أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الحوار المتمدن... ذاكرة العقل العراقي ومنبر الثقافة العربية إلى العالم.















المزيد.....

الحوار المتمدن... ذاكرة العقل العراقي ومنبر الثقافة العربية إلى العالم.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 14:02
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست كل المواقع الإلكترونية مجرد صفحات تزدحم بالحروف، وليست كل المنصات الثقافية أرشيفاً رقمياً يعبر الزمن بصمت، فثمة أماكن تتحول مع الأيام إلى ذاكرة أمة، وإلى مساحة يلتقي فيها المختلفون قبل المتشابهين، وإلى نافذة يطل منها العقل على العقل بعيداً عن ضجيج البنادق وصخب الشعارات. ومن بين تلك التجارب التي استطاعت أن تصنع لنفسها حضوراً استثنائياً في المشهد الثقافي العراقي والعربي، يقف موقع الحوار المتمدن بوصفه تجربة تجاوزت مفهوم الموقع الإلكتروني إلى مفهوم المؤسسة الفكرية التي راهنت منذ بدايتها على قوة الكلمة لا على سلطة السلاح، وعلى الحوار لا على الإقصاء، وعلى المعرفة بوصفها الطريق الأقصر إلى بناء الإنسان.
في زمن كانت فيه المنطقة العربية تغرق في الاستقطابات الحادة، وتتشظى فيه المنابر بين خطاب مغلق وآخر لا يرى إلا صورته في المرآة، جاء الحوار المتمدن ليقول إن الحقيقة لا يحتكرها أحد، وإن الفكر لا ينمو داخل الغرف المغلقة، وإن الثقافة ليست ملكاً لحزب أو طائفة أو قومية أو أيديولوجيا، بل هي ميراث إنساني تتسع مساحته كلما ازداد الاختلاف وتعمقت حرية التعبير. ومن هنا لم يكن نجاح هذه المؤسسة وليد الصدفة، بل كان نتيجة إيمان طويل بأن الكلمة الحرة تستطيع أن تهزم الجهل ولو بعد حين، وأن المقالة الرصينة قد تكون أبلغ أثراً من آلاف الخطب التي تنتهي بانتهاء التصفيق.
لقد استطاع الحوار المتمدن منذ تأسيسه عام 2001 أن يجمع آلاف الكتّاب والباحثين والمثقفين من العراق ومختلف البلدان العربية، بل ومن المهجر أيضاً، ليخلق فضاءً واسعاً تتجاور فيه الدراسات الفكرية مع المقالات السياسية، وتلتقي فيه النصوص الأدبية مع البحوث الفلسفية، وتتحاور فيه الرؤى المتباينة دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة أو عداوة. وهذه ميزة نادرة في فضاء إعلامي اعتاد أن يقيس الأشياء بمنطق الاصطفاف لا بمنطق المعرفة.
ولعل ما يميز هذه التجربة أنها لم تكن تبحث عن صناعة النجوم بقدر ما كانت تصنع فرصة متساوية للجميع. فكم من قلم عراقي وعربي وجد في الحوار المتمدن نافذته الأولى نحو القارئ، وكم من باحث استطاع أن ينشر أفكاره بعيداً عن رقابة المؤسسات التقليدية، وكم من شاعر وروائي ومفكر وجد أن الكلمة يمكن أن تعبر الحدود من دون أن تحتاج إلى جواز سفر أو تأشيرة عبور. وهكذا تحولت المنصة إلى مكتبة رقمية هائلة تحفظ جزءاً مهماً من الذاكرة الفكرية العربية، وتمنح الأجيال القادمة فرصة العودة إلى آلاف المقالات والدراسات التي وثقت تحولات العراق والمنطقة خلال أكثر من عقدين.
