أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حين يتحول الموت إلى لغة السياسة.














المزيد.....

حين يتحول الموت إلى لغة السياسة.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 22:02
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست المآتم الكبرى مجرد وداعٍ لإنسان غادر الحياة، بل هي في كثير من الأحيان ولادة جديدة لفكرة تبحث عن عمرٍ أطول من عمر أصحابها.فالتاريخ يعلمنا أن السلطة حين تفقد أحد أعمدتها لا تكتفي بتشييع الجسد، وإنما تبدأ في تشييع الرواية التي تريد للأجيال أن تحفظها، لأن الأجساد تُدفن في التراب، أما السرديات فتُدفن في الوعي أو تُزرع فيه، والفرق بين الأمرين هو الفرق بين موت ينتهي عند القبر، وموت يتحول إلى مشروع سياسي وثقافي ورمزي يمتد لعقود طويلة.إن أي قراءة فلسفية لمشهد التشييع لا ينبغي أن تنطلق من الانفعال أو الاصطفاف، بل من محاولة فهم الكيفية التي تتحول بها الرموز إلى أدوات لإعادة تشكيل الوعي الجمعي. فحين يطول الزمن بين إعلان الوفاة وإقامة مراسم الوداع الكبرى، فإن السؤال الفلسفي لا يكون عن الأيام التي مضت، بل عن الأفكار التي نضجت خلالها، وعن الصورة التي أراد صانعو الحدث أن يروها للعالم، لأن الزمن في السياسة لا يُقاس بالساعات، وإنما بالرسائل التي يستطيع أن يحملها.ومن هنا يبدو أن الجنازات الكبرى في تاريخ الأمم كثيراً ما تجاوزت كونها مناسبة إنسانية إلى كونها مناسبة لإعادة تعريف الهوية وإنتاج الشرعية وإعادة ترتيب موازين القوى داخل الدولة وخارجها. فالسلطات، على اختلاف عقائدها وأنظمتها، تدرك أن المشهد البصري أبلغ أحياناً من آلاف الخطب، وأن نعشاً تحيط به الحشود قد يصنع أثراً لا تصنعه البيانات الرسمية. ولذلك يصبح السؤال الحقيقي: ماذا يُراد للناس أن يتذكروا بعد انتهاء مراسم الدفن؟.. إن الرمزية الدينية، حين تدخل إلى المجال السياسي، تمنح الحدث أبعاداً تتجاوز الواقع المباشر، لأن الإنسان لا يتفاعل مع الوقائع وحدها، بل مع المعاني التي تُمنح لها. وكل حضارة عبر التاريخ امتلكت قدرتها الخاصة على تحويل الفقد إلى مصدر للتماسك، والهزيمة إلى دافع للاستمرار، والانكسار إلى بداية لسردية جديدة. وهذه ليست خصوصية ثقافة بعينها، بل هي من القوانين التي حكمت تطور المجتمعات منذ أقدم العصور. ولذلك فإن قراءة أي تشييع رسمي واسع لا ينبغي أن تتوقف عند أعداد المشاركين أو حجم الحشود أو اتساع التغطية الإعلامية، بل عند اللغة الرمزية التي تصنعها الأمكنة والشعارات والصور وتسلسل المراسم، لأن الجغرافيا هنا تتحول إلى نص سياسي، والمشهد بأكمله يصبح خطاباً بصرياً يسبق الكلمات. فالانتقال بين المدن ذات الرمزية التاريخية والدينية لا يُقرأ بوصفه انتقالاً مكانياً فحسب، بل بوصفه محاولة لربط الحاضر بسلسلة طويلة من الذاكرة الجماعية التي تمنح الحدث بعداً يتجاوز الشخص نفسه.ومن زاوية أخرى، فإن المجتمعات التي تمر بمنعطفات كبرى غالباً ما تبحث عن لحظة جامعة تعيد ترتيب شعورها بالتماسك الداخلي. وقد تؤدي المناسبات العامة هذا الدور، لأنها تمنح السلطة فرصة لإظهار صورة الوحدة، كما تمنح الجمهور فرصة للتعبير عن انتماءاته المختلفة، ويبقى الواقع أكثر تعقيداً من أي صورة يمكن أن تلتقطها الكاميرات، لأن ما يظهر فوق السطح ليس دائماً مرآة كاملة لما يجري في الأعماق.