أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - هل تستطيع الدولة أن تستعيد نفسها؟.














المزيد.....

هل تستطيع الدولة أن تستعيد نفسها؟.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 12:05
المحور: قضايا ثقافية
    


ما الذي يدفع دولةً تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم إلى انتظار طائرة تحمل أوراقاً نقدية من خلف البحار؟ وما الذي يجعل حكومةً منتخبةً تدخل مفاوضاتٍ شاقة لا من أجل مشروع استراتيجي أو اتفاقية تاريخية، بل من أجل أن تضمن وصول أموالها إليها؟ وما الذي يدفع وطناً يمتد عمر حضارته إلى آلاف السنين إلى أن يتحول ملفُّ سلاحه وماله وسيادته إلى بنودٍ تُناقش فوق طاولات الآخرين؟ إن هذه الأسئلة لا تتحدث عن الدولار كما يظن البعض، بل تتحدث عن الدولة، فالأزمات المالية يمكن أن تُحل، أما أزمة الدولة فلا تُحل إلا إذا امتلكت القدرة على استعادة نفسها.إن أخطر ما يمكن أن يحدث للأوطان ليس أن تُهزم في حرب، بل أن تتعايش مع فكرة الهزيمة دون أن تشعر بذلك. فالهزيمة الحديثة لا تأتي دائماً على ظهر دبابة، بل قد تأتي داخل حقيبة أموال، أو داخل مؤسسة أُفرغت من معناها، أو داخل بندٍ صغير يُضاف إلى اتفاق سياسي طويل. لقد نجحت الفلسفات السياسية الحديثة في تعريف الدولة باعتبارها الكيان الوحيد الذي يحتكر القوة ويحمي القانون ويدير الثروة، وكل ما عدا ذلك ليس دولة كاملة، بل مشروع دولة ما زال يبحث عن نفسه وسط الضجيج.ولعل المأساة العراقية الأكثر إيلاماً أن العراق لم يعد يخوض معاركه الكبرى خارج حدوده، بل أصبح يخوضها داخل تعريفاته الأولى، فهو ما زال يسأل نفسه عن معنى الدولة، وعن حدود السلطة، وعن الجهة التي تمتلك حق حمل السلاح، وعن الجهة التي تمتلك حق التصرف بثرواته. لقد تحول السؤال العراقي من سؤال التنمية إلى سؤال البقاء، ومن سؤال المستقبل إلى سؤال الهوية السياسية للدولة ذاتها.ما الذي تريده الولايات المتحدة من العراق؟ سؤال يتردد كثيراً، لكن السؤال الأهم هو ماذا يريد العراق من العراق؟ فواشنطن لم تقل لبغداد هذه المرة غيّروا نظامكم السياسي أو غيّروا دستوركم، بل قالت لها ببساطة: اجعلوا الدولار يصل إلى العراقيين ولا تجعلوه يصل إلى الجماعات المسلحة أو إلى الجهات التي تلتف على العقوبات الدولية. وقد يبدو هذا الطلب مالياً في ظاهره، لكنه في جوهره سياسي وفلسفي عميق، لأنه يُعيد طرح السؤال الأول الذي تهرب منه الحكومات المتعاقبة منذ سنوات طويلة، من يحكم العراق فعلاً؟
إن المشكلة لم تكن يوماً في الدولار، فالدولار لا يحمل بندقية ولا يحتل مؤسسة ولا يصنع ولاءات عابرة للحدود، إنه مجرد ورقة. أما المشكلة الحقيقية فهي الطريق الذي يسلكه هذا الدولار، والجهات التي تقرر وجهته النهائية. ولهذا السبب تحولت الحرب على تهريب الدولار إلى حرب على خرائط النفوذ ذاتها، فالمال ليس مجرد اقتصاد، بل هو الوجه الآخر للسلطة، وكل سلطة تمتلك المال تمتلك القدرة على البقاء وإعادة إنتاج نفسها.لقد اكتشف العالم مبكراً أن أخطر أنواع السلاح ليس ذلك الذي يُطلق الرصاص، بل ذلك الذي يمتلك القدرة على شراء المستقبل. ومن هنا جاء الضغط الأمريكي هذه المرة أكثر عمقاً وأشد قسوة، فهو لا يواجه الفصائل المسلحة عبر الصواريخ، بل عبر تجفيف الطرق التي تمنحها القدرة على الحركة والنفوذ والاستمرار. إنها حرب المصارف لا حرب المدافع، وحرب الأرقام لا حرب البيانات السياسية.لكن هل تستطيع الحكومة العراقية أن تفعل ذلك؟ هنا تبدأ الأسئلة الأكثر تعقيداً. فالحديث عن نزع السلاح أسهل كثيراً من القدرة على نزعه، والحديث عن حصره بيد الدولة أكثر سهولة من صناعة دولة تمتلك فعلاً القدرة على احتكاره. إن السلاح لا يعيش فوق الأكتاف فقط، بل يعيش داخل المصالح والتحالفات والمؤسسات، ولهذا فإن تسليم قطعة الحديد لا يعني بالضرورة تسليم المشروع الذي كان يحملها.لقد تعلمت الجماعات المسلحة عبر السنوات كيف تتحرك داخل مساحات الرماد السياسي، فهي جزء من الدولة عندما يتعلق الأمر بالموازنات والرواتب والامتيازات، لكنها تتحول إلى مشروع مستقل عندما يتعلق الأمر بالقرار والولاءات. وهذه الازدواجية ليست مجرد إشكالية قانونية، بل هي أزمة فلسفية في تعريف السلطة ذاتها، لأن السلطة لا تقبل الشراكة في أدواتها الأساسية، فلا يوجد في التاريخ ما يسمى بنصف دولة تمتلك نصف سلاحها ونصف قرارها ونصف سيادتها.إن الذين يتحدثون عن استحالة إنهاء هذا الملف ينسون أن كل الأزمات السياسية تبدو مستحيلة قبل لحظة حلها، كما أن الذين يتحدثون عن سهولة حله ينسون أن الملفات التي تراكمت طوال أكثر من عقدين لا يمكن اختصارها بخطاب سياسي أو اتفاق عابر. فالحقيقة تقف في منتصف المشهد، إذ يحتاج العراق إلى إرادة سياسية تمتلك الشجاعة، وإلى مشروع وطني يمتلك الصبر، وإلى دولة تمتلك القدرة على التفريق الواضح والحاسم بين المؤسسة الرسمية وأي قوة أخرى مهما كان اسمها أو تاريخها أو حجمها.إن الدولة لا تطلب الإذن لكي تحكم، ولا تستعير هيبتها من الآخرين، ولا تفاوض أحداً على حقها الطبيعي في احتكار القانون والقوة والثروة. فهذه ليست امتيازات تُمنح لها، بل هي تعريفها الأول والأخير. وما إن تضطر الدولة إلى التفاوض على هذه الحقوق حتى تكون قد دخلت مرحلة الأسئلة الكبرى التي تهدد معناها ووجودها.العراق لا يقف اليوم أمام أزمة دولار، بل أمام امتحان تاريخي يتجاوز الورقة النقدية إلى معنى الوطن نفسه. فالدولار سيصل أو يتوقف، والعقوبات قد تُفرض أو تُرفع، أما السؤال الذي سيبقى معلقاً فوق هذا الوطن طويلاً فهو: هل يمتلك العراق الشجاعة الكافية لكي يستعيد نفسه؟.. إن المستقبل لا يُصنع بالسلاح المنفلت، ولا بالولاءات المتعددة، ولا بالحلول المؤقتة، بل يُصنع بدولة لا تمتلك أكثر من عنوان واحد وسقف واحد وقرار واحد. وما عدا ذلك ليس سوى محاولات مؤجلة للإجابة عن السؤال الذي يرفض مغادرة المشهد العراقي منذ سنوات طويلة؛ متى يصبح العراق ملكاً للعراق وحده؟



