أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عندما تسقط الإنسانية قبل أن يسقط الإنسان.














المزيد.....

عندما تسقط الإنسانية قبل أن يسقط الإنسان.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8759 - 2026 / 7 / 7 - 18:47
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست أكثر الجرائم رعبًا تلك التي تنتهي بجثة، بل تلك التي تنتهي بموت الإنسان وهو ما يزال يتنفس. فالإنسان قد يفقد حياته مرة واحدة، لكنه قد يفقد إنسانيته آلاف المرات قبل أن يمدده الموت على فراشه الأخير. وما تناقلته وسائل الإعلام عن الاعتداء الوحشي الذي تعرضت له طبيبة على يد طليقها، إن ثبتت تفاصيله أمام القضاء، لا يمثل حادثة جنائية معزولة، بل يكشف عن صدع عميق في بنية المجتمع، وعن انهيار تدريجي لمنظومة القيم التي كانت تجعل الإنسان يخجل من أذيته قبل أن يخاف من القانون. إنها لحظة موجعة تجعلنا نسأل أنفسنا: كيف وصلنا إلى زمن يصبح فيه طبيب، وهو من أقسم أن يداوي الألم، قادرًا على أن يصنعه بهذه القسوة؟ وكيف تتحول المعرفة إلى أداة لا تهذب النفس إذا كانت الأخلاق غائبة؟.. لقد اعتدنا أن نقيس رقي الإنسان بشهاداته ومهنته ومكانته الاجتماعية، لكن التجارب القاسية تثبت أن الثقافة شيء، والأخلاق شيء آخر، وأن الجامعة تمنح العلم، لكنها لا تمنح الضمير، وأن الإنسان قد يحمل أعلى الشهادات بينما يعيش بداخله فراغ روحي مخيف لا يملؤه المال ولا النجاح ولا الشهرة. إن الجريمة حين تصدر من شخص يفترض فيه أن يكون رمزًا للرحمة، فإنها لا تصيب الضحية وحدها، بل تصيب ثقة المجتمع كله، وتدفع الناس إلى إعادة النظر في معايير الاحترام التي بنوها على الألقاب أكثر مما بنوه على القيم.ولعل أخطر ما في هذه الواقعة أنها تأتي في زمن يشهد ارتفاعًا مقلقًا في نسب الطلاق والتفكك الأسري والعنف المنزلي، حتى أصبح السؤال مشروعًا: أين يكمن الخلل؟ هل هو الفقر؟ لكننا نجد أثرياء يتطلقون. هل هو الجهل؟ لكننا نجد متعلمين يمارسون أبشع صور العنف. هل هو ضعف الإمكانات؟ لكن أصحاب الدخول المرتفعة يعيشون المآسي نفسها. إذن فالمشكلة أعمق من المال، وأبعد من الشهادة، وأخطر من المظهر الاجتماعي. إنها أزمة تربية، وأزمة ضمير، وأزمة قدرة على إدارة الغضب، وأزمة فقدان لمعنى الأسرة بوصفها ميثاقًا أخلاقيًا قبل أن تكون عقدًا قانونيًا.لقد تحولت الأسرة عند بعض الناس من مشروع لبناء الحياة إلى ساحة لتصفية الحسابات، وأصبح الطفل في كثير من حالات الطلاق أول الضحايا، والأبوان المسنان آخر الضحايا، والمرأة الحلقة الأكثر هشاشة في دوامة الانتقام، وكأن الحب الذي كان يومًا سببًا للاجتماع يتحول بعد الانفصال إلى وقود للكراهية. وهذه ليست مشكلة أفراد فقط، بل مؤشر على مرض اجتماعي يتطلب علاجًا جماعيًا، لأن المجتمعات لا تنهار فجأة، وإنما تتآكل من داخلها عندما تضعف الرحمة ويغيب الحوار ويحل الانتقام محل العدالة.
إن القانون ضرورة لا غنى عنها، لكنه وحده لا يصنع مجتمعًا سليمًا. فالقانون يعاقب بعد وقوع الجريمة، أما التربية فتمنع وقوعها.والقاضي يحكم بعد أن ينتهي كل شيء، أما الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية فهي التي تصنع الإنسان قبل أن يقف أمام القاضي. ولهذا فإن أي مشروع لمواجهة العنف الأسري لن ينجح إذا اقتصر على العقوبات، من دون بناء ثقافة احترام الآخر، وتعليم الشباب منذ الصغر أن الانفصال، مهما كان مؤلمًا، لا يمنح أحدًا حق الانتقام أو الإيذاء.