أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - هاتف الثلج... الرجل الذي أنقذ الذاكرة من النسيان، ومضى إلى بيروت ليعالج العين التي لم تكف عن قراءة العراق.















المزيد.....

هاتف الثلج... الرجل الذي أنقذ الذاكرة من النسيان، ومضى إلى بيروت ليعالج العين التي لم تكف عن قراءة العراق.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 16:11
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست الأسماء الكبيرة مجرد حروفٍ تتردد في سجل الثقافة، ولا هي ألقابٌ يزين بها التاريخ صفحاته، بل هي أعمارٌ كاملة تُستهلك في خدمة الفكرة، وتذوب في محراب الكلمة حتى تصبح جزءًا من الضمير الجمعي للأمة. ومن بين تلك القامات التي لم تمر في الثقافة العراقية مرورًا عابرًا، يبرز اسم الأديب الكبير هاتف الثلج، بوصفه واحدًا من أولئك الرجال الذين لم يكتبوا الأدب فحسب، بل عاشوه موقفًا ومسؤوليةً وأمانةً، حتى غدا اسمه مرتبطًا بتاريخ طويل من الصدق الفكري، والوفاء للكتاب، والانحياز الدائم إلى الإنسان.قد يبدو لقبه لأول وهلة موحيًا بالبرد والسكون، غير أن حياته كانت نقيض ذلك تمامًا؛ فقد كان شعلةً لا تنطفئ، وصوتًا ظل يهتف للثقافة العراقية في أكثر مراحلها تعقيدًا، ورجلًا عرف كيف يمشي بين العواصف دون أن يفرط بمبادئه أو يبيع قناعاته. فمنذ شبابه اختار انتماءه الفكري للحزب الشيوعي العراقي، وظل وفيًا لذلك الانتماء، لكنه في الوقت ذاته كان يؤمن بأن الكفاءة المهنية أمانة لا يجوز أن تخضع للأهواء السياسية، ولذلك حين عمل في مواقع إعلامية حساسة، واقترب من مركز القرار، ووصل إلى أن يكون ناطقًا باسم القيادة العراقية العليا، ويعمل إلى جانب الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، لم يجعل من موقعه جسرًا لتبديل قناعاته، ولم يبدل جلده كما يفعل كثيرون عندما تقترب السلطة منهم. لقد بقي كما هو؛ رجلًا يرى أن الوظيفة تكليف، وأن الانتماء الفكري شأن آخر لا يجوز الاتجار به.كانت جرأته جزءًا من تكوينه، ولم يكن يعرف كيف يهادن الحقيقة حين يراها. ولذلك دفعت به صراحته إلى الابتعاد عن بعض المواقع الرسمية، لكنه لم يخسر نفسه قط، لأن الكاتب الحقيقي لا تقاس قيمته بالمنصب، بل بما يتركه من أثر في العقول والضمائر. خرج من المكاتب، لكنه لم يغادر الثقافة، وغادر المناصب، لكنه بقي في صدارة الأدب، وظل قلمه أكثر حضورًا من أي كرسي.
لقد كتب في أهم الصحف العراقية، وأدار معارك الكلمة بشرف، لكنه كان يدرك أن أخطر ما يهدد الأمم ليس موت الإنسان، بل موت الذاكرة. ومن هنا بدأ مشروعه الثقافي الكبير، ذلك المشروع الذي لا يقل أهمية عن كتابة الرواية أو القصة، لأنه مشروع إنقاذ الأدباء المنسيين من النسيان نفسه. كان يؤمن بأن الأمم التي تنسى مبدعيها تفقد قدرتها على صناعة المستقبل، ولذلك انحاز إلى أولئك الذين غابوا عن الضوء، لا لأنهم أقل إبداعًا، بل لأن الزمن كان أكثر قسوةً عليهم.ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن هاتف الثلج أنه لم يكن جامعًا للكتب، بل جامعًا للأرواح المتناثرة بين رفوف المكتبات. لقد أعاد الحياة إلى رائد القصة العراقية عبد الملك نوري، ذلك الكاتب البغدادي الذي غاب جسده وبقي أثره مهددًا بالتبعثر، فجمع أعماله القصصية الكاملة، وقدم لها دراسات نقدية عميقة، ولم يكتف بذلك، بل أصدر أعماله المسرحية الكاملة، وجمع مقالاته وترجماته، ورسائله المتبادلة مع القاص الكبير فؤاد التكرلي، وأضاف إليها دراسات وتحليلات وسيرة وافية تكشف مكانة هذا الرائد في تاريخ السرد العراقي. لم يكن هذا عمل ناشر، بل عمل مؤرخ يعرف أن إنقاذ النص هو في الحقيقة إنقاذ لجزء من هوية العراق الثقافية.
ثم مضى إلى رائد آخر هو غانم الدباغ، ابن الموصل، الذي ترك بصمةً رفيعة في القصة العراقية، لكنه لم ينل ما يستحقه من اهتمام. فجمع أعماله القصصية الكاملة، وأعاد نشر روايته المهمة "ضجة في الزقاق"، وكتب دراسات نقدية رصينة، وأعاد تقديمه للأجيال الجديدة بوصفه أحد الأعمدة التي قامت عليها القصة العراقية الحديثة. ولم يكن ذلك مجرد تحقيق أكاديمي، بل كان فعل وفاء نادر، لأن الوفاء للمبدعين بعد رحيلهم هو أعلى درجات الوفاء للثقافة نفسها.والأجمل من ذلك كله أن هاتف الثلج لم يكتف بجمع الكتب، بل كان يمد يده إلى أصحابها وهم أحياء. ساعد كثيرًا من الأدباء على طباعة مؤلفاتهم من ماله الخاص، وفتح لهم أبواب النشر، وكان يرى أن الكتاب الذي يبقى في درج صاحبه يشبه طائرًا قُصَّ جناحه قبل أن يحلق. وحين رحل عبد الملك نوري وغانم الدباغ، لم يتركهما يغيبان في صمت الموت، بل أقام لهما مجالس الفاتحة بنفسه، وكأنه كان يقول إن الأديب لا يموت ما دام هناك من يحرس اسمه بالوفاء.ذلك هو هاتف الثلج؛ رجل لم يكن يكتب عن الثقافة من خارجها، بل كان يعيشها بكل تفاصيلها، ويؤمن أن الكاتب الحقيقي ليس من يضيف كتابًا إلى مكتبته، وإنما من يضيف اسمًا إلى ذاكرة الوطن. ولذلك ظل بيته مفتوحًا للكتاب، وقلبه مفتوحًا للأدباء، وعقله منشغلًا دائمًا بالسؤال: كيف نحفظ هذا التراث من الضياع؟واليوم، وبعد عمر طويل قضاه بين الكتب والأوراق والمخطوطات، وبعد آلاف الساعات التي أرهق فيها عينيه وهو يقرأ ويحقق ويقارن ويصحح ويبحث، يغادر هاتف الثلج إلى بيروت ليعالج بصره، وكأن القدر يريد أن يمتحن العين التي لم تتعب من قراءة العراق. إنها ليست عينًا شخصية، بل نافذة ظل الأدب العراقي يرى من خلالها كثيرًا من جماله، ولذلك فإن كل محب للثقافة يتمنى أن تستعيد تلك العين نورها، لأن فيها بقية مشاريع لم تكتمل، وبقية مخطوطات تنتظر أن يزيح عنها غبار السنين.بيروت... المدينة التي طالما كانت مطبعة العرب، وعاصمة الحرف، وملاذ الكتب، تستقبل اليوم واحدًا من أبنائها الروحيين، رجلًا عاش حياته بين الورق والحبر، في زمنٍ يحاول فيه الخراب أن ينتصر على الجمال. وما أجمل المفارقة؛ فالرجل الذي أمضى عمره يعالج عيون الثقافة من العمى، يذهب الآن ليعالج عينيه، وكأن المدينة التي أنجبت آلاف الكتب مدعوة اليوم لترد الجميل إلى رجلٍ أفنى حياته في خدمة الكتاب.