حامد الضبياني
الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 14:05
المحور:
قضايا ثقافية
دعوه يمرُّ ببغداد...
لا ليُرى،
بل ليرى
أن المدن التي تحفظ أسماء شهدائها
لا تُصافحُ يدًا
جاءت تحملُ خرائطَ الخراب.
دعوه يمرُّ
من تحتِ قوسِ النصر،
حيثُ ما زالتِ السيوفُ
تعرفُ الفرقَ
بين من يرفعُ الوطنَ على كتفيه،
ومن يرفعُ على الوطنِ بندقيةً غريبة.
دعوه يمرُّ...
فالعراقُ
ليس طريقًا للعابرين،
بل امتحانٌ
تسقطُ فيه الأقنعةُ
وتنجو فيه الأرواحُ الكبيرة.
مرّوا به
عندَ الجنديِّ المجهول،
فثمّةَ أسماءٌ
لا تحتاجُ إلى شواهد،
لأنها كُتبت
في ضميرِ الأرض،
وفي ذاكرةِ الأمهات،
وفي دمعةِ كلِّ نخلةٍ
أقسمت أن تبقى واقفةً.
وعرّجوا به
على نصبِ الشهيد،
ليتعلّم
أن الدمَ العراقيَّ
ليس لونًا على حجر،
بل فلسفةُ وطنٍ
كلما ظنَّ الغزاةُ
أنهم أطفؤوا شمسَه،
أشعلها شهيدٌ آخر.
اعبروا به دجلة...
ذلك النهرُ
الذي لا يحملُ الماءَ وحده،
بل يحملُ تاريخًا
كلُّ موجةٍ فيه
قصيدةٌ،
وكلُّ ضفةٍ
وصيةُ نبيٍّ
مرَّ من هنا
وترك للعراق
سرَّ الخلود.
مرّوا به
من جهةِ الكرادة،
حيثُ ما زالت أرواحُ الأطفال
تكتبُ على الهواء:
إن المدارسَ
قد تُهدمُ،
لكنَّ المعرفةَ
لا تُدفن.
دعوه يمرُّ
من عرينِ الأسود...
فهناك
تتذكرُ الأرضُ
ذلك اليوم
حين ظنت يدٌ غريبة
أنها تستطيعُ
أن تمتدَّ نحو ترابِ العراق،
فعادت
تحملُ كسرَها،
وعادت
تتعلمُ أن الأوطانَ
ليست خرائطَ للبيع،
بل كراماتٌ
إذا نهضت
ارتجفت لها الجيوش.
أنا العراق...
لستُ ظلَّ حضارة،
بل الحضارةُ
حين تنطقُ باسمها.
أنا النخلةُ
إذا انحنتْ
فلكي تعطي الثمر،
لا لكي تُعلنَ الهزيمة.
أنا دجلةُ
إذا غضب،
غسلَ عن التاريخِ
غبارَ الطغاة.
وأنا ابنُ البلادِ
التي لا تُقاسُ
بعددِ الحروب،
بل بعددِ المراتِ
التي انتصرتْ فيها
على الموت.
فدعوه يمرُّ...
ليعرفَ
أن بغدادَ
لا تُقاسُ بما مرَّ عليها،
بل بما بقيَ فيها
من كبرياءِ الأنبياءِ،
وشموخِ المآذن،
وصبرِ الأمهات،
وعزّةِ العراقيِّ
الذي كلما أرادوه أن ينحني،
وقفَ
أعلى من الريح...
لأن العراقَ
ليس وطنًا يُهزم،
بل معنىً
كلما حاولَ الزمنُ كسره،
كتبَ من شظاياه
فجرًا جديدًا.
أما هو...
فقد دخلها أخيرًا،
لا فارسًا،
ولا فاتحًا،
ولا صاحبَ رايةٍ،
بل محمولًا
على كتفي النهاية.
لقد سبقته جنازتُه،
لأن بغداد
لا تستقبلُ الغزاة،
بل تستقبلُ نهاياتِهم،
وتتركُ للتاريخ
أن يكتبَ على شاهدةِ الوهم:
هنا انتهى رجلٌ...
لأنه ظنَّ
أن العراقَ
يمكنُ أن ينحني.
#حامد_الضبياني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