أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - لقاء مكي... آخر الأصوات التي لم تغادر العراق.














المزيد.....

لقاء مكي... آخر الأصوات التي لم تغادر العراق.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 19:33
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس كل من يظهر على الشاشة إعلاميًا، فالشاشة منذ زمن طويل فقدت براءتها، وصارت قادرة على أن تمنح الضوء لمن لا يملك سوى الصدى، وأن تحجبه عمّن يحمل شمسًا كاملة في داخله. الإعلام الحقيقي ليس كاميرا، بل ضميرٌ يمشي على قدمين، وليس ميكروفونًا، بل مسؤولية أخلاقية تقف بين الحقيقة والسلطة، بين الدم والبلاغة، بين الخراب والكلمة التي ترفض أن تتحول إلى شاهد زور. لذلك، حين أتابع لقاء مكي العزاوي، لا أشعر أنني أستمع إلى محلل سياسي فحسب، بل إلى عقلٍ عراقي يحمل وطنه في حقيبته أينما ارتحل، ويجلس أمام العالم وفي عينيه شيء من غبار ديالى، وشيء من ماء دجلة، وشيء من نخيل العراق الذي لا يموت مهما تكاثرت عليه الحرائق.في زمنٍ صار فيه الإعلام صناعةً للضجيج، وامتهانًا للمبالغة، وتسويقًا للفراغ، يظل وجود أسماء أكاديمية رصينة مثل لقاء مكي تذكيرًا بأن الثقافة ليست زينة للمثقف، بل مسؤوليته، وأن المعرفة لا تُقاس بعدد المتابعين، وإنما بعدد الأسئلة التي تتركها في ضمير المتلقي. لقد أمضى الرجل عقودًا بين الجامعة والميدان، بين قاعات الدرس وغرف الأخبار، بين البحث العلمي ومتابعة التحولات السياسية، حتى صار واحدًا من تلك الأصوات التي يصعب اختزالها في وظيفة أو لقب، لأن التجربة الطويلة لا تُعرَّف بالمناصب، وإنما بما تتركه من أثر في الوعي.ولعل أكثر ما يلفتني في حضوره، أنه لم يسمح للمنفى أن يتحول إلى قطيعة مع العراق، فهناك من يغادر الجغرافيا فيغادر معها الذاكرة، وهناك من يحمل وطنه معه أينما ذهب، حتى يصبح المنفى مجرد عنوان بريدي، بينما تبقى الروح مقيمة في الأزقة الأولى، وفي رائحة الخبز، وفي أسماء المدن التي لا تغيب عن القلب. هكذا يبدو لقاء مكي؛ عراقيًا قبل أن يكون إعلاميًا، ومثقفًا قبل أن يكون محللًا، ولذلك تأتي إشاراته إلى العراق في كثير من أحاديثه محمّلة بحس المسؤولية والحرص، حتى حين يكون النقد حاضرًا، فهو نقد من يريد لوطنه أن ينهض، لا من يريد له أن ينكسر.وأنا لا أكتب هذا لأنني أتفق مع كل رأي سياسي يطرحه، فالرأي مساحة اجتهاد، وإنما لأنني أحترم ذلك النوع من المثقفين الذين لا يبيعون خبرتهم في سوق الضجيج، ولا يحولون الكلمة إلى سلعة موسمية. لقد أصبح الإعلام العربي، في كثير من مشاهده، مزدحمًا بأصوات مرتجلة، وبوجوه صنعتها المصادفة أكثر مما صنعتها المعرفة، حتى كاد المتلقي ينسى أن الإعلام كان يومًا علمًا وأخلاقًا ومدرسةً كاملة في التفكير. ولهذا أشعر بالأسى حين أرى أن كثيرًا من الكفاءات العراقية الكبيرة تجد نفسها مضطرة إلى أن تعيش بعيدًا عن وطنها، بينما تتصدر المشهد في الداخل أسماء لم تتعب في القراءة بقدر ما أتقنت فن الظهور.وما يؤلمني أكثر أن لقاء مكي ابن ديالى... تلك المحافظة التي لا تُنجب أبناءها من التراب وحده، بل من تاريخٍ طويل من الثقافة والعناد والجمال. ديالى التي تعرف كيف تزرع البرتقال في قلب الحروب، وكيف تجعل النهر يكتب قصيدة وهو يعبر البساتين. وربما لهذا السبب يحمل الرجل في ملامحه هدوء تلك الأرض، وفي لغته اتزانها، وفي منطقه شيئًا من حكمة المدن التي تعبت كثيرًا لكنها لم تتخل عن ابتسامتها.