وعندما نتأمل شخصية مؤسس الموقع رزكار عقراوي نجد أننا أمام تجربة امتزج فيها العمل الإعلامي بالفعل الفكري. فقد انشغل منذ سنوات طويلة بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والحوار الفكري، وسعى إلى تقديم رؤى تتعلق بتطوير الخطاب اليساري في ظل التحولات الرقمية، وهو ما عبّر عنه بمفهوم "اليسار الإلكتروني"، بوصفه تصوراً لتحديث آليات العمل والتنظيم والتواصل في عصر الثورة المعلوماتية، مع التأكيد على الانفتاح والتعددية والحوار. سواء اتفق المرء مع هذه الرؤية أو اختلف معها، فإنها تمثل اجتهاداً فكرياً أسهم في إثراء النقاش العام، وهو ما ينسجم مع طبيعة الحوار المتمدن كمجال لعرض الأفكار ومناقشتها.لقد فهم رزكار عقراوي مبكراً أن الثورة الرقمية ليست مجرد تطور في وسائل الاتصال، وإنما هي تحول في بنية الوعي الإنساني، وأن الأفكار التي لا تواكب هذا التحول ستبقى حبيسة الكتب المغلقة، لذلك راهن على الإنترنت في وقت كان كثيرون ينظرون إليه كوسيلة ترفيه لا كمنصة لصناعة الثقافة. وربما لهذا السبب استطاع الحوار المتمدن أن يسبق كثيراً من المؤسسات التقليدية، وأن يرسخ حضوره بوصفه أحد أبرز المنابر الفكرية العربية المستقلة على امتداد سنوات طويلة.أما العراق، ذلك الوطن الذي أنهكته الحروب والانقسامات، فقد كان في أمسّ الحاجة إلى منبر يفتح أبوابه أمام جميع الأقلام، لأن الثقافة العراقية لم تكن يوماً نتاج لون واحد أو مذهب واحد أو قومية واحدة، بل كانت دائماً فسيفساء من الحضارات والرؤى والأصوات. ومن هنا جاء دور الحوار المتمدن في احتضان هذا التنوع، فكان مساحة يكتب فيها العربي والكردي والتركماني والآشوري، ويشارك فيها الكاتب المقيم داخل العراق مع الكاتب الذي فرضت عليه المنافي حياة أخرى، ليبقى الوطن حاضراً في النصوص مهما ابتعدت المسافات.ولم يتوقف أثر الموقع عند العراق وحده، بل امتد إلى العالم العربي بأسره، إذ أسهم في خلق شبكة واسعة من التفاعل الثقافي بين مفكرين وأدباء من بلدان مختلفة، فصار القارئ المغربي يقرأ للكاتب العراقي، ويطالع السوري أفكار الباحث التونسي، ويتحاور المصري مع الفلسطيني واليمني واللبناني في فضاء معرفي واحد. وهكذا أصبحت الثقافة أكثر قدرة على تجاوز الحدود السياسية، وأكثر قدرة على صناعة الجسور بين الشعوب.
وإذا كانت الأمم تُقاس بما تتركه من مكتبات ومراكز معرفة، فإن الأرشيف الضخم الذي بناه الحوار المتمدن خلال سنوات عمله يمثل ثروة فكرية حقيقية، لأنه لم يحفظ المقالات فحسب، بل حفظ أيضاً نبض مرحلة كاملة من تاريخ المنطقة، بكل ما فيها من أسئلة كبرى، وتحولات سياسية، ونقاشات فلسفية، وصراعات فكرية، وآمال لم تتوقف في البحث عن مستقبل أكثر عدلاً وحرية.
