأعوامٍ طويلة من الكدح، وكانت يداه اللتان ارتجفتا من التعب قد حملتا من أثقال الحياة ما يكفي لأن تنحني لهما الجبال. لكنه حين بلغ العمر الذي يحتاج فيه إلى من يسنده، وجد نفسه يسند رأسه إلى خشب عربةٍ متهالكة، وكأن الدنيا كلها ضاقت حتى لم يبق له فيها سوى هذا الركن المنسي.كم هو موجع أن يشيخ الإنسان في وطنٍ غني، ثم يموت فقيرًا. وكم هو مخزٍ أن تتحول الثروة إلى لعنةٍ على أصحابها الحقيقيين، بينما تصبح نعمةً لأولئك الذين لم يعرفوا للوطن إلا طريق خزائنه. إن المأساة هنا ليست في موت رجل، بل في موت المعنى كله؛ في وطنٍ صار النفط فيه أغلى من الإنسان، وصارت المناصب أكرم من الكرامة، وصارت الخزائن الممتلئة أكثر قداسةً من البطون الخاوية.كلما نظرت إلى هذا المشهد، شعرت أن العربة لم تكن وسيلةً لجمع الرزق، بل كانت سفينةً صغيرة تحمل شيخًا عبر بحرٍ طويل من الخذلان. لم يكن يجرها بيديه فحسب، بل كان يجر خلفها سنوات الحرمان، وانكسارات العمر، وخيبات وطنٍ وعد أبناءه بالحياة، ثم تركهم يتساقطون واحدًا بعد آخر.أي فلسفةٍ هذه التي تجعل من سرق المليارات يعيش خلف الأسوار العالية، تحرسه المواكب، بينما من أفنى عمره في لقمةٍ شريفة يبحث عن ظل بابٍ لينام تحته؟ وأي عدالةٍ تلك التي تجعل الشيخوخة جريمةً يدفع ثمنها الفقراء وحدهم؟ حتى الموت نفسه بدا وكأنه أكثر رحمةً من حياةٍ استمرت تعذب هذا الرجل يومًا بعد يوم.لقد سرقوا منه كل شيء. لم يسرقوا راتبه، ولا قوت يومه فقط، بل سرقوا شبابه حين جعلوه يطارد الرغيف، وسرقوا كهولته حين تركوه يصارع الحاجة، وسرقوا شيخوخته حين لم يجد فيها فراشًا يليق بإنسان، ثم سرقوا آخر ما تبقى له... حقه في أن يرحل بكرامة.كان يرفع رأسه نحو السماء، لا لأن السماء أقرب، بل لأن الأرض ابتعدت كثيرًا عنه. كأن عينيه كانتا تقولان إن أبواب البشر أُغلقت جميعها، ولم يبق سوى باب الله مفتوحًا. فحين يفقد الإنسان وطنه وهو ما يزال يعيش فيه، يصبح الدعاء وطنه الأخير.والأشد وجعًا أن الناس اعتادوا هذا المشهد. مرّوا بجانبه كما تمر السيارات بجانب شجرةٍ يابسة، وكأن الفقر أصبح منظرًا يوميًا لا يستحق الالتفات. وهذه هي الجريمة الأكبر؛ حين يتحول الألم إلى عادة، ويتحول الإنسان إلى رقم، ويصبح موت الفقير خبرًا عابرًا لا يهز ضميرًا ولا يوقظ مسؤولًا.ثم رحل...رحل بصمتٍ كما يرحل الفقراء دائمًا. لم تتوقف من أجله نشرات الأخبار، ولم تُنكس الأعلام، ولم يُعلن الحداد، ولم يسأل الذين ملأوا خزائنهم من أموال هذا الشعب: كم واحدًا مثل هذا الشيخ مات لأننا سرقنا حقه في الحياة؟