نسأل الله أن يمن عليه بالشفاء العاجل، وأن يعود إلى العراق سالمًا معافى، ليواصل مشروعه الثقافي الذي لم يكن مشروع فرد، بل مشروع وطن كامل. فالعراق لا يحتاج إلى النفط بقدر حاجته إلى رجال يحرسون ذاكرته، ولا يحتاج إلى كثرة المطابع بقدر حاجته إلى من يعرف ماذا يطبع، وكيف يحفظ أسماء الذين صنعوا وجدان هذا البلد.سيعود هاتف الثلج، بإذن الله، إلى قلمه، وإلى مكتبته، وإلى أوراقه التي تعرف أن صاحبها لم يخنها يومًا، وسيظل اسمه شاهدًا على أن الثقافة ليست مهنة، بل رسالة، وأن الوفاء للأدب هو أحد أنبل أشكال الوفاء للوطن. فسلامًا لذلك القلب الذي ظل يخفق بالحروف، وسلامًا لتلك العين التي أرهقتها القراءة من أجل العراق، وسلامًا لذلك القلم الذي لم يكتب لنفسه، بل كتب لكي يبقى العراق حاضرًا في ذاكرة أبنائه، حاضرًا بكتابه، وأدبائه، ورواده، وجماله الذي لا ينطفئ.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأستاذ الدكتور ياس خضير البياتي... الرجل الذي جعل من الإعلا ...
- رسالة مفتوحة إلى دولة رئيس مجلس الوزراء.
- لا تُعلّقوا الوطن على باب اللص.
- اضرب جذور الفساد لينهض الوطن.
- شموخ الجبال لا يُقاس بالارتفاع.
- الجوع ليس قدرًا... بل امتيازات الآخرين
- الحسين الذي ضاع بين الهتاف والغنيمة.
- الحسين .
- أيها العراقيون... تذكّروا من أنتم.
- مات لأن اللصوص كانوا أكثر جوعًا منه.
- ثلاثة وعشرون عاماً من الانتظار على أبواب العدالة.
- التنور الذي فضح الوطن كيف أصبحت أموال الفقراء حطبًا لنار الل ...
- لا تُصلحوا العراق... حرّروا الإنسان أولًا.
- الانهيار كفنٍّ للحكم..
- حلبجة وكربلاء... قلبٌ واحد على ضفتي الحزن.
- سلالةُ الوجع.
- هل أنا عراقي حقًا؟.
- ميزانٌ يختلُّ حين يُصبح الوفاءُ عبئًا.
- الجنازات التي لا تنتهي عند المقابر.
- ثروةٌ تذوب..، وشعبٌ ينتظر.


المزيد.....




- نتنياهو يهنئ ترامب بذكرى استقلال أمريكا.. واجتماع مرتقب بينه ...
- آلاف الإيرانيين يلقون نظرة الوداع الأخيرة على جثمان خامنئي
- بعد سلسلة من الانتهاكات القانونية: على النائب العام إعلان مل ...
- أسطورة بندقية بنسلفانيا.. لماذا لم تعد أمريكا تكسب الحروب؟
- مراسلة الجزيرة ترصد مشاهد الدمار في بلدة صديقين جنوبي لبنان ...
- 16 شهيدا في غزة خلال يومين وانتشال جثامين من تحت الأنقاض
- من هو ضابط الأمن -البارز- الذي أعلنت الداخلية السورية القبض ...
- وسط انتقادات لبطء الإنقاذ.. فنزويلا تكشف حصيلة جديدة لضحايا ...
- أكثر من 3000 قميص.. هل يملك هذا الرجل أكبر مجموعة قمصان في ا ...
- الحداد يخيم على طهران مع انطلاق مراسم تشييع خامنئي


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - هاتف الثلج... الرجل الذي أنقذ الذاكرة من النسيان، ومضى إلى بيروت ليعالج العين التي لم تكف عن قراءة العراق.