وأعترف أن في داخلي حسرة صغيرة، حسرة لا تفسير منطقيًا لها؛ فأنا ابن هذا الوطن، وهو ابن هذا الوطن، وهو ابن ديالى، ولم يجمعنا لقاء واحد، مع أن الأرواح أحيانًا تتصافح قبل الأيدي. ربما لأن الحياة بارعة في تأجيل الأشياء الجميلة، وربما لأنها تعرف أن بعض اللقاءات ينبغي أن تأتي متأخرة حتى تكون أكثر امتلاءً بالمعنى. لكنني، رغم هذا الغياب، أشعر بالفخر أن العراق ما زال ينجب رجالًا من هذا الطراز، وأن ديالى ما زالت قادرة على أن تقدم للعالم عقلًا يعرف كيف يقرأ السياسة دون أن يفقد إنسانيته.إن وسامة الإنسان ليست في هندسة الوجه، بل في هندسة الموقف، غير أن لقاء مكي جمع بين الاثنين في صورة يندر اجتماعها؛ فهو وسيم الحضور كما لو أن دجلة والفرات، حين تنشر بغداد جدائلهما على كتفي الصباح، قد تركا شيئًا من صفائهما على ملامحه. غير أن الجمال الحقيقي يظل في ذلك الإصرار الهادئ على أن يبقى العراق حاضرًا في اللغة، وفي الذاكرة، وفي التحليل، وفي الضمير.سيأتي يوم يكتشف فيه العراقيون أن الأمم لا تبنيها الثروات وحدها، بل تبنيها عقولها أيضًا، وأن خسارة العالم الأكاديمي والمثقف لا تقل خطورة عن خسارة النفط أو الأرض، لأن الأرض يمكن استعادتها، أما إذا هاجر العقل، أو أُهمل، أو تُرك وحيدًا، فإن الوطن يدخل في صمت طويل. ولذلك فإن الاحتفاء بأمثال لقاء مكي العزاوي ليس احتفاءً بشخص، بل بفكرة؛ فكرة أن العراق ما زال قادرًا على إنجاب من يجعل الكلمة وطنًا، والبحث العلمي رسالة، والإعلام موقفًا لا وظيفة، وأن الأوطان، مهما أثقلتها العواصف، تبقى مدينة لأولئك الذين حملوها في ضمائرهم قبل أن يحملوها في خطاباتهم.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بلاغٌ ضدَّ وطنٍ يُباع.
- عندما تسقط الإنسانية قبل أن يسقط الإنسان.
- خرائبُ النحو.
- حين يتحول الموت إلى لغة السياسة.
- أنا الذي لا يبيع ظله.
- القرآن ليس أداةً للإهانة السياسية.
- هاتف الثلج... الرجل الذي أنقذ الذاكرة من النسيان، ومضى إلى ب ...
- الأستاذ الدكتور ياس خضير البياتي... الرجل الذي جعل من الإعلا ...
- رسالة مفتوحة إلى دولة رئيس مجلس الوزراء.
- لا تُعلّقوا الوطن على باب اللص.
- اضرب جذور الفساد لينهض الوطن.
- شموخ الجبال لا يُقاس بالارتفاع.
- الجوع ليس قدرًا... بل امتيازات الآخرين
- الحسين الذي ضاع بين الهتاف والغنيمة.
- الحسين .
- أيها العراقيون... تذكّروا من أنتم.
- مات لأن اللصوص كانوا أكثر جوعًا منه.
- ثلاثة وعشرون عاماً من الانتظار على أبواب العدالة.
- التنور الذي فضح الوطن كيف أصبحت أموال الفقراء حطبًا لنار الل ...
- لا تُصلحوا العراق... حرّروا الإنسان أولًا.


المزيد.....




- بعد قرار إخلاء سبيل والده.. محمد فضل شاكر: -مشوار جديد انكتب ...
- بعد تهديد ترامب بقصف إيران.. كاميرا CNN ترصد ما يجري على متن ...
- إيران ترد على تهديد ترامب بضربات جديدة: اعتراف بالفشل
- تيارات السحب تعود إلى الواجهة في مصر.. وتحذيرات للمصطافين من ...
- صحفي يذكّر ترامب بوصفه السابق لقادة إيران بـ-العقلانيين-.. ش ...
- نائب الرئيس الأمريكي: سنرد بقوة إذا استهدفت إيران السفن في ه ...
- ترامب يتوقع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان.. ماذا كشف بشأن سور ...
- دعوى قضائية تتهم إدارة ترامب بتسريب بيانات طالبي لجوء إيراني ...
- الجيش المصري يتدرب على التصدي لهجوم جوي مفاجئ (فيديو)
- عراقجي يرد على ترامب: الإساءة للشعب الإيراني لن تقلل من عظمت ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - لقاء مكي... آخر الأصوات التي لم تغادر العراق.