لم يمت لأنه تعب من العمر فقط، بل مات لأن وطنًا كاملًا تأخر في إنقاذه حتى سبق الموتُ الجميع إليه. مات بعدما نام طويلًا على أرصفة الحياة، ولم يجد في بلدٍ يمتلك من الثروات ما يكفي لإسعاد شعوبٍ بأكملها سريرًا يحفظ كرامته، أو بيتًا يقيه برد الشيخوخة، أو دواءً يؤجل رحيله أيامًا قليلة.رحمك الله أيها الشيخ... لم تكن فقيرًا لأن الله كتب عليك الفقر، بل لأن أيدي اللصوص كانت أسرع من العدالة، وأقوى من القانون، وأكثر حضورًا من الضمير. لقد أخذوا لأنفسهم كل شيء، وتركوا لك الجوع، والتعب، والعربة الصدئة، والرصيف، ثم تركوا للموت أن يُكمل ما بدأوه.واليوم، وأنت تحت ترابٍ أرحم من قلوبٍ كثيرة، لم تعد تحتاج إلى وطنٍ يعتذر لك، لأن الاعتذار بعد الموت لا يعيد عمرًا ضاع، ولا يمسح دمعةً سالت، ولا يوقظ قلبًا توقف وهو ينتظر رحمةً لم تأتِ.سيبقى وجهك شاهدًا على زمنٍ اختلطت ، لا بالحبر، بل بدموع المظلومين: هنا رحل رجلٌ بسيط، كان يستحق بيتًا لا عربة، وسريرًا لا رصيفًا، وحياةً لا تنتهي بهذه القسوة. لكنه عاش في وطنٍ سرق فيه الفاسدون الخبز من أفواه الفقراء، حتى أصبح الموت أكرم من حياةٍ تُدار بأيدي السارقين.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثلاثة وعشرون عاماً من الانتظار على أبواب العدالة.
- التنور الذي فضح الوطن كيف أصبحت أموال الفقراء حطبًا لنار الل ...
- لا تُصلحوا العراق... حرّروا الإنسان أولًا.
- الانهيار كفنٍّ للحكم..
- حلبجة وكربلاء... قلبٌ واحد على ضفتي الحزن.
- سلالةُ الوجع.
- هل أنا عراقي حقًا؟.
- ميزانٌ يختلُّ حين يُصبح الوفاءُ عبئًا.
- الجنازات التي لا تنتهي عند المقابر.
- ثروةٌ تذوب..، وشعبٌ ينتظر.
- الدين الذي لا يخاف السؤال.
- الفن لا يُحاكم بالهتاف.
- الكلمة صنعت وطنًا من الحبر.
- الدولة التي كبرت فيها الرواتب وصغر فيها الإنسان.
- وهم الانتصار… حين تُدار الهزائم بلغة النصر.
- الإصلاح لا يرث الكراهية.
- حياء الأمم حين يضيع... كيف يتحول الوطن إلى سؤال بلا جواب؟
- البعبع الذي لا يموت .
- فقه الكرش الممتلئ.. حين يُطلب من الجائع أن يزهد في رغيفه.
- سبايكر... حين سقط الوطن مرتين.


المزيد.....




- مع تنحي ستارمر.. نظرة على رؤساء وزراء بريطانيا منذ عهد بلير ...
- تبدلوا 6 مرات بـ10 سنوات.. لماذا تشهد بريطانيا تغييراً مستمر ...
- إيران: لم نتفق على تفقد وكالة الطاقة الذرية لمنشآتنا النووية ...
- وفاة -نجم الخليج- في القاهرة
- تأكيدات على تفادي التصعيد في لبنان.. طهران وواشنطن تتفقان عل ...
- عيون في الظلام.. كيف يرى حزب الله تحركات جنرالات إسرائيل في ...
- اجتماع سري بين قيادات من -حماس- ووفدٍ فرنسي لأول مرة منذ حرب ...
- شاهد: طائرات فرنسية تحيي ذكرى استقلال أمريكا بتحليق فوق واشن ...
- ليلة تألق النجوم .. ميسي ومبابي وهالاند في العرس الكروي
- السعودية تؤكد دعمها لسوريا وتوجه نداء باسم العرب


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - مات لأن اللصوص كانوا أكثر جوعًا منه.