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خُمس هرمز... أم خُمس الوهم؟ والشرق الأوسط على حافة السؤال ال ...
- جميل براهمة... وجهٌ حفظ ذاكرة الدراما الأردنية وتركها تسأل ع ...
- الحوار المتمدن... ذاكرة العقل العراقي ومنبر الثقافة العربية ...
- العراق على مفترق الخرائط... وزيارة الزيدي في زمن إعادة تشكيل ...
- براءةُ اللصوص.
- لو خُيِّرت بين النووي والحرامية.
- يلبسون الذهب... والشعب يموت جوعًا.
- الحزب الشيوعي... نزاهة الفكرة وارتباك الطريق.
- العشقُ الأوّل.
- وصية الأبواب التي لا تنحني.
- لقاء مكي... آخر الأصوات التي لم تغادر العراق.
- بلاغٌ ضدَّ وطنٍ يُباع.
- عندما تسقط الإنسانية قبل أن يسقط الإنسان.
- خرائبُ النحو.
- حين يتحول الموت إلى لغة السياسة.
- أنا الذي لا يبيع ظله.
- القرآن ليس أداةً للإهانة السياسية.
- هاتف الثلج... الرجل الذي أنقذ الذاكرة من النسيان، ومضى إلى ب ...
- الأستاذ الدكتور ياس خضير البياتي... الرجل الذي جعل من الإعلا ...
- رسالة مفتوحة إلى دولة رئيس مجلس الوزراء.


المزيد.....




- شملت -طنب الكبرى-.. الجيش الأمريكي يعلن اكتمال موجة الضربات ...
- ضربات أميركية جديدة وردّ إيراني يطال دولًا في المنطقة.. طهرا ...
- كيف تُحول السعادة من شعور عابر إلى دائم؟
- الجيش الإيراني: فتح مضيق هرمز يستوجب وقف القتال واحترام طهرا ...
- -الأخبار- اللبنانية: إسرائيل تدرس توسيع عملياتها في لبنان
- بيروت: قرار إنهاء الوجود العسكري لـ-حزب الله- نابع من إرادة ...
- الجيش الإسرائيلي يعلن اغتيال مسؤول القنص في -حماس- وسط قطاع ...
- غارات إسرائيلية وقصف مدفعي يستهدف بلدات جنوب لبنان وتفجيرات ...
- RT تكشف عن جرائم استخبارات زيلينسكي
- واشنطن تعلن موافقتها على بيع أسلحة للسعودية بقيمة تقارب مليا ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - هل تستطيع الدولة أن تستعيد نفسها؟.