إن القيمة الكبرى لأي مؤسسة ثقافية لا تكمن في عدد زوارها أو حجم انتشارها فقط، بل في قدرتها على حماية العقل من التصحر، وحماية الإنسان من الانغلاق، وإبقاء نافذة الحوار مفتوحة حتى في أكثر الأزمنة قسوة. وهذه واحدة من أهم الرسائل التي حملها الحوار المتمدن طوال مسيرته؛ فالحوار لم يكن عنده مجرد عنوان، بل كان منهجاً، والتمدن لم يكن شعاراً، بل إيماناً بأن الإنسان لا يرتقي إلا حين يصغي إلى الآخر، ويحترم اختلافه، ويحتكم إلى العقل قبل الانفعال.ولذلك فإن الحديث عن الحوار المتمدن ليس حديثاً عن موقع إلكتروني وحسب، بل عن تجربة ثقافية عراقية استطاعت أن تجد لنفسها مكاناً في الذاكرة العربية والعالمية، وأن تثبت أن المؤسسات التطوعية القائمة على الإيمان بالفكر يمكن أن تؤدي دوراً لا يقل أهمية عن الجامعات ودور النشر الكبرى. فالأوطان لا تبنى بالإسمنت وحده، وإنما تبنى أيضاً بالكلمة الحرة، وبالمقالة الصادقة، وبالفكرة التي ترفض أن تستسلم للعتمة.وسيظل الحوار المتمدن، مهما تبدلت الأزمنة وتغيرت وسائل الاتصال، شاهداً على أن الثقافة قادرة على الانتصار حين تجد من يؤمن بها، وأن الكلمة الصادقة قد تعيش أطول من أصحابها، وأن المنابر التي تُبنى على احترام الإنسان تبقى أكثر رسوخاً من المنابر التي تُبنى على الضجيج. فالمواقع قد تُنشأ في يوم، لكنها لا تتحول إلى مؤسسات إلا حين يصبح تاريخها مرادفاً لذاكرة أمة، وحين يغدو أرشيفها جزءاً من الضمير الثقافي الذي يرفض أن يموت.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق على مفترق الخرائط... وزيارة الزيدي في زمن إعادة تشكيل ...
- براءةُ اللصوص.
- لو خُيِّرت بين النووي والحرامية.
- يلبسون الذهب... والشعب يموت جوعًا.
- الحزب الشيوعي... نزاهة الفكرة وارتباك الطريق.
- العشقُ الأوّل.
- وصية الأبواب التي لا تنحني.
- لقاء مكي... آخر الأصوات التي لم تغادر العراق.
- بلاغٌ ضدَّ وطنٍ يُباع.
- عندما تسقط الإنسانية قبل أن يسقط الإنسان.
- خرائبُ النحو.
- حين يتحول الموت إلى لغة السياسة.
- أنا الذي لا يبيع ظله.
- القرآن ليس أداةً للإهانة السياسية.
- هاتف الثلج... الرجل الذي أنقذ الذاكرة من النسيان، ومضى إلى ب ...
- الأستاذ الدكتور ياس خضير البياتي... الرجل الذي جعل من الإعلا ...
- رسالة مفتوحة إلى دولة رئيس مجلس الوزراء.
- لا تُعلّقوا الوطن على باب اللص.
- اضرب جذور الفساد لينهض الوطن.
- شموخ الجبال لا يُقاس بالارتفاع.


المزيد.....




- ابتكار ملابس تكبر مع الأطفال بحسب أعمارهم
- من المكسيك إلى لبنان.. رسّامة تنقل فن الجداريات إلى شوارع بي ...
- فيديو منسوب لـ-انفجار في أكبر مضخة نفط في إيران-.. ما حقيقته ...
- هيئة بريطانية: ناقلة نفط تبلغ عن تعرضها لهجوم صاروخي قبالة س ...
- بعد إعلان مبادرة رئيس الجمهورية: حقوق أطفال مرضى السكري من ا ...
- الشوكولاتة الداكنة: متى تكون صحية، ومتى لا تكون كذلك؟
- تقرير: ترامب منح محمد بن سلمان الضوء الأخضر لضرب الحوثيين.. ...
- شركة ألمانية عملاقة تنتقد خطة ترامب لفرض رسوم على عبور هرمز ...
- فيديو مسرب لمصطفى كامل يثير ضجة .. وتحركات عاجلة
- مكتب نتنياهو يطلب تمديد حراسة الشاباك لعائلته 5 سنوات بغض ال ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الحوار المتمدن... ذاكرة العقل العراقي ومنبر الثقافة العربية إلى العالم.