إن الدين، في جوهره، لم يكن يومًا مجرد طقوس، بل منظومة أخلاقية تحرم الظلم وتجرم الاعتداء وتصون الكرامة الإنسانية. وحين يغيب أثر هذه الأخلاق في السلوك، فإن المشكلة ليست في المبادئ، بل في الابتعاد عنها. كما أن الحديث عن العقاب الإلهي لا يعفي المجتمع من مسؤوليته في إقامة العدل الأرضي، فحماية الناس واجب الدولة، وإنصاف الضحايا واجب القضاء، ونشر الوعي واجب الجميع.ولا ينبغي أن تتحول مثل هذه القضايا إلى مادة للشماتة أو الإشاعات أو إصدار الأحكام المسبقة، بل إلى جرس إنذار يدفعنا لمراجعة أنفسنا. فكل بيت يحتاج إلى ثقافة الحوار، وكل مؤسسة تعليمية تحتاج إلى ترسيخ قيم الاحترام، وكل قانون يحتاج إلى تطبيق عادل وحازم، وكل إنسان يحتاج إلى أن يدرك أن القوة الحقيقية ليست في البطش، وإنما في ضبط النفس.إن المجتمع العراقي، بما يحمله من تاريخ طويل وقيم أصيلة، يستحق أن يستعيد صورته التي عُرف بها في التكافل والرحمة وصيانة الأسرة. وليس من المقبول أن تصبح مشاهد العنف خبرًا عابرًا يختفي بعد أيام، ثم تتكرر المأساة مع ضحية جديدة. فكل جريمة عنف أسري تترك ندبة في ضمير الوطن، وكل طفل يشهد هذا العنف يحمل أثره إلى المستقبل، وكل صمت عن الظلم يفتح الباب لظلم آخر.إننا اليوم أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية لا تقل أهمية عن المسؤولية القانونية. مسؤولية أن نعيد الاعتبار للإنسان، وأن نجعل من الأسرة مدرسة للمحبة لا ساحة للصراع، وأن ندرك أن بناء البيوت لا يكون بالإسمنت، بل بالرحمة، وأن الشهادات لا ترفع قيمة الإنسان إذا لم يرفعها ضميره.فالأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل يحميها إنسان يعرف أن كرامة الآخر جزء من كرامته، وأن الرحمة ليست ضعفًا، بل أعلى درجات القوة، وأن العدالة ليست انتقامًا، بل ضمانة لبقاء المجتمع حيًا، متماسكًا، وقادرًا على مواجهة ظلام العنف بنور الإنسانية.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خرائبُ النحو.
- حين يتحول الموت إلى لغة السياسة.
- أنا الذي لا يبيع ظله.
- القرآن ليس أداةً للإهانة السياسية.
- هاتف الثلج... الرجل الذي أنقذ الذاكرة من النسيان، ومضى إلى ب ...
- الأستاذ الدكتور ياس خضير البياتي... الرجل الذي جعل من الإعلا ...
- رسالة مفتوحة إلى دولة رئيس مجلس الوزراء.
- لا تُعلّقوا الوطن على باب اللص.
- اضرب جذور الفساد لينهض الوطن.
- شموخ الجبال لا يُقاس بالارتفاع.
- الجوع ليس قدرًا... بل امتيازات الآخرين
- الحسين الذي ضاع بين الهتاف والغنيمة.
- الحسين .
- أيها العراقيون... تذكّروا من أنتم.
- مات لأن اللصوص كانوا أكثر جوعًا منه.
- ثلاثة وعشرون عاماً من الانتظار على أبواب العدالة.
- التنور الذي فضح الوطن كيف أصبحت أموال الفقراء حطبًا لنار الل ...
- لا تُصلحوا العراق... حرّروا الإنسان أولًا.
- الانهيار كفنٍّ للحكم..
- حلبجة وكربلاء... قلبٌ واحد على ضفتي الحزن.


المزيد.....




- سعودي يحرق زوجته بالبنزين.. الداخلية تكشف تفاصيل مروعة بإعلا ...
- البحرين.. انطلاق صافرات الإنذار والداخلية تصدر توجيهات
- قرب مضيق هرمز.. ضربات أمريكية على بندر عباس وسيريك كـ-عقاب- ...
- استهدفت 85 موقعا.. الحرس الثوري الإيراني يعلق على الضربات في ...
- الدفاع الروسية: توجيه ضربة ليلية دقيقة لمواقع صناعية في كييف ...
- دبلوماسية السفن الأمريكية السوداء!
- كان ينام في الشوارع... ثم صار يعلّم الناس إدارة أموالهم
- إطلاق صفارات الإنذار في البحرين عقب الضربات الأمريكية على إي ...
- الدفاعات الكويتية تتصدى لهجمات صاروخية بعد القصف الأمريكي عل ...
- الحرس الثوري الإيراني: استهدفنا 85 موقعا عسكريا أمريكيا في ا ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عندما تسقط الإنسانية قبل أن يسقط الإنسان.