كما أن انتقال القيادة في أي نظام سياسي يمثل دائماً لحظة دقيقة تتقاطع فيها اعتبارات الدستور مع اعتبارات التاريخ، وتتداخل فيها المصالح مع الرموز، ويصبح كل مشهد عام قابلاً لأن يُقرأ باعتباره رسالة تتعلق بالمستقبل بقدر ما يتعلق بالماضي. فالتشييع هنا لا يقتصر على استذكار الراحل، وإنما قد يتحول أيضاً إلى مناسبة لإظهار الاستمرارية، وطمأنة الحلفاء، وإرسال إشارات إلى الداخل والخارج بأن مؤسسات الدولة ما زالت قادرة على إدارة مرحلة الانتقال.أما العراق، بحكم مكانته الروحية والتاريخية في العالم الإسلامي، فإنه كثيراً ما يجد نفسه جزءاً من أحداث تتجاوز حدوده الجغرافية. وهذه الحقيقة تجعل أي حضور عراقي في مناسبات إقليمية أو دينية محط تأويلات متعددة، بعضها يقرأه من زاوية العقيدة، وبعضها من زاوية السياسة، وآخر من زاوية الجغرافيا الاستراتيجية. ولهذا فإن الضجة التي ترافق مثل هذه الأحداث لا تنبع من المراسم وحدها، بل من موقع العراق نفسه بوصفه نقطة التقاء بين التاريخ والدين والسياسة، وهو موقع يجعل كل حدث يقع على أرضه قابلاً لأن يحمل أكثر من معنى وأكثر من رسالة.وفي النهاية، فإن الفيلسوف لا يحاكم المشاهد بقدر ما يحاول فهمها، ولا يكتفي بوصف الحشود، بل يسأل عن الأفكار التي تتحرك خلفها. فالموت، مهما كان مؤلماً، يبقى حقيقة إنسانية يشترك فيها الجميع، أما الطريقة التي يُقدَّم بها الموت إلى الذاكرة العامة فهي التي تصنع الفارق بين حدث ينتهي بانتهاء مراسمه، وآخر يتحول إلى فصل جديد في تاريخ أمة أو دولة أو مشروع سياسي. وبين الحقيقة والرمز تبقى مهمة العقل أن يقرأ ما وراء الصورة، وأن يميز بين الإنسان الذي يرحل، والسردية التي قد تبدأ حياتها بعد رحيله.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنا الذي لا يبيع ظله.
- القرآن ليس أداةً للإهانة السياسية.
- هاتف الثلج... الرجل الذي أنقذ الذاكرة من النسيان، ومضى إلى ب ...
- الأستاذ الدكتور ياس خضير البياتي... الرجل الذي جعل من الإعلا ...
- رسالة مفتوحة إلى دولة رئيس مجلس الوزراء.
- لا تُعلّقوا الوطن على باب اللص.
- اضرب جذور الفساد لينهض الوطن.
- شموخ الجبال لا يُقاس بالارتفاع.
- الجوع ليس قدرًا... بل امتيازات الآخرين
- الحسين الذي ضاع بين الهتاف والغنيمة.
- الحسين .
- أيها العراقيون... تذكّروا من أنتم.
- مات لأن اللصوص كانوا أكثر جوعًا منه.
- ثلاثة وعشرون عاماً من الانتظار على أبواب العدالة.
- التنور الذي فضح الوطن كيف أصبحت أموال الفقراء حطبًا لنار الل ...
- لا تُصلحوا العراق... حرّروا الإنسان أولًا.
- الانهيار كفنٍّ للحكم..
- حلبجة وكربلاء... قلبٌ واحد على ضفتي الحزن.
- سلالةُ الوجع.
- هل أنا عراقي حقًا؟.


المزيد.....




- قط رئيس وزراء بلجيكا يدخل على خط أزمة -البطاقة الحمراء لبالو ...
- الكنيست الإسرائيلي يوافق بالقراءة الأولى على مشروع تشكيل لجن ...
- استقالة لجنة الطوارئ الحكومية في غزة تمهيدا لنقل إدارة القطا ...
- لافروف يصل إلى أديس أبابا في مستهل جولة إفريقية
- سيناتور روسي ينتقد تصريحات الرئيس الفنلندي حول ضربات كييف عل ...
- -بلومبرغ-: مؤسس منتدى دافوس يتوجه إلى الشرطة بعد اكتشاف التن ...
- مندوب أمريكي: نريد من الحلفاء أن يشتروا أسلحتنا
- القضاء المغربي يحكم بالسجن والغرامة على يوتيوبر شهير بعد فيد ...
- البحر الأحمر على صفيح ساخن.. تقرير فرنسي يكشف ما يحدث في -أر ...
- ستوب: قادة الناتو يؤيدون ضربات أوكرانيا في العمق الروسي


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حين يتحول الموت إلى لغة السياسة.