أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - أيها العراقيون... تذكّروا من أنتم.














المزيد.....

أيها العراقيون... تذكّروا من أنتم.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 10:01
المحور: قضايا ثقافية
    


قف لحظة قبل أن تكمل القراءة... وانظر إلى دمك الذي يجري في عروقك، واسأل نفسك: من أين جاء هذا العناد الذي يجعلك تتمسك بالأرض رغم الخراب؟ ومن أين جاء هذا الكبرياء الذي يجعلك ترفع رأسك كلما حاولت المحن أن تنحنيه؟ ومن أين جاءت تلك القدرة العجيبة على النهوض بعد كل سقوط؟ إنك لست ابن صدفة عابرة، ولا حفيد تاريخ صغير، بل امتداد لسلسلة طويلة من الرجال والنساء الذين صنعوا المجد فوق هذه الأرض منذ أن كانت الأمم تبحث عن طريقها في الظلام. أنت حفيد الذين شقوا الأنهار، وشيدوا المدن، وكتبوا الحرف الأول، وحرسوا حدود الوطن بصدورهم حين كانت الرياح تحمل الغزاة من كل الجهات.هذا العراق لم يولد من رحم الطوائف، بل ولدت الطوائف في حضنه، ولم ينشأ من انقسام أبنائه، بل قامت حضارته على اجتماعهم. وحين نتأمل تاريخ العراق الحديث نجد أن الشيعي والسني لم يكونا خصمين يتربص أحدهما بالآخر كما يحاول البعض تصويره اليوم، بل كانا جناحين لطائر واحد كلما أصيب أحدهما اختل توازن الوطن كله. كانا نخلتين على ضفتي نهر واحد، تختلف الجذور في اتجاهها لكن الماء الذي يسقيها واحد، والسماء التي تظلها واحدة، والأرض التي تحملها واحدة.لم يكن العراقي في أيام الشدائد يسأل من يقف معه عن مذهبه، بل كان يسأل عن شجاعته وصدقه ووفائه. كانت البصرة إذا ارتفع منها صوت الاستغاثة تسمعه الأنبار وكأنه يخرج من بيوتها، وكانت الموصل إذا ضاقت بها الأيام تجد العمارة والناصرية والكوت وبغداد تقف معها دون أن تنتظر دعوة أو مصلحة أو مكسباً. كان العراقيون يعرفون بالفطرة ما يحاول البعض اليوم إخفاءه عنهم؛ أن الوطن أكبر من كل الانتماءات الفرعية، وأن العراق إذا ضعف فلن ينجو أحد من ضعفه، وإذا نهض فلن يُستثنى أحد من نهضته.
لقد وقف أبناء العراق بمختلف مذاهبهم في وجه العدوان والإرهاب والمحن والكوارث، وسقطت أسماء كثيرة من الذاكرة وبقي العراق شاهداً على أن الدم الذي امتزج دفاعاً عنه لم يكن يحمل بطاقة تعريف مذهبية.كانت الأمهات يبكين أبناءهن بالدموع نفسها، وكانت المقابر تضم الشهداء بالتراب نفسه، وكانت الراية التي ترفرف فوق الجميع تحمل اسماً واحداً لا غير: العراق.لكن المصيبة الكبرى لم تأت من اختلاف العراقيين، بل جاءت ممن ارتزقوا على هذا الاختلاف. أولئك الذين اكتشفوا أن الطائفية تجارة رابحة، وأن تمزيق الذاكرة الوطنية أسهل من بناء وطن قوي. فراحوا يحفرون الخنادق بين أبناء الشعب الواحد، وينفخون في رماد الفتن القديمة، ويحولون الحوادث المعزولة إلى جدران نفسية شاهقة تفصل العراقي عن أخيه العراقي. وكلما اقترب الناس من بعضهم خافوا على مصالحهم، لأن وحدة العراقيين تعني نهاية أسواق الكراهية التي يبيعون فيها بضاعتهم الفاسدة.
إن أخطر ما يواجه العراق اليوم ليس اختلاف المذاهب، فالمذاهب كانت موجودة منذ قرون، والعراق كان أقوى منها جميعاً. الخطر الحقيقي هو أن ينسى العراقيون حقيقتهم الكبرى، وأن يسمحوا للآخرين بأن يختصروا تاريخهم العظيم في خلافات ضيقة. فالذي يقرأ تاريخ العراق بإنصاف يكتشف أن أعظم إنجازاته لم تتحقق إلا حين اجتمعت سواعد أبنائه، وأن أكبر نكباته وقعت يوم نجح المتربصون في تفريقهم.العراق لا يحتاج إلى خطابات غضب جديدة، بل يحتاج إلى صحوة ضمير تعيد ترتيب الأولويات. يحتاج إلى جيل يعرف أن عدوه ليس ابن مدينته الأخرى، ولا شريكه في الوطن، بل الجهل والفساد والإرهاب والتبعية وكل مشروع يريد اقتلاع العراق من جذوره الحضارية. يحتاج إلى إعلام يزرع الثقة بدل الشك، وإلى مثقف يكتب للوطن لا للطائفة، وإلى رجل دين يفتح أبواب الرحمة لا أبواب الفرقة، وإلى مواطن يدرك أن قوة العراق تبدأ من احترام أخيه العراقي مهما اختلف معه.لقد تعبت هذه الأرض من أصوات الكراهية، وحان الوقت لتسمع أصوات أبنائها الحقيقيين. تعبت من تجار الانقسام الذين يعيشون على جراحها، وحان الوقت أن يعود العراقي إلى صورته التي عرفه بها التاريخ؛ شجاعاً، كريماً، أبياً، متسامحاً، عصياً على التفكيك. فالأمم العظيمة لا تُقاس بعدد حروبها، بل بقدرتها على تجاوزها، ولا تُقاس بحجم خلافاتها، بل بقدرتها على الانتصار عليها.وإذا كان أجدادنا قد سلمونا العراق وطناً موحداً رغم الحروب والجوع والاحتلال والمحن، فبأي حق نسلمه نحن لأبنائنا ممزقاً؟ وإذا كان الذين سبقونا قد كتبوا بدمائهم فصول البقاء، فهل نعجز نحن عن كتابة فصل التآخي؟ وإذا كانت البصرة ما زالت ترى في الأنبار امتداداً لها، والموصل ترى في العمارة جزءاً من روحها، والفرات ما زال يعانق دجلة دون أن يسأل عن الهوية والمذهب، فلماذا يصر بعضنا على بناء الأسوار بين القلوب؟.. إن العراق لم يكن يوماً سنياً أو شيعياً، بل كان عراقياً أولاً، وسيبقى عراقياً ما بقيت فيه نخلة تلامس السماء، ونهر يشق الأرض، وإنسان يؤمن أن هذا الوطن أكبر من الجميع وأبقى من الجميع.فهل نستحق إرث الأجداد الذين صنعوا المجد، أم أننا سنكون الجيل الذي فرط بوطنٍ عمره آلاف السنين من أجل خلافات أصغر من أن تُذكر في سجل التاريخ؟



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مات لأن اللصوص كانوا أكثر جوعًا منه.
- ثلاثة وعشرون عاماً من الانتظار على أبواب العدالة.
- التنور الذي فضح الوطن كيف أصبحت أموال الفقراء حطبًا لنار الل ...
- لا تُصلحوا العراق... حرّروا الإنسان أولًا.
- الانهيار كفنٍّ للحكم..
- حلبجة وكربلاء... قلبٌ واحد على ضفتي الحزن.
- سلالةُ الوجع.
- هل أنا عراقي حقًا؟.
- ميزانٌ يختلُّ حين يُصبح الوفاءُ عبئًا.
- الجنازات التي لا تنتهي عند المقابر.
- ثروةٌ تذوب..، وشعبٌ ينتظر.
- الدين الذي لا يخاف السؤال.
- الفن لا يُحاكم بالهتاف.
- الكلمة صنعت وطنًا من الحبر.
- الدولة التي كبرت فيها الرواتب وصغر فيها الإنسان.
- وهم الانتصار… حين تُدار الهزائم بلغة النصر.
- الإصلاح لا يرث الكراهية.
- حياء الأمم حين يضيع... كيف يتحول الوطن إلى سؤال بلا جواب؟
- البعبع الذي لا يموت .
- فقه الكرش الممتلئ.. حين يُطلب من الجائع أن يزهد في رغيفه.


المزيد.....




- تدشين محطة ركاب قطار الاتحاد في أبوظبي.. أولى الرحلات تنطلق ...
- جفاف بحر قزوين يقترب من سيناريو بحر آرال.. والعلماء يدقون نا ...
- زاخاروفا: -بوليتيكو- رفضت نشر مقال لافروف لأنه يكشف حقيقة أك ...
- فرنسا توسع رقعة الإنذار الأحمر بسبب موجة الحر وانقطاع الكهرب ...
- بعد دعم الشرق.. هل تكسر المبادرة الأمريكية صمت حكومة الدبيبة ...
- وول ستريت جورنال تكشف كواليس مواجهة كادت تنهي مفاوضات سويسرا ...
- ترامب يتهم مجلس الشيوخ بإضعاف موقفه أمام إيران
- كوريا الجنوبية تحتجز جنديا كوريا شماليا بعد عبوره الحدود
- بعد توقف الحرب على إيران.. ماذا يعني قرار -الشيوخ- الأميركي؟ ...
- السودان على حافة انفجار اجتماعي يعمق تداعيات الحرب المتصاعدة ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - أيها العراقيون... تذكّروا من أنتم.